ارشيف من :أخبار لبنانية

الفقراء في شهر رمضان يدقون ناقوس الحاجة وجهود الجمعيات الخيرية متنفسهم

الفقراء في شهر رمضان يدقون ناقوس الحاجة وجهود الجمعيات الخيرية متنفسهم
يحتاجون الى أبسط مقومات العيش

تحقيق: غنوة ملحم

الفقراء في شهر رمضان يشكلون نافذة الوصل والتجسيد العملي لفعل الخير من منطلق التكاتف والتكافل المجتمعي عبر صور متعددة كانت تغرز في المجتمعات دلالات التعاضد والتكافل لمجتمع يؤمن بانسانية الانسان وانسياب الخير في اوصاله.

وفي لبنان فقراء منهم من هو معلن ومنهم من يداري فقره بأسرار وفي كلا الحالتين الفقراء عنوانيهم معروفة وليسوا بحاجة الى دليل أو مرشد، نجدهم في حارات المدينة او في ازقتها وربما على مرمى نظرة من موائد الرحمن التي صارت تقليدا رمضانيا سنويا ليس هدفه اطعام الفقراء بقدر ما يهدف الى الاحساس الجمعي بالاخر.
ولا نبالغ اذا قلنا ان غالبية فقراء هذا الوطن ينتظرون تصويب اوضاع حياتهم المعيشية -الغذائية ولو شهرا في السنة فالعديد من هذه الاسر لم تعرف الوجبة الكاملة او عناصر الغذاء الا في شهر رمضان الذي يفيض منه الخير طوال ايامه سواء بالجهد الفردي لبعض الخيرّين او بالجهد الجماعي او المؤسساتي من خلال الجمعيات التطوعية والخيرية المنتشرة في اكثر من مكان، دون اي تدخل لوزارات الدولة المعنية في هذا الموضوع.

ومع حلول شهر رمضان اجرت "الانتقاد" جولة ميدانية شملت العديد من الاسر الفقيرة في مختلف مناطق الجنوب اللبناني وتحديدا ضواحي صور واطلعت على اوضاعهم المعيشية والحياتية بادق تفاصيلها ولم تتردد العديد من الاسر الفقيرة عن الكشف عن حجم معاناتهم وصعوبة ظروفهم المتردية والبادية للجميع دون اي معالجة تذكر سوى تلك المتعلقة ببعض المؤسسات الخيرية.

اولادي يعانون الحرمان
الحاج ابو محمد فحص (57عاما) يعاني من الآم في قدميه ويعيش مع اسرة تتكون من 6 ابناء صغار اكبرهم عمره 13 سنة واصغرهم 6 سنوات، ابو محمد ولدى سؤاله عن احواله قال: "الفقر قدر ومكتوب والمرض كذلك والحمدلله على قدره".

وبعد ان اغلق القرآن الذي كان بين يديه، قبال: "الاوضاع صعبة، ويكفي ان تنظري الى الحال ويبقى ان تحكمي وتكتبي"، ثم عاد وفتح القرآن ليقرأ.

ابو محمد الذي يجلس على كرسيه المتحرك تمنى في هذا الشهر الفضيل الرحمة به وبأولاده "انهم يطلبون مني الكثير من الاطعمة لكنني لا اقوى على تلبيتها، احزن كثيرا في داخلي فامرأتي تعمل في احد المنازل وبالكاد نكتفي، اولادي يعانون الحرمان واراه في عيونهم بس الله كريم".
نحن نحتاج الكثير من كماليات الحياة

وتؤكد ريما زبد (19 عاما) من قرية المنصوري ان عائلتها المؤلفة من 9 أبناء، وأب مريض يعاني من الصم والبكم، وأم كبيرة في السن وأمية ولا تستطيع العمل، تعاني من اوضاع معيشية مزرية وصعبة وهي تزداد سؤء عندما يقترب هذا الشهر حيث "نفتقد احيانا للعديد من الاطعمة التي نشتهيها" تقول ريما.

تقول ريما: "نظراً لكوني الأخت الكبرى فقد وضعت على عاتقي مهاماً كثيرة لأساعد أمي، فنحن لا عائل لنا سوى الله، ومنذ صغري وأنا أعلم أن أسرتي تعاني من الفقر لكن في الفترة الأخيرة بعد مرض أبي وخروجه من عمله، وبعد تخلي الجميع عنا ازدادت حالتنا سوءاً".

تضيف: "أصبحنا بالكاد نجد لقمة يومنا، ولولا فضل الله ثم مساعدة جمعية الامداد الخيرية لما وجدنا ما نأكله، ولو سألتم عن سبب عدم وجود عائل لنا، فهو لكون والدي مريضاً وأصماً وكذلك أبكم، ولتخلي أقربائنا تماماً عن مساعدتنا بحجة انشغالهم بأسرهم. أما أخي فبعد تخرجه من الثانوية وحصوله على شهادة دورات كمبيوتر (تبرعت الجمعية بتكاليفها) لم يستطع للأسف الحصول على عمل، رغم أنه يخرج يومياً للبحث عن أي عمل دون جدوى".

وتقول ريما:"أعترف نحن نحتاج الكثير من كماليات الحياة، فأبسط ما أحتاجه أنا مثلاً هو ثمن مواصلات إلى الكلية، أنا لا أشعر بحزن أو كآبة شديدة بسبب فقرنا، بل أحمد الله على كل ما يمن به علينا، كما لا أتذمر أبداً من أسرتي وأشعر أني فخورة بأمي وأبي كما هما لأنهما استطاعا تربيتنا وتنشئتنا التنشئة الصحيحة، أما الفقر فليس عيباً ولا دخل لهما فيه. أنا راضية ولله الحمد ولا أطالب أمي أوأبي بما لا يستطيعانه لأني أعرف حدود قدرتهما".

اشعر بالحسرة على حال بناتي

اما رقية جباعي (22عاما) من قرية عيتيت فتقول "يشغل أهلي وحالتهم المادية البسيطة تفكيري في كل وقت حتى وأنا أطبخ، وعلى الرغم أني أتمنى أن أكون مثل بقية البنات إلا أني أنسى ذلك لمجرد رؤية وضع أهلي. لم أحصل إلا على شهادة الصف السادس التي توقفت عندها نظراً لسوء أحوالنا، كما عانيت من آلام في ركبتي لمدة 4 سنوات، وأجريت لها عملية منذ أسبوعين تقريبا,أما راتب والدي فهو لا يتجاوز الـ300 الف ليرة بالكاد يكفي لسد رمق 9 بنات و3 أولاد منهم، ولا يشغلني الآن سوى أمنية واحدة أدعو الله أن يحققها لي وهي أن أعمل خادمة في أحد المكاتب في صور".

و اطلعنا على وجه آخر من حياة هذه الفتاة بعيون والدتها التي قالت وهي تتحدث عن ابنتها رقية, "صحيح أنها ثاني بناتي، لكني أشعر بقربها أكثر من الأولى فهي تهتم بالبيت، وبأخواتها حين أكون غائبة. وأنا أشعر بالحسرة على حال بناتي حين أنظر إلى حالهن، لكن ليس بيدي شيء سوى أن أدعو الله أن يوسع علينا,وادعو في هذا الشهر الكريم جميع الخيرين والميسورين الى مساعداتنا وخصوصا ان الجميع في المنزل يصوم عن الطعام لكن الافطار يكون اشبه بمأساة خصوصا وان الطعام لا يكفي فأحرم نفسي واعوض عنها بالماء ليكفي الطعام لاولادي".

نشتهي العديد من المأكولات
اما الحاجة سكنة المواسي (72 عاما) فهي تعاني من مرض اقعدها ولم تعد تقوى على المشي فيما يجلس زوجها بجانبها، تقول الحاجة التي لم تنجب اولاداً انا اعيش مع زوجي في هذا المنزل المتواضع احوالنا المعيشية صعبة، واننا ننتظر مد يد العون في هذا الشهر الفضيل"، وتبتسم الحاجة ثم تقول "رمضان زمان كان احسن بكثير، كان في ايمان وعبادة اكثر والناس كانت لبعضها اما اليوم فاني وزوجي نشتهي العديد من المأكولات لكن ما في اليد حيلة"تقولها بحسرة اما زوجها الجالس الى جانبها فيقول"الحاجة صعبة يا ابنتي".

جمعية الامداد الخيرية متنفس العديد من الفقراء
يعج المجتمع اللبناني بالعديد من الجمعيات الخيرية التي تمد أيادي العطاء إلى كافة فئات المجتمع، ومن بين هذه الجمعيات تظهر جمعية الامداد الخيرية الاسلامية كمحور مهم من محاور العمل الخيري في لبنان عموما والجنوب خصوصا، وهو ما دفعنا إلى التعرف إلى أنشطة الجمعية تجاه مستحقيها، على اختلاف ظروفهم واحتياجاتهم.

وتحدث الحاج حسين حجيج مدير فرع صور في الجمعية للانتقاد، موضحاً "أن مبادئ التكافل، والجسد الواحد، والروح الأخوية الواحدة، تعتبر جميعاً محاور أساسية يقوم عليها العمل في الجمعية، وتحقيق تلك المبادئ إلى وترجمتها إلى واقع عملي يعد رسالة سامية، نسعى إلى تحقيقها من خلال مشروعات مختلفة نقوم بها على مدار العام. وعلى رأس هذه المشروعات، ما يتعلق بتنمية وتأهيل الأسر، بهدف مساعدة الفقير منها ويمتلك قدرات ومهارات تساعدهم على تحقيق العيش الكريم، حيث نسعى إلى توفير عمل تتحول معه تلك الأسر المستهلكة إلى أسر منتجة تعتمد على نفسها مع المحافظة علي الأصالة والخصوصية المميزة لكل اسرة".

أما بخصوص زكاة المال وغيرها من المساعدات العينية التي يتبرع بها الأفراد أو الجهات المختلفة إلى الجمعية، فقد ذكر حجيج، "أن الجمعية تحرص على أن تصل هذه الأموال إلى مستحقيها من المحتاجين والفقراء والمساكين، وحرصاً على الدقة والأمانة في العمل واستناداً إلى تحقيق مبدأ أن تصل أموال الزكاة إلى مستحقيها وفق المحددات الشرعية، كانت عملية البحث الاجتماعي ركيزة أساسية في العمل حتى نكون على بصيرة ونور من مدى حاجة المتقدم للمساعدة، ومن هنا جاءت عملية البحث الاجتماعي والتي تتضمن قيام الباحثات الاجتماعيات بزيارات ميدانية للأسر المحتاجة والاطلاع على أوضاعها".

ومن أهم الفئات أو الحالات المستحقة للزكاة، التي حددتها اللجنة: العجز المادي والصحي، حالات الهجران والطلاق،الأرامل والأيتام، أسر المساجين، الشيخوخة، المساعدات الصحية، المساعدات العاجلة والمساعدات التعليمية. ومن المشروعات المهمة التي تقوم بها الجمعية أيضاً كفالة الأيتام وأسرهم، حيث تسعى الجمعية إلى العناية باليتيم وتحقيق مفهوم الكفالة والرعاية فبالإضافة إلى تخصيص مبلغ شهري لليتيم يتم متابعة أوضاع اليتيم الصحية والتعليمية والاجتماعية.

اما بالنسبة لشهر رمضان الذي تتعاظم فيه دوماً الأعمال الخيرية، قال حجيج:" تقوم الجمعية سنوياً بتنفيذ حملة شهر رمضان والتي تشتمل على إفطار الصائم وكسوة العيد وزكاة الفطر والتي يستفيد منها آلاف الأسر المحتاجة والأيتام والفقراء والأرامل. وبالنسبة لإفطار الصائم باعتباره أهم مشروعات المرتبطة بشهر رمضان، تنظم الجمعية سنوياً موائد لإفطار الصائمين حيث يجتمع على موائد الخير طوال الشهر المبارك من الفقراء والمحتاجين ومن تقطعت بهم السبل. ومن المشروعات الرمضانية أيضاً، المساعدات العينية، وهو ما تقدمه الجمعية من مساعدات عينية في شهر رمضان من كل عام لإدخال السرور على الأسر الفقيرة والمحتاجة والمستحقة للزكاة" .

وأضاف حجيج، "أن العيد أيضاً له مكانته الخاصة، فهناك مشروع كسوة العيد، وهو عبارة عن مشاركة وجدانية لأطفال حرموا ابتسامة العيد، وأسر فقيرة تفتقد الفرحة بأيام العيد، تقوم الجمعية الخيرية ومنذ عقود كسفيرة خير ترسم البسمة على وجو المحرومين وتدخل البهجة على قلوب الفقراء والمحتاجين من المسلمين من خلال برنامج كسوة العيد, و يستفيد من المشروع اكثر من 2000طفل على صعيد صور فقط".

ان التكافل المجتمعي من سمات المجتمعات المؤمنة بالله وانسانية الانسان وفي شهر رمضان تترجم هذه السمة الى واقع فعلي بالفطرة الانسانية المحبة للخير فالجار يشعر مع جاره الفقير ونجد اناسا يبحثون عن فقراء لمساعدتهم ومن الاغنياء من نجده ممسكا بورقة كتب عليها اسماء فقراء وعناوينهم ويزورونهم بشكل مستمر طوال شهر رمضان.. اضافة الى جهود المجعيات الخيرية التي تنشط في هذا المجال ولكن ماذا عن وزارة الشؤون الاجتماعية مثلا من هذا الموضوع والى متى سيبقى الفقراء يحلمون بأبسط مقومات العيش في وطن يتخبط سياسيه بمصالحهم الخاصة ويتذكرونهم لحظة الانتخابات !! ان الفقر ليس عيبا لكن العيب في اخفاء حجمه الحقيقي وعدم القضاء عليه.

خاص "الانتقاد. نت"
2009-09-01