ارشيف من :أخبار لبنانية
خائف من انفراط عقد 14 آذار: جنبلاط يتعهد ضمناً بـ"إعادة المستقبل" إلى "دائرة العقلنة"
كتب ابراهيم صالح
منذ أحداث أيار الماضي، والنائب وليد جنبلاط في حالة انعطافة واستدارة سياسية، ويبدي يومياً من المواقف المتميزة ما يعطي انطباعاً بأنه باقٍ في الموقف الوسطي الذي انتقل اليه منذ أن أقرّ ضمناً بأنه تعرض لانتكاسة قوية، أجبرته على إعادة النظر بكل المرحلة السياسية الماضية، وعلى اعادة التموضع سياسياً. ولا ريب ان مناسبة هذا الكلام، تأتي بعد أن أطلق جنبلاط في الأيام القليلة الماضية سلسلة مواقف متميزة انتقدت بصراحة الجنوح والتهور والشطط الذي ابداه بعض رموز تيار "المستقبل" أو الدائرين في فلكه، على نحو تجاوز كل المألوف في الخطاب السياسي وفي الخلاف السياسي.
فهو، كما صار معلوماً، وجه "سيلاً من "الهجمات" على المسلك السياسي الذي سلكه تيار "المستقبل في طرابلس منذ نحو ثلاثة أشهر"، مبيناً خطورة عمليات "التطهير" التي نفذتها في عاصمة الشمال ميليشيات هذا التيار او تلك المجموعات النامية في حضنه وبدعم ورفد منه، وللمعارك التي افتعلوها هناك على نحو أثر سلباً على هوية المدينة التاريخية، وحولها إلى ما يشبه "الغيتو" المعزول.
وجنبلاط في مرحلة لاحقة صوّب سهام نقده اللاذع إلى النائب محمد كبارة على كلام ضجت البلاد من سخفه، حول ما أسماه هذا النائب الحصرية السنية لعاصمة الشمال، على نحو لم يسبقه اليه عتاة المتطرفين ابان الحرب الأهلية، وانقسام المناطق.
وأخيراً وليس آخراً شن جنبلاط حملة لاذعة على كلام قالته عضوة تكتل "المستقبل" النائبة غنوة جلول وهو أن بيروت لأهلها فقط، ووصفه بأنه كلام نابٍ يستفز الآخرين.
وحيال مضي جنبلاط قدماً حتى الآن في انعطافته السياسية، وفي عقلنة خطابه السياسي، يطرح سؤال هو: ما أبعاد هذا التمايز الذي يبديه عن خطاب تيار "المستقبل" ومفارقته بكثير من خط السلوك المتهور والتحريضي الذي شاء هذا التيار أن يسلكه برغم ما نصّ عليه اتفاق الدوحة، خصوصاً لجهة التهدئة وطي صفحة الماضي؟
يوجد في الأوساط السياسية المتخصصة بالانعطافات والتقلبات الجنبلاطية أكثر من تفسير وتأويل، لهذا "التطور". فبعض هذه الأوساط يرى أن الأمر كله لا يمكن ادراجه في خانة رغبة جنبلاط بإعلان الانفصال عن تيار "المستقبل" أو لا يمكن التعاطي معه على أساس أنه تمهيد للانفكاك والانزياح عن خط سير تجمع قوى الموالاة.
وتذهب الأوساط عينها، إلى القول بأن لهذا "التمايز" الجنبلاطي في المرحلة الراهنة الأبعاد الآتية:
1 ـ أن يعلن جنبلاط ضمناً عبر هذه الانتقادات التي يوجهها إلى حلفائه أنه ما برح في مقدم المشروع الشباطي الذي يزعم أنه قاده، أو على الأقل كان رأس الحربة فيه طوال الأعوام الثلاثة الماضية، لكنه يريد أن يقول لمن يعنيهم الأمر بأنه كما لعب دور المحرض والمخفي لهذا المشروع على الجنوح والتطرف الذي أوصله أخيراً إلى المأزق والهزيمة، بمقدوره الآن أن يلعب دور "المعقلن" لهذا المشروع والكابح لجماح تطرفه وغلوه، وانزلاقه السريع نحو التقوقع والانعزال.
2 ـ ان جنبلاط الذي يتحمل على نحو أو آخر مسؤولية ذهاب جمهور تيار "المستقبل" على وجه التحديد إلى هذا المكان الذي لا تحمد عقبى الذهاب اليه، بات يدرك تمام الادراك أن ثمة خطرا كبيرا كامنا في أن يطاوله في مواقع عدة وبالتحديد في اقليم الخروب وفي البقاع الغربي.
وبمعنى آخر أكثر وضوحاً أن جنبلاط بات يعلم علم اليقين، أن ساحة تيار "المستقبل" هي قاب قوسين أو أدنى من الوقوع في قبضة مجموعات تحمل رؤى جامحة، وتعمل ضمن مشروع لا يتلاءم اطلاقاً مع الواقع الحالي، وسيصيب جنبلاط نفسه منه الشيء الكثير، ويهدد بشكل مباشر نفوذه وزعامته على مناطق معروفة تشكل بالأصل المعقل التاريخي لزعامته وزعامة عائلته.
3 ـ ان جنبلاط بات يعبر صراحة في مجالسه الخاصة في بعض لقاءاته عن مخاوفه وهواجسه من انفراط عقد لقاء 14 شباط، إذا ما استمر التطرف والغلو والتحريض على اشكاله يفعل فعله وعلى وجه التحديد في ساحة تيار "المستقبل".
فلقد تصرّف بعض من هم في هذه الساحة في الآونة الأخيرة، وكأنهم لوحدهم، وكأن ليس لهم حلفاء لهم انتماءات طائفية معينة، فبدأوا بالهجوم كل الآخرين.
وقد ألمح جنبلاط إلى هذا الأمر في الخطاب الذي رد به على الكلام الذي أطلقه النائب كبارة أن طرابلس عاصمة للسنة.
وبمعنى آخر بات جنبلاط يخشى جدياً أن يعمي الغلو والتحريض المستمر بصيرة جمهور تيار "المستقبل" فيمضي به نحو التطرف، والى مرحلة تهدد مكانة النائب سعد الحريري وعائلته لدى هذا الجمهور.
4 ـ خلافاً لكل ما يقوله البعض فإن لدى جنبلاط قراءة ثابتة لمسار الأوضاع في لبنان تخلص إلى نتيجة فحواها أن كل استراتيجية حليفة لتيار المستقبل القائمة أصلاً على فكرة ابقاء الساحة اللبنانية على صفيح ساخن، وابقاء جمهور هذا التيار في حالة استنفار عبر التحريض المستمر المتكئ على لغة مذهبية ذميمة، بغية شد عصب هذا الجمهور، وصولاً إلى موعد الانتخابات النيابية، لضمان أن لا يترك لهذا الجمهور فرصة محاسبة ومساءلة قيادته على ما جنته عليه طوال المرحلة الماضية، ولكي لا يعود هذا الجمهور إلى رشده، قد باتت بالنسبة لجنبلاط فكرة خاطئة وواهمة، فهي لن تفض الا إلى مزيد من الخيبات والاخفاقات والنكسات والخسائر، وهو ما حصل في بيروت والبقاع والشمال منذ اتفاق الدوحة وحتى اليوم.
فجنبلاط يدرك أن كل ما يثيره تيار "المستقبل" من ضوضاء وغبار في أكثر من اتجاه لم يغير في سفر ما هو مكتوب في اتفاق الدوحة حرفاً واحداً، تريده المعارضة بالتمام والكمال، إن لجهة انتخاب رئيس الجمهورية أو لجهة تشكيل حكومة الوحدة الوطنية أو لجهة مضامين البيان الوزاري أو بالنسبة للتعيينات التي تمت خصوصاً في المؤسسة العسكرية.
ولم يعد خافياً أن النهج السياسي العام لتيار "المستقبل" يتنافى إلى حد بعيد مع الاستراتيجية البعيدة المدى التي يضمرها جنبلاط، والتي بدأت عملياً بإعادة التموضع الذي قام به بعد أحداث أيار المنصرم، وهو ما فرض عليه الانفتاح أكثر على رئيس مجلس النواب نبيه بري، ومهادنة حزب الله، وفتح قنوات العلاقة مع رموز في المعارضة مثل الرئيس عمر كرامي، ومهادنة رموز أخرى مثل رئيس التيار الوطني الحر النائب العماد ميشال عون، فضلاً عن سياسة الانفتاح على طرف أساسي في الجبل، وهي استراتيجية وصفت حينها بأنها تقوم على "الخروج" من صلب 14 شباط، ولكن من دون الدخول إلى دائرة المعارضة، لكي يكون في منطقة وسطى تسمح له لاحقاً بجني ثمار هذا الموقع الجديد، وتبيح له حرية أكبر في خياراته وتفاهماته السياسية، خصوصاً إبان الانتخابات النيابية.
وعلى بداهة ذلك كله فإن السؤال الذي يطرح نفسه تلقائياً هل بمقدور جنبلاط النجاح في "مهمته" الجديدة وهي كبح جماح تطرف تيار "المستقبل"؟
حتى الآن ينقل زوار جنبلاط عنه قوله بأنه باستطاعته "عقلنة" هذا التيار واعادته إلى جادة الصواب، بنفس الطريقة التي أخذه فيها إلى حالات التطرف القصوى لاعتبار أساسي وهو أن زعامة هذا التيار ما زالت دون سن الرشد.
الانتقاد/ العدد1298 ـ 12 أيلول/ سبتمبر 2008
منذ أحداث أيار الماضي، والنائب وليد جنبلاط في حالة انعطافة واستدارة سياسية، ويبدي يومياً من المواقف المتميزة ما يعطي انطباعاً بأنه باقٍ في الموقف الوسطي الذي انتقل اليه منذ أن أقرّ ضمناً بأنه تعرض لانتكاسة قوية، أجبرته على إعادة النظر بكل المرحلة السياسية الماضية، وعلى اعادة التموضع سياسياً. ولا ريب ان مناسبة هذا الكلام، تأتي بعد أن أطلق جنبلاط في الأيام القليلة الماضية سلسلة مواقف متميزة انتقدت بصراحة الجنوح والتهور والشطط الذي ابداه بعض رموز تيار "المستقبل" أو الدائرين في فلكه، على نحو تجاوز كل المألوف في الخطاب السياسي وفي الخلاف السياسي.
| يعلن جنبلاط ضمناً عبر هذه الانتقادات التي يوجهها إلى حلفائه أنه ما برح في مقدم المشروع الشباطي الذي يزعم أنه قاده |
وجنبلاط في مرحلة لاحقة صوّب سهام نقده اللاذع إلى النائب محمد كبارة على كلام ضجت البلاد من سخفه، حول ما أسماه هذا النائب الحصرية السنية لعاصمة الشمال، على نحو لم يسبقه اليه عتاة المتطرفين ابان الحرب الأهلية، وانقسام المناطق.
وأخيراً وليس آخراً شن جنبلاط حملة لاذعة على كلام قالته عضوة تكتل "المستقبل" النائبة غنوة جلول وهو أن بيروت لأهلها فقط، ووصفه بأنه كلام نابٍ يستفز الآخرين.
وحيال مضي جنبلاط قدماً حتى الآن في انعطافته السياسية، وفي عقلنة خطابه السياسي، يطرح سؤال هو: ما أبعاد هذا التمايز الذي يبديه عن خطاب تيار "المستقبل" ومفارقته بكثير من خط السلوك المتهور والتحريضي الذي شاء هذا التيار أن يسلكه برغم ما نصّ عليه اتفاق الدوحة، خصوصاً لجهة التهدئة وطي صفحة الماضي؟
يوجد في الأوساط السياسية المتخصصة بالانعطافات والتقلبات الجنبلاطية أكثر من تفسير وتأويل، لهذا "التطور". فبعض هذه الأوساط يرى أن الأمر كله لا يمكن ادراجه في خانة رغبة جنبلاط بإعلان الانفصال عن تيار "المستقبل" أو لا يمكن التعاطي معه على أساس أنه تمهيد للانفكاك والانزياح عن خط سير تجمع قوى الموالاة.
وتذهب الأوساط عينها، إلى القول بأن لهذا "التمايز" الجنبلاطي في المرحلة الراهنة الأبعاد الآتية:
1 ـ أن يعلن جنبلاط ضمناً عبر هذه الانتقادات التي يوجهها إلى حلفائه أنه ما برح في مقدم المشروع الشباطي الذي يزعم أنه قاده، أو على الأقل كان رأس الحربة فيه طوال الأعوام الثلاثة الماضية، لكنه يريد أن يقول لمن يعنيهم الأمر بأنه كما لعب دور المحرض والمخفي لهذا المشروع على الجنوح والتطرف الذي أوصله أخيراً إلى المأزق والهزيمة، بمقدوره الآن أن يلعب دور "المعقلن" لهذا المشروع والكابح لجماح تطرفه وغلوه، وانزلاقه السريع نحو التقوقع والانعزال.
2 ـ ان جنبلاط الذي يتحمل على نحو أو آخر مسؤولية ذهاب جمهور تيار "المستقبل" على وجه التحديد إلى هذا المكان الذي لا تحمد عقبى الذهاب اليه، بات يدرك تمام الادراك أن ثمة خطرا كبيرا كامنا في أن يطاوله في مواقع عدة وبالتحديد في اقليم الخروب وفي البقاع الغربي.
| لدى جنبلاط قراءة ثابتة لمسار الأوضاع في لبنان تخلص إلى نتيجة فحواها أن كل استراتيجية حليفة لتيار المستقبل القائمة أصلاً على فكرة ابقاء الساحة اللبنانية على صفيح ساخن |
3 ـ ان جنبلاط بات يعبر صراحة في مجالسه الخاصة في بعض لقاءاته عن مخاوفه وهواجسه من انفراط عقد لقاء 14 شباط، إذا ما استمر التطرف والغلو والتحريض على اشكاله يفعل فعله وعلى وجه التحديد في ساحة تيار "المستقبل".
فلقد تصرّف بعض من هم في هذه الساحة في الآونة الأخيرة، وكأنهم لوحدهم، وكأن ليس لهم حلفاء لهم انتماءات طائفية معينة، فبدأوا بالهجوم كل الآخرين.
وقد ألمح جنبلاط إلى هذا الأمر في الخطاب الذي رد به على الكلام الذي أطلقه النائب كبارة أن طرابلس عاصمة للسنة.
وبمعنى آخر بات جنبلاط يخشى جدياً أن يعمي الغلو والتحريض المستمر بصيرة جمهور تيار "المستقبل" فيمضي به نحو التطرف، والى مرحلة تهدد مكانة النائب سعد الحريري وعائلته لدى هذا الجمهور.
4 ـ خلافاً لكل ما يقوله البعض فإن لدى جنبلاط قراءة ثابتة لمسار الأوضاع في لبنان تخلص إلى نتيجة فحواها أن كل استراتيجية حليفة لتيار المستقبل القائمة أصلاً على فكرة ابقاء الساحة اللبنانية على صفيح ساخن، وابقاء جمهور هذا التيار في حالة استنفار عبر التحريض المستمر المتكئ على لغة مذهبية ذميمة، بغية شد عصب هذا الجمهور، وصولاً إلى موعد الانتخابات النيابية، لضمان أن لا يترك لهذا الجمهور فرصة محاسبة ومساءلة قيادته على ما جنته عليه طوال المرحلة الماضية، ولكي لا يعود هذا الجمهور إلى رشده، قد باتت بالنسبة لجنبلاط فكرة خاطئة وواهمة، فهي لن تفض الا إلى مزيد من الخيبات والاخفاقات والنكسات والخسائر، وهو ما حصل في بيروت والبقاع والشمال منذ اتفاق الدوحة وحتى اليوم.
فجنبلاط يدرك أن كل ما يثيره تيار "المستقبل" من ضوضاء وغبار في أكثر من اتجاه لم يغير في سفر ما هو مكتوب في اتفاق الدوحة حرفاً واحداً، تريده المعارضة بالتمام والكمال، إن لجهة انتخاب رئيس الجمهورية أو لجهة تشكيل حكومة الوحدة الوطنية أو لجهة مضامين البيان الوزاري أو بالنسبة للتعيينات التي تمت خصوصاً في المؤسسة العسكرية.
ولم يعد خافياً أن النهج السياسي العام لتيار "المستقبل" يتنافى إلى حد بعيد مع الاستراتيجية البعيدة المدى التي يضمرها جنبلاط، والتي بدأت عملياً بإعادة التموضع الذي قام به بعد أحداث أيار المنصرم، وهو ما فرض عليه الانفتاح أكثر على رئيس مجلس النواب نبيه بري، ومهادنة حزب الله، وفتح قنوات العلاقة مع رموز في المعارضة مثل الرئيس عمر كرامي، ومهادنة رموز أخرى مثل رئيس التيار الوطني الحر النائب العماد ميشال عون، فضلاً عن سياسة الانفتاح على طرف أساسي في الجبل، وهي استراتيجية وصفت حينها بأنها تقوم على "الخروج" من صلب 14 شباط، ولكن من دون الدخول إلى دائرة المعارضة، لكي يكون في منطقة وسطى تسمح له لاحقاً بجني ثمار هذا الموقع الجديد، وتبيح له حرية أكبر في خياراته وتفاهماته السياسية، خصوصاً إبان الانتخابات النيابية.
وعلى بداهة ذلك كله فإن السؤال الذي يطرح نفسه تلقائياً هل بمقدور جنبلاط النجاح في "مهمته" الجديدة وهي كبح جماح تطرف تيار "المستقبل"؟
حتى الآن ينقل زوار جنبلاط عنه قوله بأنه باستطاعته "عقلنة" هذا التيار واعادته إلى جادة الصواب، بنفس الطريقة التي أخذه فيها إلى حالات التطرف القصوى لاعتبار أساسي وهو أن زعامة هذا التيار ما زالت دون سن الرشد.
الانتقاد/ العدد1298 ـ 12 أيلول/ سبتمبر 2008
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018