ارشيف من :أخبار عالمية

الدبلوماسي البريطاني أليستر كروك لـ’العهد’: الـCIA والموساد وراء أحداث إيران الأخيرة..

الدبلوماسي البريطاني أليستر كروك لـ’العهد’: الـCIA والموساد وراء أحداث إيران الأخيرة..

علي رزق

أجرى موقع "العهد الإخباري" حوارًا مطوّلًا مع مؤسّس ومدير منتدى الصراعات الدولي في بريطانيا والدبلوماسي الأوروبي السابق أليستر كروك الذي عمل أيضًا في جهاز الاستخبارات البريطانية.

كروك تحدّث لـ"العهد" عن الأحداث الأخيرة في إيران وسياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الداخلية والخارجية وملفات المنطقة.

وهنا نصّ الحوار:

 الأوروبيون ردعوا الأمريكيين في الملفّ النووي..

سؤال: لنبدأ بإيران، هل ترى أن أياديَ استخباراتية أجنبية كانت تقف وراء التطورات التي شهدتها إيران مؤخرًا؟

إجابة: أعتقد أن المدعي العام الإيراني قال إن إيران كشفت أن جهتين اثنتين كانتا خلف ما حصل. الجهة الأولى أميركية والثانية إسرائيلية، ضابط من الاستخبارات الأمريكية "CIA" وضابط من الموساد. لا أقول إنني أملك أدلة مباشرة، لكن بناء على النمط وعلى ردود الفعل الأميركية، أرجّح ذلك، وهو تقريبًا مشابه لما حصل  عام 1953، حينما قامت الـ"CIA" بدفع المبالغ للناس كي يقوموا بتحطيم المحلات ويرتبكوا أعمال عنف، وأعتقد أن ما تقوله إيران عن تدبير من الخارج يستحقّ التصديق.

سؤال: هل تعتقد أن الاستراتيجية التي ستتبعها إدارة ترامب وعقيدتها المعادية لإيران ستستمرّ في إثارة أعمال الشغب؟ أم أننا متجهون الى ما هو أكبر من ذلك وربما الحرب؟

إجابة: علينا أوّلًا أن نعترف بأمرين:
الأول هو أن هذه المظاهرات لم تنجح بأيّ شكل من الأشكال. ما أعنيه أنها لم تحظَ بالدعم أو بأيّ ردّ فعل شعبي. كانت محدودة جدًا،
والمتظاهرون الذين لجؤوا الى العنف كان عددهم متواضعًا جدًا في بلد يقطنه 80 مليون نسمة.
الثاني هو أن الظروف تختلف بالكامل اليوم عما كانت عليه عام 2009 عندما حصلت الانتخابات الرئاسية وتفاجأت شريحة من الشعب بالنتائج.. كانت هناك مشاركة مكثفة للناخبين في شمال طهران الذين صوّتوا لموسوي في الانتخابات الرئاسية، وهؤلاء لم يتمكّنوا من استيعاب فوز أحمدي نجاد واعتقدوا بأن الانتخابات سرقت منهم.

اذًا أولًا الوضع يختلف عما كان عليه عام 2009، لكن الأمر الآخر الواضح هو عدم وجود أيّ دعم للولايات المتحدة عندما حاولت تضخيم المسألة في الامم المتحدة من خلال إصدار قرار. حتى أن شركاء الولايات المتحدة مثل فرنسا، انتقدوا السفيرة الاميركية "نيكي هايلي" وقالوا إننا نضيّع وقت الأمم المتحدة وإن هذا الموضوع ليس من اختصاصها، وإن الامم المتحدة مكلّفة بالتعاطي مع تهديدات الاستقرار  الدولي، وما حصل في إيران لا يصبّ أبدًا في هذه الخانة.

لا أعتقد أن الموضوع حظي بالكثير من الدعم، والأوروبيون أصدروا بيانًا واضحًا قالوا فيه إننا نريد الإبقاء على خطة العمل المشتركة (الاتفاق النووي مع ايران)، والاحداث الاخيرة في إيران لا علاقة لها بالملف النووي. هذا الموقف الأوروبي قد يردع الأميركيين، لأنهم اعتمدوا في الماضي وبشكل كبير على دعم أوتوماتيكي من الدول الأوروبية.

هناك نقطتان أيضًا أودّ الإشارة إليهما، وهما أن الديناميات داخل الولايات المتحدة تعني ان أميركا قد تحتاج الى أزمة أو ربما حرب كي تحل مشكلة الاستقطاب داخل مجتمعها. قد نرى تصعيدًا، لكن قد يكون ضد كوريا الشمالية قبل إيران بسبب التسلسل الزمني للأحداث. غير أنه وبكل تأكيد، هناك شعور سائد في البيت الأبيض لدى المحيطين بترامب هناك آراء قوية متباينة، لكن المقربين من الرئيس يؤيدون التصعيد ضد إيران.

سؤال: المدير الحالي لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) مايك بومبيو سبق له أن تحدث عن زيادة العمليات السرية بشكل
دراماتيكي، فهل سنرى نشاطًا تصعيديًا لدى الـ"CIA" بدلًا من الحرب العسكرية الشاملة؟

إجابة: أتوقّع حصول حرب تصعيدية بالوكالة: عمليات سرية من قبل كل من "CIA" والموساد و السعودية ضد إيران، بموازاة حرب مالية. وبالطبع الذي حصل عندما قررت واشنطن التصعيد ضد طهران كان بشكل أساس فرض العقوبات: إقصاء إيران من النظام المصرفي الغربي والنظام المالي. وبالتالي الكثير من هذه التظاهرات وخاصة طبيعتها العنفية كانت على الأرجح من اجل إعطاء ذريعة في ملف حقوق الانسان تسمح فيما بعد بفرض العقوبات.

أعتقد أن الاستنتاج الطبيعي هو أن أميركا على الأرجح ستحاول العودة الى تجربة عام 2014 لتستخدم العقوبات بشكل أساس، وذلك كي تستفزّ إيران، وبالطبع عندما تكون هناك أعمال شغب بوجه قوى الأمن ستلجأ السلطات الى استخدام شكل من اشكال إجراءات تطبيق القانون لوقف الشغب، والتي قد يتم تصويرها على أنها انتهاكات في مجال حقوق الانسان حتى وإن كانت لا تختلف عن الاجراءات التي نراها تتخذ دائمًا في أوروبا.

ترامب وعقيدة المحافظين..

سؤال: كيف تصف "عقيدة ترامب في الشرق الاوسط" اذا أمكن لنا وصفها بالـ"العقيدة"؟

إجابة: ليست عقيدة بل هي تقوم بالأساس على فعل عكس ما فعله أوباما، بحيث عاد (ترامب) الى الصيغة القديمة المعتمدة من المحافظين الجدد وتبنّى موقف دول الخليج وملوك وأمراء المنطقة، ووضع إيران وحزب الله والحشد الشعبي في خانة الحركات الإرهابية. بمعنى آخر، تبنّى وجهة نظر اقليمية معينة ترى ان السنة هم الضحايا والشيعة هم الظالمون والأرهابيون.

سؤال: ما الذي جعل ترامب يتبنّى أجندة المحافظين الجدد؟

إجابة: لا نعرف بالضبط لماذا ذهب بهذا الاتجاه. هناك عدد من التفسيرات الممكنة، من بينها وجود علاقة وطيدة جدًا بينه ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من خلال صهره جاريد كوشنير، مصدر الكثير من هذه المشاكل التي حصلت في الشرق الاوسط. فمن خلال كوشنير، ترامب على تواصل مستمر مع نتنياهو. أعتقد أن البيت الابيض يكنّ العدائية تجاه إيران لأن عددًا من الضباط العسكريين المحيطين بترامب مثل وزير الدفاع(الحرب) جايمس ماتيس وكبير موظفي البيت الأبيض جون كيلي  كانوا في العراق عام 2003، وخلال تلك الفترة حصلت احتكاكات بينهم وبين "الميليشيات" التي كانت تعاديهم والتي قتلت جنودًا أميركيين. وعليه، يحمّلون إيران مسؤولية كل ذلك ولا يعترفون بأن مقاومة عراقية كانت هناك، وأن الموضوع ليس بالكامل مشروع إيراني.

ربما شاركت إيران بشكل جزئي، لكن ما كنا نراه وقتها كان مقاومة عراقية مباشرة، تماماً كما نرى اليوم العراقيين يقاومون "داعش".. لا يفعلون ذلك نيابة عن إيران و لا يحشدون بسببها بل بسبب ما حصل: ارتكاب جرائم وقتل أبنائهم وعائلاتهم في الموصل والمناطق المحيطة بها، غير أن واشنطن لا تفهم كلّ هذا، بل تعتبر أن إيران مسؤولة عن كلّ ما يحصل حتى في العراق.

سؤال: هل بالفعل لديهم هذا التصور بان ايران تقف وراء الموضوع؟

إجابة: نعم.. لديهم هذا التصور ويتم تشجيع هذا التصوّر من قبل الاسرائيليين والسعوديين. دائماً ما يتحدث محمد بن سلمان عن هذا الموضوع.

سؤال: دعوة ريكس تيلرسون للحشد الشعبي تعطي مصداقية لما قلته للتوّ  عندما قال "على الحشد الشعبي العودة الى دياره"..

إجابة: بالضبط: هم يصدقون ذلك. قبل أيام، قام مراسل صحيفة "واشنطن بوست" الشهير دايفيد اغناتيوس بالاتصال هاتفيًا بالسفير السعودي لدى واشنطن البالغ من العمر 28 عامًا من أجل الحصول على معلومات حول إيران. هذا هو مدى فهم واشنطن للمشكلة! اذًا الموضوع ليس واضحً هل هذا يحصل بشكل مقصود؟ في أميركا لا توجد أية جهة تنظر الى إيران إيجابًا، سواء كان الجيش الأميركي أم قاعدة ترامب، يُشترط عليهم جميعًا أن يكونوا عدائيين تجاه طهران. لا أعتقد بأن أيًا من "إسرائيل" وأميركا متحمّس لوضع جنود على الأرض وخوض حرب برية ضد إيران. طهران قوية عسكريًا لكنها هدف سهل جدًا من حيث بناء العدائية الشعبية وتصويرها بأنها دولة إرهابية.

سوريا انتصرت..

سؤال: بالانتقال الى الملفّ السوري.. هل ترى أننا وصلنا الى مرحلة يمكن القول فيها إن الرئيس الأسد انتصر؟

إجابة: إنه إنجاز استثنائي، وبقاء سوريا صامدة بهذا الشكل يشكل نتيجة استثنائية، خاصة أنها تستعيد المناطق السيادية فيها. هذه نتيجة مهمة للغاية جاءت عكس كل التوقعات، ولاسيّما أن كلّ الأساليب استُخدمت ضدّ سوريا خلال الحرب: مليارات الدولارات، حروب بالوكالة، تجنيد المسلّحين من كل أنحاء العالم. كلّ هذا تمّ استخدامه ضمن حرب معلومات ضخمة، لكن السوريين ظلّوا  واقفين على أقدامهم وهم يعيدون بناء دولتهم.

أهمية الموضوع لا تكمن فقط بأن هذا النزاع يتجه تدريجيًا نحو النهاية، بل هو وجّه ضربة قوية جدًا للوهابية كأداة سياسية تُستخدم لتغيير الأنظمة في المنطقة، وهذا يشكل ضربة قوية أيضا للأطراف التي تموّل الوهابية وقامت برعاية الجماعات التكفيرية المتطرفة.

لدينا تماس سياسي وتماس حيوي في آنٍ معًا. الحيوي يتجسّد في الشعب الذين يملتكون الإرادة والتصميم. ليسوا مصطفين مع بعضهم بشكل كامل في كل القضايا، لكنهم متفقون على القضايا الأساسية التي هي المقاومة والحفاظ على سيادة دولهم، وهذا تحوّل كبير جدًا. في المقابل ننظر الى دول الخليج ونجد الانقسامات والجدل داخل هذه الدول.

سؤال: ما هي الأجندة الغربية لسوريا؟

إجابة: الأجندة الغربية واضحة وحاليًا تقوم على إنشاء دويلة صغيرة في شمال شرق سوريا، كردية بشكل جزئي. الأميركيون ينفقون مبالغ ضخمة في محاولة للرشوة، فالمناطق المحيطة بالرقة ودير الزور ليست كردية، بل عربية بدوية بشكل أساس، والأميركيون ينفقون مبالغ طائلة على الارجح من أموال سعودية، وذلك بهدف دفع العشائر وقادتها لدعم الأكراد وتشكيل إمارة أميركية منفصلة. أقرأ ما تقول القوات الأميركية أنها تحاول القيام به. يحاولون إنشاء حكومات صغيرة ويحاولون القيام بعمل اجتماعي وبناء مدارس، وهم جاؤوا بالوزير السعودي الى الرقة كي يكون جزءًا من عملية تمويل وإنشاء نموذج دولة صغيرة معادية للحكومة في دمشق.

سؤال: هل لهذا السبب أعلن ماتيس ومسؤولون أميركيون آخرون أن القوات الأميركية لن تغادر سوريا حتى بعد انتهاء المعركة ضد "داعش"؟

إجابة: نعم بالضبط هذا ما يشيرون إليه: هم سيبقون في هذه المنطقة لاستخدامها كورقة لمحاولة إيجاد حلّ سياسي يريدونه لسوريا. يحاولون القول إنهم باقون كما يحاولون إنشاء شكل من اشكال "الجنة المصغرة النيوليبرالية" في المنطقة تكون نموذجًا للآخرين. أنا لا أقول إن هذه المخططات ستنجح، بل اعتقد العكس. لا أعتقد بأن بقاء الأميركيين في هذه المنطقة فيه أيّ منطق استراتيجي. إنها منصّة من أجل الضغط على دمشق، لكن من الواضح انها منصة ينوون الاستفادة منها كقاعدة للّعب على وتيرة الأقليّات في إيران واستخدام تلك المنطقة لهذا الغرض.

سؤال: ماذا عن "إسرائيل".. كيف ستردّ على كل ذلك؟

إجابة: لقد طالبت "إسرائيل" منذ البداية بان لا تكون الحدود مفتوحة بين العراق وسوريا. طالبت بمنطقة عازلة على الجهة السورية من الحدود مع العراق وصولًا الى الفرات. والهدف الأصلي حينها بالطبع كان إغلاق الجهة المقابلة من الحدود من خلال السيطرة على منطقة غرب الفرات، وبالتالي يكون لدى الإسرائيليين منطقة عازلة كاملة وتكون سوريا معزولة عن الخارج. هم فشلوا بالحصول على هذه المنطقة العازلة التي راهنوا عليها، وأملوا بأن يكون لديهم خطّ لوجستي يمتدّ من أربيل الى تلعفر في شمال شرق سوريا. طبعًا لم يعد ذلك ممكنًا لأنه وبعد انهيار مشروع البرزاني في المنطقة، فإن العراق بات يسيطر على المعابر الحدودية وسلطاته تتعاون مع حكومة سوريا من اجل ضمان عدم نشوء دولة كردية وبالتالي عدم تجزئة السيادة السورية.

سؤال: ما ذكرته للتوّ ليس لصالح "إسرائيل"؟

إجابة: "إسرائيل" أمام خيار صعب. يجب ان لا نتحدث عن "إسرائيل"، بل عن عناصر داخلها لأن هناك آراءً منقسمة عندها.

موقف نتنياهو يقول إن إيران على وشك الصعود والإطاحة "بحكومة "تل أبيب".القوى الأمنية والمؤسسة العسكرية حذرة أكثر بكثير بتقييمها حيال ما يجب القيام به. أنا متأكد بأنهم يرون الضعف النسبي للسعودية بعد كل هذه الأحداث التي حصلت في اليمن والعراق  سوريا وبيروت. يفهم الاسرائيليون كل ذلك.

نتحدث عن مسرح حرب أوسع بكثير، وسيكون على "إسرائيل" اتخاذ قرار صعب جدًا حول ما اذا كان بإمكانها التعامل مع ذلك – ما اذا كانت تتمتع بالتفوّق الجوي في هذا المسرح (مسرح الحرب) الممتدّ. لا نعلم ولست متأكدًا ما اذا كانت "إسرائيل" ترى انها لا تزال تتمتع بتفوق جوي. قد لا يكون لها تفوّق جوي في سوريا إطلاقًا، لأن دمشق تملك صواريخ أرض جو من طراز  s-300، كما أن إيران تملك هذه الأسلحة (المضادة للطائرات) والعراق يملك أسلحة متطورة.. بالتالي الحسابات لن تكون سهلة على"إسرائيل".

لن تكون حربًا على غرار عام 2006.. المسألة في غاية الصعوبة اليوم لأن في حال رأى الإسرائيليون أنه لا يمكنهم التحرك، فهذا يعني أنهم أيقنوا أن "تل أبيب" فقدت ردعها وقدرتها على  الهيمنة العسكرية على المنطقة. القرار ليس سهلًا.

2018-01-17