ارشيف من :أخبار عالمية

من مزارع الأمل.. ’العهد’ يحكي اللحظات الأخيرة لشهداء القنيطرة

 من مزارع الأمل.. ’العهد’ يحكي اللحظات الأخيرة لشهداء القنيطرة

من مزارع الأمل في الجانب المحرر من القنيطرة، وفي ذكرى استشهادهم، حاولنا أن نقتفي أثر جهاد مغنية ورفاقه على درب الشهادة. حُبست أنفاسنا في المكان الذي سقطت فيه الصواريخ الإسرائيلية على سيارتهم وهم يتفقدون المكان لتحضيره ليكون منطلقاً للمقاومة. اعتقد الإسرائيلي جهلاً أنه وأد سيارة المقاومين باستهدافه لها، لكن العشب الأخضر الذي نبت بشكل لافت في مكان سقوط الصاروخ الإسرائيلي على الطريق المعبدة، يعكس مشهداً يحمل في طياته "كرامات هؤلاء الشهداء". ومن إحدى تجلياته، أن زرع المقاومة هناك لا يزال يجد من يتعهده بالرعاية من رجال الجيش العربي السوري الذين قصّوا على مسامعنا اللحظات الأخيرة من حياة مجاهدي المقاومة هناك.

كانت ذكرى استشهاد مجموعة المقاومين في مزارع الأمل بالقنيطرة برفقة ضابط في الحرس الثوري الإيراني ملهمة لتنشّق عبير المناسبة وزيارة المكان الذي شهد لحظاتهم الأخيرة. الجو العاصف والأمطار التي بدأت تتحول إلى ثلوج لم يحولا دون تقدمنا، لم يكن الطقس السيئ هو مصدر القلق الوحيد، فالمنطقة مكشوفة لطائرات التجسس الصهيونية التي لا تغادر المكان منذ أن أشيع عن نية محور المقاومة استحضار تجربة جنوب لبنان في الجولان السوري المحتل، فضلاً عن وجود مسلحين مدعومين من جيش الاحتلال في "جباتا وطرنجة" القريبتين، لكننا اندفعنا يحدونا شوق لا يعرف حدوداً لتقفي كيف ارتقى الشهداء وماذا كانوا يفعلون قبيل ذلك.

 من مزارع الأمل.. ’العهد’ يحكي اللحظات الأخيرة لشهداء القنيطرة

مكان الصاروخ الذي استهدف المجموعة المقاومة نبت الزرع

استقبلنا الضابط السوري المتواجد في القطاع المقابل للجولان المحتل بالترحاب، وزادت حفاوته حين علم بسبب مجيئنا. أوحى حديثه عن الشهداء باحتكاره للكثير مما يعرفه عنهم واستعداده لكشف ما طوي من سيرتهم، فقد كانوا يترددون على قطاعه بشكل دوري ويستفيضون في الحديث معه ومع رفاقه عن طبيعة المنطقة وجغرافيتها وأماكن تسلل المسلحين.

يقول الضابط السوري لموقع "العهد" "زارني الشهيد القائد محمد عيسى مع مجموعته، جلسنا طويلا نناقش الوضع، كان لافتا ما هم عليه من معنويات مرتفعة وثقة عالية بالقدرة على إشعال الجبهة بما يخلق حالة من توازن الرعب مع العدو الصهيوني ويستنزف الفصائل المسلحة المرتبطة به".

الضابط السوري أكد على أن "الأحاديث مع المقاومين تركزت على طبيعة الأرض والمنطقة وتحديد بعض الأماكن التي يمكن من خلالها الرمي على المسلحين واستهداف تحركاتهم في النقاط التي يتواجدون فيها وتزويد جنودنا ببعض التكتيكات القتالية المفيدة في المعركة فضلا عن محاولة قراءة نوايا العدو وفهم آلية دعمه للمجموعات المسلحة المرتبطة بمشروعه، أعقب ذلك مرافقتهم في جولة تفقدية واستطلاعية على المناطق المتاخمة للشريط المحتل لأخذ المعطيات وسبر الجغرافيا بشكل كامل".

 من مزارع الأمل.. ’العهد’ يحكي اللحظات الأخيرة لشهداء القنيطرة

بقايا من السيارة التي كانت تقل المجموعة المقاومة

العدو يتربص

وأوضح الضابط السوري لموقع "العهد" أنه "ما إن فرغ المقاومون من جولتهم التفقدية هذه، واستقلوا سيارتي الدفع الرباعي على الطريق المعبدة في مزارع الأمل، حتى ظهرت طائرات التجسس الصهيونية في أجواء المكان، وحين كانوا يغيرون اتجاه سياراتهم لتصحيح ما بدا أنه "خطأ بسيط في مسار طريقهم"، سقط الصاروخ الأول عليهم وأعقبه سقوط صاروخين آخرين، ثم لتعلو سحب الدخان في المكان. دقائق قليلة وحضر عناصر الجيش السوري والمسعفون. "لا يمكن أن ننسى الوجوه المطمئنة المجللة بالنور"، يقول الضابط السوري، مضيفاً "لم تبد عليها أية حالة جزع، عندما حملناهم مسعفين خيل إلينا أننا نتنشق روائح البخور الزكية من دمائهم الطاهرة، أتحدث إليك وكأنني أراهم للتو".
 
خصال نبيلة

تحدث الضابط السوري إلينا عن الصلات الوثيقة التي جمعته بالمقاومين، وخاصة الشهيد القائد محمد عيسى والشهيد الشاب جهاد مغنية " كان القائد عيسى على درجة عالية من اللباقة وكان حضوره كفيلا برفع معنويات أفراد القطع العسكرية التي كان يزورها باستمرار بخبرته القتالية مصغياً لكل كلمة يقولونها فعلى ضوئها كان يوجه إليهم أسئلته التي بنى عليها الكثير".
 
وعن الشهيد جهاد، تابع "أما جهاد مغنية نجل الشهيد عماد فقد كان شابا رائعا جدا ويتمتع بروح مرحة بدت في طريقة تعاطيه مع جنودنا وكان كتلة من النشاط، دائم الحركة، والاستفسار عن حركة المجموعات المسلحة، لدرجة أننا كنا نشعر بأنه يشتاق للحظة الاقتحام كأنما يريد أن يعيد أمجاد والده".

كرامات الشهداء

 لم يبق من آثار الشهداء المادية في المكان سوى بقايا لسيارة سيق هيكلها المحطم إلى "مكان ما". وأغراض شخصية بينها كاميرا محطمة استطاعت رغم ذلك أن توثق لبطولاتهم. سرنا على الطريق الذي سار به للمرة الأخيرة على بعد أنفاس من محتل رابض ومسلحين رهنوا سلاحهم لخدمته. تساءلنا في قرارة أنفسنا عن شعورهم قبيل الشهادة، لعل نفس جهاد مغنية قد هفت لذكرى والده العماد الشهيد، لعلها حدثته بقرب اللقاء حين لاحت طائرات الغدر في السماء، بيد ان مشهدا من الأرض هذه المرة لم يكن بالإمكان تجاهل رمزيته الطاغية التي قد يحملها البعض على محمل "كرامات الشهداء". ففي الطريق المعبد هناك على مسرح الشهادة وتحديدا في المكان الذي سقط فيه الصاروخ الصهيوني نبت "عشب أخضر" وسط بيداء القار المنتشر كأنما يريد أن يقول بأن مقاومة ناشئة هنا ستبقى حية رغم وجود كل أسباب استهدافها.

في مزارع الأمل، وقبالة هذا الشريط المحتل كان رجال زرعوا المقاومة أملا واعدا ونبتة صغيرة تعهدوها بالرعاية لدرجة أنهم سقوها بدمائهم حتى اشتد جذعها، فهزوها إليهم لتتساقط عليهم رطب الشهادة، وتقر عيونهم، فلم يكلموا بعدها إنسيا.

2018-01-20