ارشيف من :أخبار عالمية

بعد ساعات من تنشقهم نسائم الحرية.. مخطوفو الغوطة الشرقية يروون لـ’العهد’ قصصا مروعة عن ممارسات الإرهابيين 

بعد ساعات من تنشقهم نسائم الحرية.. مخطوفو الغوطة الشرقية يروون لـ’العهد’ قصصا مروعة عن ممارسات الإرهابيين 

نجحت الحكومة السورية في إطلاق سراح دفعة من مخطوفيها في سجون الإرهابيين في الغوطة الشرقية بعد مفاوضات شاقة معهم عبر وسطاء ذللوا جميع العقبات، وبالرغم من "الثمن الباهظ" الذي دُفع ثمناً لحرية هؤلاء، على ما أفادت مصادر حكومية سورية لموقع "العهد"، فإنه يبقى أقل بكثير من استمرار بقائهم في غياهب السجون التي روى نزلاؤها المحررون لموقع "العهد" قصصاً مروعة لما جرى ويجري فيها.
 
روايات القهر 

اعتقدت السيدة فاطمة عمر القادري أن خروجها من دوما واستقرارها في مساكن برزة سيجعلها بعيدة عن أيدي الإرهابيين الذين يطاردون ببنادق نقمتهم زوجها خالد ابن دوما، كذلك والمتطوع في صفوف الدفاع الوطني السوري. لم يطف ببال خالد أن عجز الإرهابيين عن الوصول إليه سيدفعهم لخطف زوجته فاطمة وسوقها إلى سجن التوبة الشهير من أجل مساومته لاحقا على تقديم نفسه لقصاصهم الجائر مقابل إطلاق سراحها. وكّل خالد أمره إلى الله وإلى الحكومة السورية التي تابعت قضية فاطمة وغيرها من المعتقلين، لتفضي جهود سنوات ثلاث من التفاوض إلى إطلاق فاطمة برفقة أربعة وعشرين معتقلا ومعتقلة، اختطفهم الإرهابيون من أماكن عملهم في عدة مناطق في دمشق وريفها.

"أشكر الجيش السوري على جهوده الكبيرة لإنقاذنا"، قالت فاطمة لموقع "العهد" وهي تغص بالبكاء قبل أن تضيف "أناشد بل أترجى سيادة الرئيس بشار الأسد أن يعمل جاهدا على إطلاق مخطوفي عدرا العمالية الذين شاهدتهم بأم عيني في سجن "التوبة" وهم يعيشون حياة لا يحتملها البشر. هناك نساء عاجزات وأطفال لا يرون إلا العتمة، يقبعون منذ خمس سنوات هناك بلا دواء وبقدر قليل من الطعام"، مضيفةً "لقد تساوت الحياة والموت عندهم وهم يعاملون بوحشية من قبل الإرهابيين الذين يكفرونهم ولا يقيمون وزناً لحياتهم".  

ولفتت فاطمة الى أنّ الإرهابيين يستخدمون السلاح فيما بينهم داخل السجن، الأمر الذي كان يؤدي لارتقاء شهداء وجرحى كما حصل مع الصبية شيماء ذات الأربعة عشر ربيعا والتي قضت نتيجة اطلاق نار متبادل وقع داخل السجن بين كل من "جبهة النصرة" و"جيش الإسلام الإرهابي" على خلفية إشكال قائم، " لقد وصل اليأس إلى القاع ولا يمكن التعايش مع إرهابيين لا يرعون عهدا ولا ذمة"، كما تؤكد فاطمة. 

بدورها، فاطمة خالد بنون روت لـ "العهد" كيف هجمت "جبهة النصرة" على المعمل الذي كانت تقضي فيه ورديتها الصباحية قبالة كراج العباسيين عندما سمعت إطلاق نار كثيف، وأصوات رجال ملثمين يأمرونها وبقية الأطفال والنساء بالسير أمامهم كدروع بشرية. "طلبوا منا الذهاب معهم إلى داخل الغوطة، رفضنا فانهالوا علينا بالضرب وبالكلام البذيء ما اضطرنا لمسايرتهم لنجد أنفسنا في عربين بعد رفع السواد عن عيوننا، وليتهم لم يفعلوا ذلك فقد كان هذا العمى المؤقت أهون بكثير من عمليات الإعدام التي كانت تجري كل يوم أمام أعيننا قصد ترهيبنا".

علي صهيوني طالب طب أسنان سنة ثالثة من إدلب، اضطرته ظروفه المعيشية الصعبة للعمل داخل أحد المعامل القريبة من كراج العباسيين، قصّ لـ "العهد" لحظات اختطافه "اقتادونا مغمضي العينين إلى منطقة مجهولة، طوال الطريق لم تفارق مسمعي أصوات أنين وبكاء ونحيب الأطفال، يسألون عن أمهاتهم فيسكتونهم بالضرب والشتيمة والتهديد بإلحاقهم بهم، عرفت لاحقاً أن آباءهم وأمهاتهم أعدموا على خلفيات مذهبية لحظة قام الإرهابيون بالهجوم، وسيق أطفالهم بين الحياة والموت ليكونوا وسيلتهم  في ابتزاز الحكومة السورية ".

وأضاف علي لموقع "العهد " "كل التقريع الذي لقيته منهم لأنني لم أقاتل جيش بلدي، يا لحماقتهم يريدونني أن أترك الطب وأتبع شيخا ضالا لا يفقه في الدين أكثر من قراءة سورة الفاتحة". 

محمد الجلد مهندس معماري من الرقة اتهمه الإرهابيون بأنه يمارس الجندية في صفوف الجيش العربي السوري، لقّم أحدهم مسدسه ووضعه في رأسه مستعجلا فيه قضاء الله بل قضاء ذلك الإرهابي الذي لبس ثوب الخصم والحكم في آن، وكاد يطلق النار لولا أن يد محمد امتدت مسرعة إلى ورقة تأجيل الخدمة ليؤجل هذا الأخير قرار الموت حتى اختلاق تهمة أخرى له.   

يقول محمد لـ "العهد" "جاؤوا بلباس الجيش ما جعل الإطمئنان يدخل إلى قلوبنا لحين بدأوا يسألوننا عن طوائفنا ومذاهبنا عندها عرفنا أنهم إرهابيون فالجيش لا يستعمل اللغة المذهبية وهو لكل السوريين، كان علينا أن نفطن لأجسامهم المنتفخة التي تتزنر بالأحزمة الناسفة وبالسواطير الطويلة التي تليق بمجرمين أمثالهم".

ويضيف محمد "اتخذوا منا دروعا بشرية واقتادونا معصوبي الأعين إلى جهة مجهولة، أكثر ما آلمني هو بكاء الأطفال، ومناشدات النساء لهم باسم الإسلام الذي لا يعقلون منه شيئاً، كان جوابهم الوحيد المقرون بالضرب والتنكيل لكل هذه المناشدات - أنتم كفرة ونحن أشداء على الكفار - وأوضح محمد بأنه بعد فك العصاب عن عينيه وجد نفسه ولساعات طويلة مجبراً على عتل أثاث  ضخم  كانوا قد جمعوه في مستودع  وطلبوا من المخطوفين نقله إلى بيوت أخرى من المكان" .

الهداية إلى الضلال 

بعد الأعمال "الشاقة" أوضح محمد لموقع "العهد" أن رجلا معمرا توحي لهجته بأنه أردني أو فلسطيني اجتمع به، وبعدد من المخطوفين المنتمين إلى " لون مذهبي معين"، وبيّن محمد أنه خلافا للأسلوب الفظ المتبع طوال "رحلة العذاب القهرية هذه"، فإن هذا الرجل حاول أن يبدو لطيفا معنا، واصفا ما وقع علينا من ممارسات بأنها ليست أكثر من "ضرورة ثورية" اعتذر لنا بسببها". كان لطفه الزائد يدعو إلى الريبة منه قبل أن يفصح عما يبغي من ورائه:...انضموا إلينا لقتال هؤلاء الكفرة ولكم الأجر والثواب في الدنيا والآخرة "، ويضيف محمد " سرعان ما زال هدوؤه المفتعل وانقلب وعيدا  على كل من رفض ذلك وكانوا هم الغالبية، حتى أولئك الذين وافقوا فقد فعلوا ذلك خوفا ومسايرة لهم وحاجة إلى مخازنهم العامرة التي أوصدوا أبوابها إلا عن محازبيهم " كلام محمد ردده بحرفيته زهير ياسين ابن جوبر الذي أكد أن المعاملة "الجيدة" له من قبل الإرهابيين انتهت عندما "آيسوا" من إقناعه بالإلتحاق بهم قبل أن يكشفوا عن وجههم الحقيقي ويمارسوا عليه كل أنواع الحرمان والتضييق.

الشيخ الدكتور خضر شحرور مدير أوقاف ريف دمشق أوضح لموقع "العهد" بأن هؤلاء الإرهابيين لبسوا لباس الدين وهو منهم براء ووضعوا عناوين كاذبة لما سموه " انتصارا لدينهم "، مضيفا بأن ما جرى ويجري في سوريا" إرهاب مدعوم من "الغرب و"اسرائيل" التي تعد العدة الكبيرة لأنها لم تستطع أن تخرق خط الصمود السوري "، وأثنى الدكتور شحرور على "الجهود الحثيثة" للحكومة السورية التي ناضلت كثيرا من أجل إطلاق سراح مواطنيها المخطوفين وتأمين عودتهم إلى أهلهم، مبيناً أن هؤلاء المخطوفين " صمدوا بالصبر "، ولم ينساقوا مع كل وعود ووعيد الإرهابيين لتعلوا كلمة وطنهم وتبقى نفوسهم " غير معروضة للبيع والشراء".
 
ثمن الحرية الباهظ 

أثناء استقباله لهم ، هنأ الدكتور همام حيدر أمين فرع حزب البعث العربي الاشتراكي المخطوفين بالحرية، مؤكدا بأن القيادة والجيش والحكومة لم يوفروا أي اسلوب متبع من أجل إطلاق سراحهم، مشيراً إلى " ثمن باهظ مدفوع" لقاء هذه الحرية قبل أن يستطرد قائلا " ومع ذلك حريتكم عندنا وبتوجيهات مباشرة من الرئيس الاسد أهم بكثير من هذا الثمن المدفوع"، ووعد الدكتور همام بمتابعة شؤون هؤلاء المحررين بشكل كامل وتذليل كافة العقبات أمامهم من أجل عودتهم إلى حياتهم الطبيعية في وظائفهم وجامعاتهم ومدنهم وقراهم.

كان لا بد لنا أن نسأل أمين فرع الحزب عن هذا الثمن الباهظ ليرد مبتسماً دون أن يفصح عن هذا " الثمن "سعادتنا لا توصف بتحرير هؤلاء الأخوة الذين يوجد بينهم نساء وقصر، صحيح أن هذا العدد قليل بالنسبة للأعداد الكبيرة المخطوفة داخل سجون الغوطة الشرقية لكننا " سنعمل على إطلاق سراح الجميع في وقت لن يكون بعيدا"، مضيفا بأن الرسالة التي نريد إيصالها تقول بأن "سوريا قيادة وجيشا وشعبا لن تتوانى عن إطلاق سراح كل مخطوف من أبنائها حتى لو كان هناك ضرورة لإطلاق سراح السيء والسلبي مقابل أن نعيد الوطني والشريف إلى أهله ودياره".

المخطوفون المحررون جميعهم توجهوا بالشكر للرئيس الأسد وللجيش العربي السوري والهلال الأحمر كذلك وللوجهاء ممن توسطوا مع الإرهابيين لإتمام الصفقة التي كانت طويلة وشاقة وبذل فيها الإرهابيون " كافة فصول الإبتزاز" .

ما لاحظناه أثناء لقاءاتنا العديدة مع المحررين المخطوفين هو انحدار أغلبيتهم من المناطق التي توصف عادة بأنها ساخنة ووصل الأمر بالبعض إلى اتهامها بأنها بيئة حاضنة، لكن مشهد السعادة على وجوه المحررين هذه كشف بأن الغالبية العظمى من هؤلاء "مغلوب على أمرهم"، وحين فتحت أمامهم السبل اختاروا النزوح إلى الأماكن التي تسيطر عليها الحكومة السورية، فلو كانوا بيئة حاضنة لما زج بهم في سجون "النصرة" وغيرها من الفصائل ما يفضح اتخاذ الإرهابيين لهم طوال سنوات خلت " دروعا بشرية" ويكذب الإدعاءات بأنهم خرجوا يوما على الحكومة السورية بدعوى " الحرية" وشتان ما بين حرية الأمس وحرية اليوم.

2018-01-17