ارشيف من :أخبار لبنانية
بعد دخول التأليف شهره الثالث احتمالات اربعة امام الرئيس المكلف فأيها سيختار؟
"الانتقاد.نت" - ابراهيم صالح
مع دخول عملية تأليف حكومة الوحدة الوطنية شهرها الثالث على التوالي، وفي ظل استمرار السجال حول من يتحمل حقيقة مسؤولية اخفاق الرئيس المكلف تشكيل الحكومة سعد الدين الحريري تأليف حكومته الاولى في وقت "السماح" المعقول بات واضحاً ان الرئيس المكلف بات وجهاً لوجه امام اربعة احتمالات فقط، وبالتالي عليه ان يتعاطى مع واحد منها في القريب العاجل، فالاحتمالات هي:
الاحتمال الاول: الاستمرار في المراوحة مع ما يرافق ذلك من ابتداع واجتراح عمليات تقطيع الوقت، مثل ما هو حاصل من خلال اللجوء الى لقاءات واتصالات مباشرة وغير مباشرة مع اطياف المعارضة، بحثاً في نهاية المطاف عن حجة والزعم بأن مصدر التعطيل هو المعارضة، وليست قوى الاكثرية، لأن هذه المعارضة وفي مقدمها التيار الوطني الحر بزعامة العماد ميشال عون، تتمسك بمطلبها وشروطها لبلوغ ما أعلنته منذ البداية وهو المشاركة الفاعلة والوازنة في القرار السياسي، وليس الاكتفاء بدور المراقب او شاهد الزور.
يضاف الى ذلك بطبيعة الحال سفر الرئيس المكلف لبعض الوقت من دون سابق انذار او اللجوء مجدداً الى سيناريوهات مكشوفة كمثل اطلاق الدعوات الى تأليف حكومة من لون سياسي واحد او جمع نواب الاكثرية على سطح واحد حتى تقنع هذه الاكثرية جمهورها بأنها ما برحت اكثرية واكثرية متماسكة.
وبالطبع سيكون من ضمن مستلزمات هذه الخيار اطلاق "التهديدات" و"التحذيرات" التي فحواها ان الاكثربة ما زالت في موقع القابض على زمام اللعبة السياسية وانها غير مربكة او ليست عاجزة عن الفعل او مغلولة اليد.
وزاد هذا الاحتمال لطبيعة الحل بالنسبة للأكثرية، هو التركيز على ان "علة" عدم تشكيل الحكومة داخلي وليس خارجي، حتى لا يقال بأن هذه الاكثرية تعمل وفق ايحاءات من الخارج ونزولا عند حسابات اطراف خارجيين، هذه الحسابات التي تضع في رأس اولوياتها ابقاء كل ملفات المنطقة مفتوحة مع بعضها البعض، بما فيها الملف اللبناني. والجلي ذكره ان هذا الاحتمال هو المستمر حتى الان اتباعه عند الاكثرية.
الاحتمال الثاني: اللجوء الى خيارات تصعيدية مثل الاستجابة لدعوة تأليف حكومة من لون سياسي واحد يستبعد أطياف المعارضة كلها، او الاكتفاء بواحد منها.
والواضح ان هذا الامر ما برح دون عقبات وتداعيات بالغة السلبية أبرزها اعلان رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان المتكرر بأنه لن يوقع على مراسيم تأليف حكومة لا تستوفي شروط حكومة الوحدة الوطنية.
لكن اذا ما تجرأت فعلاً (الاكثرية) وأقدمت على ركوب هذا المركب الخشن وسلكت هذه الدرب الوعرة، فلن تكون بمنأى من سلبيات عديدة تعرقل مسارها، فتجربة الاعوام الخمسة المنصرمة اظهرت لهذا الطرف السياسي (الاكثرية) بما لا يدع مجالاً للشك بأن ثمة استحالة في ان تستفرد بالسلطة لوحدها، وتدير شؤون البلاد منفردة.
ومما لا ريب فيه ان البلاد ما زالت حتى الساعة تعاني من التداعيات السلبية لهذا الامر.
اما الاحتمال الثالث فهو ان يترجم الرئيس المكلف التهديدات و"التلويحات" الضمنية التي يطلقها عن امكان ان يعتذر هو شخصياً من استكمال المهمة التي اوكلتها اليه الاكثرية النيابية وبالتالي تختار الاكثرية شخصية اخرى لهذه المهمة، والاكثر رجحاناً هو رئيس حكومة تصريف الاعمال فؤاد السنيورة.
والجلي ان الحريري يلوح بهذا الخيار، ليكون ذلك بمثابة رد الصاع صاعين للمعارضة ووضعها مجدداً وجها لوجه مع شخصية يعرف الجميع مدى عمق الهوة بينها وبين المعارضة التي كانت وما زالت تنظر اليه على اساس انه رمزاً للأزمة.
ومهما يكن من امر جدية هذا الطرح، فالواضح انه ما زال بعيدا عن التحقيق العملي لجملة اعتبارات ابرزها ان اعتذار الرئيس المكلف في هذه المرحلة بالذات، يفسر على اساس انه هزيمة شنعاء للرئيس المكلف وعجز واضح عن القيام بمهمات رئاسة الحكومة، وسينعكس ذلك سلباً على المستقبل السياسي للحريري وعلى تياره وجمهوره.
مع العلم ان ثمة دولا عربية عدة وفي مقدمها مصر، أبدت منذ البداية اعتراضا ضمنياً على ترئيس الحريري للحكومة اللبنانية الاولى بعد الانتخابات، وبعثت الى من يعنيهم الامر برسائل فحواها انها تقيم على رغبة عارمة بإبقاء السنيورة في المنصب الذي يشغله منذ عام 2005، كونه مجرب، ولانه قادر على ان يواجه ضغوط المعارضة.
اما الاحتمال الرابع فهو احتمال ان تنسحب قوى المعارضة من الميدان طوعاً، وتنكفئ الى موقع المعارضة المحضة، وتقول للأكثرية بأنه يمكنها ان تحكم منفردة وتنسج حكومة من لونها السياسي.
او ان تتخلى عن شروطها ومطالبها وهواجسها، وبالتالي تقبل بالمشاركة بحكومة وفق شروط الاكثرية واملاءاتها والرياح التي تشتهيها والصيغة التي تناسبها.
ولقد صار من نافل القول ان المعارضة ليس في هذا الوارد اطلاقاً وهي قد حددت منذ البداية مجتمعة توجهها للمشاركة في حكومة الوحدة الوطنية وهذا التوجه يقوم على الاتي:
انها متمسكة بالاطار السياسي العام الذي رسم لحكومة الوحدة الوطنية والذي يترجم عمليا في صيغة الـ 15-10- 5 بما فيه صيغة الثلث الضامن المضمرة، اضافة الى تمسكها بمضمون البيان الوزاري لحكومة الرئيس السنيورة الثانية، لجهة التأكيد على المقاومة وسلاحها ودورها، زد على ذلك تمسكها بالتفاهم الذي ينص على ان تحل القضايا والملفات الخلافية في مجلس الوزراء قبل عرضها على مجلس الوزراء اي ان المعارضة تريد تمثيلا حقيقيا ووازنا في الحكومة المقبلة.
بمعنى ان تتمثل المعارضة في هذه الحكومة بأطيافها كافة مجتمعة او لا تتمثل اطلاقاً، وان يقوم كل طرف في المعارضة او سواها بتسمية وزرائها في الحكومة وان يكون لها كلمة في مسألة الحقائب الوزارية.
وبناء على كل هذه الاحتمالات، فإن الواضح حتى الآن هو ان الرئيس المكلف والاكثرية ستبادر الى تبني الاحتمال الاول اي احتمال المراوحة والمماطلة الى ان يأذن "الاذن"الخارجي.
ولكن الثابت ان هذا الخيار ليس "اهون الشرور" كما يقال، فدونه اثمان باهظة يتعين على الرئيس المكلف ان يدفعها وفي مقدمها هذا الاستنزاف اليومي لرصيد الرئيس المكلف وللأكثرية عموماً التي ظهرت بمظهر العاجز والمكبل رغم حصولها على الاكثرية المريحة، وبالتالي صار لزاماً على الحريري ان يبتكر دوما افكار يتوجه فيها الى جمهوره بالدرجة الاولى ومن ثم الى الرأي العام اللبناني ليقنعه بأن ليس في وضع القاعد والمنتظر.
ومن هذا المنطلق تأتي بين الفينة والاخرى تهديدات الحريري ووعوده.
والصعوبة الاخرى التي ستواجه الرئيس المكلف هي اضطرار رئيس الجمهورية للتحرك اثباتا لدوره وموقعه الدستوري، صحيح ان الحريري تسلح بأن الدستور خلا تماما من تحديد مهلة زمنية محددة تلزمه بتقديم حكومته الى رئيس مجلس النواب خلالها، وهي بالطبع ثغرة دستورية كبرى، وهي من الثغرات العديدة التي حفل بها اتفاق الطائف، الا ان رئيس الجمهورية سيبدو مطالبا بحراك ما للخروج من حال المراوحة ولإخراج البلاد من تحت ادارة حكومة تصريف الاعمال.
ولقد كان مضمون الخطاب الذي ألقاه الرئيس سليمان في افطار القصر الرئاسي غروب الثلاثاء الماضي، والذي دعا فيه الى ان تكون الحكومة حاضرة قبل 23 أيلول وهو موعد سفره الى نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العمومية للأمم المتحدة، اشارة على ان هناك نية لدى سليمان بالبحث عن مسوغات دستورية وقانونية لا تبقيه في حالة عجز عن تدارك الوضع.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018