ارشيف من :أخبار عالمية
الإمام الخامنئي لحشد من طلاب الجامعات: النزعة الثورية لا تتحقق إلا في داخل النظام
تقدّم سماحة آية الله العظمى الإمام السيد علي الخامنئي خلال لقائه حشداً من طلاب الجامعات، بالشكر الجزيل منهم ولاسيما أولئك الذين أدلوا بكلماتهم، مشيراً إلى أن كلماتهم انطوت على مسائل علمية، وعلى مقترحات دوّنتُها، وعلى قضايا البلد، وعلى الشؤون السياسية والاجتماعية، وعلى انتقادٍ وعتابٍ واعتراضٍ وتأييدٍ، فكانت جلسة طلابية بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى.
وقال سماحته إن "مجموع البحوث التي أدلى بها الأحباء هنا - طلاباً وطالبات - ظهرت نقطة ملفتة وبارزة جداً بالنسبة لي، وهي أنه على الرغم من كل الشكاوى والهواجس المطروحة، أثبتت جلستنا اليوم بأن البيئة الطلابية بيئة مفعمة بالنشاط والحيوية، وهذا بالضبط على خلاف ما يريده الأعداء والأجانب وعلى الضدّ مما يوحي إليه البعض من أنّ الجامعة تسودها الكآبة واليأس والإحباط"، مردفاً: "كلا، الجامعة حية".
وتوجّه الإمام الخامنئي إلى الطلاب الجامعيين بالقول: "أنتم لا تشكّلون طلاب الجامعات في البلد بأكملهم، ذلك أنّ لدينا ما يربو على أربعة مليون طالب، ولا أعني بأن أربعة مليون (طالب) في الجامعات يحملون نفس هذه المعنويات.. أعلم بأنّ الأمر ليس كذلك، ولكن يوجد هنالك تيار حيّ نشيط متوثّب في البيئة الطلابية على اختلاف رؤاها وتوجّهاتها، والجميع متحفّز مؤثر يشعر بالهوية، وهذا هو المهم بالنسبة لي. أي إنّ الطالب يشعر بأنه لابد وأن يترك أثره ولذلك يبيّن رأيه".
وأضاف سماحته: "لقد وجّهتم اعتراضاتكم على حجم كبير من قضايا البلد، والكثير من هذه الاعتراضات في محلها، ولكن هناك فرقٌ بينكم أنتم الشباب المتحمّس وبيني أنا الذي تعاقبت عليّ الدهور (وعلى حدّ قول الشاعر): في هذا البيت العتيق أخّرتني الدهور...... حتى عتّقني تعاقب الشهور (...) أنتم تعبّرون عن آمالكم وطموحاتكم بكل سهولة، وأنا أشاهد وأتلمّس المسافة بين الوضع الراهن وبين الطموحات من حيث الظروف والعوائق بالتجربة، وهنا يكمن الفرق فيما بيننا فقط. نعم، الكثير من هذه الإشكالات هي في محلها، بيد أن إزالتها ليست بهذه البساطة، بل تحتاج إلى الجدّ وإلى العمل وإلى بعض المقدمات. وإن من مقدماتها الضرورية هي نفس وجودكم وتفكيركم وعملكم وقولكم".
وأردف الإمام الخامنئي قائلاً: "لقد أعددتُ بعض المسائل والموضوعات التي بوسعها أن تساعد (في هذا المجال)، سأطرحها عليكم. علماً بأنني دوّنتُ العناوين الرئيسية، وسأتابع البحث إن شاء الله، لا سيما في خصوص ذلك الحقل الذي يتعلق بإدارتي، كالقوات المسلحة وما شاكل، فإن البحث هناك يحوم حول إدارة القيادة؛ بمعنى أن القائد هو الذي يُدير القوات المسلحة، على خلاف الإذاعة والتلفزيون، وعلى خلاف السلطة القضائية. نعم، القائد هو الذي يعيّن رئيس السلطة القضائية، ولكنه لا يُدير هذه السلطة. فلابد من التفريق بين هاتين الحالتين. كما أن القائد لا يُدير الإذاعة والتلفزيون أيضاً. واعلموا بالطبع إنني، وفي مواجهة الإذاعة والتلفزيون، دوماً ما أتّخذ موقفاً انتقادياً، وأوجّه انتقادي باستمرار، سواء في فترة الرئاسة الحالية أو في عهد الرئاسات السابقة، لمختلف المسائل ومنها تلك التي وردت في كلماتكم والتي تراود ذهني أيضاً وأنتقدها كذلك. والمدراء بدورهم لا ينطلقون من منطلق العناد واللجاجة معنا، وإنما يبتغون المبادرة، ولكن المبادرة هذه عسيرة وليست يسيرة.
وتابع سماحته: "العمل الأساس الذي لابد من إنجازه - والذي ورد في كلمات بعض الأعزاء أيضاً - هو ضرورة إدخال العناصر الشابة والمؤمنة والمتحفزة والثورية في تركيبة هذه الأجهزة، وهذا ما يريدون النهوض به إن شاء الله. وأنا أيضاً أكّدتُ على هذا الأمر، سواء للإذاعة والتفلزيون أو لبعض المراكز الأخرى كمركز أئمة الجمعة وما شابهه على سبيل المثال، وستسير الأمور على هذا المنوال بإذن الله. واعلموا بأننا نحثّ الخطى نحو الأمام، ومما لا شكّ فيه أن حركتنا متجهة نحو الأمام، وتوجد على ذلك شواهد كثيرة".
وأشار الإمام الخامنئي إلى أن "الأمر الأساس هو أن تحافظوا على هذه المعنويات وعلى هذا الشعور وعلى هذا الحافز وعلى هذا الحضور، وهذا ما عليه أملنا. وقولي مراراً بأن المستقبل لكم وأن عليكم إعداد أنفسكم لإدارة المستقبل، لم يصدر عن مجاملة ولا عن مزاح، وإنما هو ناجم عن حقيقة. ولكن راقبوا أنفسكم لأن تسلكوا نفس هذا الصراط المستقيم، أي أن تحافظوا على نفس هذه المحفزات. فقد كان ولايزال هنالك الكثير من الأشخاص الذين كانوا يوماً ما يتحدثون باندفاع وحيوية وحماس، ولكنهم، وفي ظروف أخرى، اصطبغوا بصبغة أخرى. فاحذروا لئلا يطرأ عليكم ذلك، أي أن تكون الحركة حركة متواصلة دؤوبة متّكلة على عون الله ومتأملة الوصول إلى ثواب الله.. هكذا تحركوا لتبقى حركتكم حينذاك في الاتجاه الصحيح، وليكون مستقبل هذا البلد الذي هو بأيديكم، وأنتم تنتقدون أوضاعه (الراهنة)، مستقبلاً حسناً. فإن انطلقتم بهذا الدافع والحافز سيكون المستقبل أفضل لا محالة".
ورأى سماحته أنه وعلى الرغم من اشتمال الكلمات على حالاتٍ من الانتقاد والاعتراض والعتاب، غير أن الجلسة بمجموعها تحمل بشارة كبرى وأملاً عظيماً، وقد أثبتت بأنّ شبابنا - أو تياراً من طلابنا الشباب على أقل التقادير - يحمل الحافز والإيمان والغيرة والعزم على الإقدام والمبادرة، وهذا أمرٌ جيّد جداً، وهو ما أثبتته جلستنا"، داعياً "أولئك المتشائمين بالمستقبل للنظر إلى هذه الأوضاع، ولتصحّيح فكرتهم".
وطرح سماحته بحثاً معرفياً حول الثبات على الثورة والحركة الثورية، موضحاً أن فكرة خاطئة ظهرت منذ البداية في منظومة الثورة وهي أن الثورة مطلوبة أثناء تشكيل النظام، ولكن بعد أن يتأسّس النظام وتستقر المؤسسات وتُسنّ القوانين وتسود البيروقراطية، يجب أن تُترَك الثورة جانباً فلا حاجة لنا بها بعد. منتقداً تفسير الثورة على أنها إثارةً للتوتّر والصراع والصخب وممارسة الأعمال اللاقانونية وما إلى ذلك، معتبراً أن هذه الفكرة عن الثورة خاطئة. فللثورة مراحل، وما حدث في مستهلّ الثورة من سنة 1979، كان يمثل مرحلته الأولى، وهو يعني الانفجار أمام نظام طاغوتي باطل، وتشكيل نظام جديد قائم على أساس مبادئ وقيم جديدة بلغة حديثة وتعابير حديثة ومفاهيم حديثة.. هذه كانت المرحلة الأولى من الثورة.
وتابع سماحته قائلاً: "في المرحلة الثانية يتعيّن على هذا النظام تحقيق هذه المبادئ والقيم، التي سأشير إلى جانب منها، وتطبيقها في المجتمع. وتحقيق هذه القيم يتطلّب جهازاً إدارياً وهو يتمثل في الحكومة الثورية. ومن هنا فالمرحلة التي تلي النظام الثوري، هي إقامة الحكومة الثورية.. الحكومة التي تعتقد أركانها بالثورة اعتقاداً راسخاً وتنتهج نهج الثورة وتقتفي أثرها. وبعد إقامة الحكومة الثورية، يتعيّن من خلال القانون الصائب والتنفيذ الصحيح تطبيق هذه المبادئ والقيم المطروحة وهذه الطموحات الثورية الكبرى في المجتمع واحدة تلو الأخرى. وبالتالي يتأسس ويتولّد مجتمع ثوري، وهذه هي المرحلة الرابعة.. حركة ثورية، ونظام ثوري، وحكومة ثورية، ومجتمع ثوري وهو الرابع. وبعد تشكيل المجتمع الثوري، تتمهّد الأرضية لإقامة حضارة ثورية وإسلامية. ولقد عبّرت هنا بالثورية، وبإمكانكم استبدال كلمة الثورية بالإسلامية؛ يعني حكومة إسلامية، ومجتمع إسلامي، وحضارة إسلامية.. هذه هي المراحل الموجودة". معتبراً أنه "من هذا المنطلق فالثورة لا تنتهي، وإنما هي مستمرة متواصلة دون توقف. وهناك تحوّل دائمي وصيرورة مستمرة في مسير الثورة هي التي تحقّق هذه الطموحات الكبرى وهذه القيم العليا وهذه الأهداف في أوساط المجتمع بالتدريج".
وعن الأهداف الكبرى للثورة أحصى الإمام الخامنئي ستة منها، مبيّناً أولاً أن العزة الوطنية هذه إحداها وهي غاية في الأهمية، فالعزة الوطنية تعني الشعور بالاعتزاز الوطني المنبثق من الحقائق المتوافرة في أوساط المجتمع وعلى أرض الواقع، لا المستند إلى الأوهام والتصوّرات. وإلا فقد يشعر المرء بالفخر تجاه حكومة كيان والسلالة، وهو شعور ناجم عن تصوّرات وأوهام واهية، إذ لا يوجد فيها ما يبعث على الفخر والاعتزاز. العزة الوطنية تعني الشعور بالاعتزاز المتكئ على الواقع، وهذا مهم جداً. إنّ هذه العزة الوطنية هي من الأمور التي لو فُقدت واضمحلّت في بلدٍ، لما بقي لذلك الشعب هوية ولما استطاع تحقيق أي مكسب.
وأوضح سماحته أن "الثقة بالذات الوطنية تقطع سبيل التبعية. فلو كان الشعبث واثقاً بذاته لن يشعر بحاجة إلى التبعية، بل سيفرّ من التبعية للآخرين.
الاستقلال السياسي والاقتصادي والثقافي، وهذه (هي الأخرى) من الأهداف المتوخاة لدى الشعوب. فلو كان شعبٌ يتحلى بالاستقلال السياسي والاقتصادي والثقافي - ولكل واحد من هذه الأصناف كلام طويل - لما أُرغم على تحمّل ما يفرضه المتغطرسون والمتعجرفون في العالم من تعسّف وغطرسة.. إذن فالاستقلال يمثل أحد مقاصد الثورة".
وبيّن سماحته أن "حرية الفكر وحرية التعبير وحرية العمل. علماً بأن أحد الأعزاء الذين تحدثوا هنا، ذكر حول الحرية جملة قصيرة صائبة بالكامل. وهي أنّ الحرية تدخل في عداد المفاهيم التي تحتاج بالضرورة إلى قانون وإطار. لأن الحرية بطبيعتها إن لم تؤطَّر بإطار القانون، ستتخطى الحدود وستفضي إلى التعدّي وإلى الإباحية وإلى حالات سيئة تشاهدون اليوم نماذج منها في الغرب. وفقدان الحرية هذه يؤدي إلى عدم النمو. فالمجتمع الذي لا تتوافر فيه حرية الفكر وحرية التعبير وحرية الرأي وحرية العمل، سيتوقّف فيه النموّ. ذلك أنّ نموّ المجتمع معنوياً وتقدّمه يحتاج بالضرورة إلى هذه الحريات".
وأشار الإمام الخامنئي إلى أن "تحقيق العدالة ورفض التمييز والفواصل الطبيقة، وهذه كذلك تدخل ضمن الأهداف الكبرى. فالقرآن يعتبر بأن إقامة القسط هي القضية الأساسية وهي الهدف من بعثة الأنبياء: ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾. ونحن أيضاً نسير على منهاج الأنبياء وننتهج نهج الإسلام. ولهذا تعتبر العدالة بالتأكيد واحدة من أسمى، بل لربما أمكن القول، أسمى هدف ومبدأ يجب أن نتوخّاه. والعدالة لا تتحقق بالكلام. علماً بأن العدالة أمرٌ عسير، وتطبيقها يُعدّ من أصعب الأعمال".
ولفت الإمام الخامنئي إلى أن "التقدم العلمي والحضاري بفضل العلم والتقنية، وهذه أيضاً من الأهداف. أي إنّ البلد لابد وأن يتخلّص من التخلّف. ومن الأهداف الأخرى نموّ أخلاق التواصل والعِشرة، فلابد أن تقوم معاشرة الناس على أساس الأخلاق. من قبيل صلة الرحم والإنفاق والإيثار والتعاون وأمثالها، والمطلوب إنماء هذه السجايا التي لها صلتها بمخالطة الناس مع بعض في المجتمع. تهيئة الأجواء للتكامل المعنوي وللتخلّص من عبودية الشهوة والغضب لدى الأشخاص الموهوبين والمستعدين، وهذه هي الأخرى واحدة من تلك الطموحات الكبرى التي غالباً ما لا يُلتفت إليها. فلابد أن تتهيأ الأجواء بالطريقة التي يتمكّن الأفراد المستعدون فيها من الحركة والانطلاق، ويسطع فيها أمثال الحاج الميرزا السيد علي القاضي والعلامة الطباطبائي وغيرهما من الشخصيات البارزة والعظيمة التي استطاعت أن تتكامل في هذه الأجواء المادية وأن تتجاوزها. فلابد من تمهيد الأرضية لمثل هذا. علماً بأننا جميعاً لا نملك مثل هذا الاستعداد، ولكن يوجد فيما بيننا من هو مستعد للقيام بهذه الحركة ولاسيما في مرحلة الشباب.
وإستدلّ سماحته على ذلك بقضية ديوجانس الذي خاطب الحكيم إسكندر قائلاً: "أنت عبد عبداي. كان الإسكندر يمرّ من طريق، والحكيم هذا جالس ولكنه لم يعبأ به، فقال انظروا مَن هذا؟ فجيء به، قال: لـِمَ لم تقم أمامي؟ قال: لا أجد سبباً لذلك، فإنك عبدُ عبداي! قال: ماذا تعني، أنا الإسكندر عبدٌ؟! فقال: نعم، الشهوة والغضب عبداي وتحت تصرّفي، وأنت عبدٌ للشهوة والغضب"، مبيناً أن "واحدة من الأهداف هي تخلّص الإنسان من عبودية الشهوة والغضب".
ورأى سماحته أنه "من البديهي أن الأهداف هذه لا تتحقق على المدى القريب، وتحققها في المجتمع بحاجة إلى حركة طويلة الأمد. معتبراً أن الثورة حية وهذا هو المراد من قولنا دائماً: لنكن ثوريين ولنبقَ ثوريين. فلو واصلت الثورة مسيرتها ستتوافر إمكانية تحقق هذه الأهداف، ولو ترافقت هذه الاستمرارية مع الوعي واليقظة وإمعان النظر سيكون تحقق هذه الأهداف قطعياً. ولكن لو توصّلنا في منتصف الطريق إلى نتيجة أن الثورة لا نحتاجها بعد، ولابد أن تحلّ محلها البيروقراطية والتشكيلات الحكومية حينذاك لا تتحقق هذه الأهداف. سائلاً: "أساساً هل نحن ثُرنا من أجل أن يتنحّ أولئك ويسلّمون الحكم لنا؟ هل ثُرنا في سبيل أن نتربّع على كرسيّ الحكومة؟ لقد كان الشيء الذي لا يراود أذهان أولئك الذين ناضلوا وأولئك الذين ضُربوا بالسياط وأولئك الذين دخلوا السجون، هو أن الثورة ستنتصر يوماً، ويتقلّد هؤلاء مثلاً منصب الوزارة والوكالة والقيادة والرئاسية وما إلى ذلك. هذا ما لم يكن يخطر على البال، وإنما كانوا يتحركون ويعملون من أجل هدف. ولم يكن الهدف هذا أن تقوم زمرة بتحويل الإدارة إلينا، ونحن بدورنا نبادر إلى إدارة الأمور مثلهم، سوى أنهم كانوا أناساً طالحين، ونحن نكون أناساً صالحين، فلو كان كذلك لا يبقى الصلاح فينا. إذن لابد أن تواصل الثورة مسيرتها".
وشدد الإمام الخامنئي على ضرورة أن نكون ثوريين وأن نبقى ثوريين وأن نتحرّك كثوريين، فلهذه الحركة الثورية بالطبع إلزامات. وأقولها لكم بالطبع إنني على علمٍ بقضايا البلد. حيث يقال أحياناً بأنّ فلاناً تصل إليه المعلومات من قناة واحدة.. كلا، ليس الأمر كذلك. إنني أقرأ التقارير الرسمية وغير الرسمية، وأتواصل مع الناس عبر طرق مختلفة، ولدينا اتصالات شعبية ومكتب علاقات شعبية، وبالتالي فإني على اطلاع بقضايا المجتمع على مقدار ما يتأتى لشخص مثلي أن يطلع عليها. وأعتقد بأننا تقدمنا في جميع ما ذكرته. وأما ذلك الشابّ الذي يقف قائلاً: «الأوضاع سيئة جداً ومتفاقمة ونحن متخلفون» فإني أؤيّد عواطفه وأحاسيسه وروحيّته ولكن لا أؤيّد كلامه على الإطلاق.. ليس الأمر كذلك. إنكم لم تدركوا نظام الطاغوت ولم تشهدوا الأوضاع قبل الثورة. نحن اليوم قد تقدمنا في جميع هذه الأمور التي ذكرتها وفي كافة هذه الأهداف. علماً بأني أشرتُ فيما مضى بأننا متخلّفون في خصوص العدالة، ولكن لا يعني هذا بأننا لم نتقدم، وإنما يعني أننا لم نحقق التقدم المطلوب في هذا المجال، وإلا فقد حققنا تقدماً في نفس موضوع العدالة أيضاً. إنكم لا تعلمون ما الذي كان يجري في البلد! ولكننا أمضينا نفس هذه السنين من أعماركم وشاهدنا فتراتٍ عصيبة. لقد تحدّث هذا السيد عن سيستان وبلوشستان، وأنا عشتُ في هذه المحافظة. فإن الفارق ما بين سيستان وبلوشستان اليوم بالمقارنة مع ما كانت عليه في عامي 1978 و1979 - وهي الفترة التي قضيتها فيها - كالفارق ما بين السماء والأرض. يقول هذا السيد: لا يوجد لدينا هواء، ولكن ماذا يعني ذلك؟ يعني أن (مدينة) زابل محاطة بالغبار، وأن الغبار يعلوها في كل عام مدة ثلاثة أو أربعة أشهر، وهو صادق فيما يقول، وهذا كان وما يزال يمثل جانباً من مشاكل سيستان وبلوشستان. ولكن الناس كانوا آنذاك يعيشون في بؤس وتعاسة محضة بكل ما تنطوي عليه الكلمة من معنى! وهذا ما أنا شاهدته عن كثب. وأما بعد الثورة فقد أُنجزت الأعمال وتقدمت الأمور وأُسديت الخدمات، لا في سيستان وبلوشستان وحسب، بل في جميع أرجاء البلد. وبالتالي فقد حُقِّقت إنجازات كثيرة في مجال العدالة. إنكم وللأسف لا تطالعون ولستم من أهل الكتاب كثيراً، ولكني أنا مطالع، وأُكثر من قراءة الكتب، وأرغب في أن تعمدوا أنتم الشباب إلى قراءة الكتب حقاً. فقد جاء في تقارير المحادثات الدائرة بين (أسد الله) عَلَم وبين الشاه - واتفق أن نقلتُ من هذا الكتاب شيئاً قبل بضعة أيام - بأن محمد رضا يقول لعَلَم معترضاً: المسافة بين أقلّ وأعلى راتبٍ تشكل مئة ضعف.. هذا ما يقرّ به محمد رضا بأن المسافة مئة ضعف! في حين يدور الحديث اليوم عن اثني عشر وأربع عشر ضعفاً وهذا بالطبع كثير جداً، ولكنه كان يومذاك مئة ضعف. لقد شاهدنا حقاً مسائل لا يمكن وصفها على الإطلاق، من أوضاع الناس وحالات فقرهم وفاقتهم، وأوضاع الحرية التي بات البعض يعترض اليوم بأنها مفقودة، قائلاً لماذا لم يتمكّن فلانٌ من بيان الموضوع الفلاني على شاشة التلفاز؟ كلا، لا يعتبر هذا دليلٌ على فقدان الحرية. نعم، لو كان بمقدوره بيانه لكان أفضل، ولكن هل بالإمكان مقارنة هذه الأوضاع مع ما كانت عليه قبل الثورة؟ كان لدينا صديق من طلبة العلوم الدينية المجاهدين، وكان قد هرب إلى باكستان وأقام فيها مدة من الزمن. فجاء في رحلة له إلى مشهد، وقال مما قال خلال حديثه بأننا كنا نتمشى في إحدى متنزّهات مدينةٍ من مدن باكستان ونوزّع هذا النداء، فقلتُ مستغرباً: نداءٌ في المتنزه؟! أساساً تصوّر أن يتمكّن أحد من أن يحمل نداءاً بيده ويقرأه في أجواء عامة لم يكن بالأمر الذي يصدَّق.. هكذا كانت الأوضاع حقاً. حالياً يتم الانتقاد في الصحف، وفي العالم الافتراضي إلى ما شاء الله، بل وحتى في برامج الإذاعة والتلفزيون التي خضعت لاعتراضكم بأنه لماذا لا يتم الانتقاد فيها، ورجال الحكومة على العكس يشتكون إليّ بأن الأخبار التي تُبثّ في الساعة الثامنة والنصف مساءاً (على سبيل المثال) قالت كذا والشخص الفلاني قال كذا.. إنهم حقاً يشتكون إليّ باستمرار.. أنتم تشتكون من جانب بأنهم لماذا لا ينتقدون، وأولئك يشتكون من جانب آخر! ولكن كلمة واحدة من هذه الكلمات التي تُطلق في هذه الأخبار وفي برامج الإذاعة والتفلزيون الانتقادية وفي المناظرات وفي غيرها، لو كانت تُكتب على ورقة، هل كان بالإمكان أن يحملها المرء بيده؟ لو عثروا عليه لأذاقوه الأمرّين. هذا ما أشرتُ إليه سابقاً والآن قد أدركنا الوقت.. هكذا كانت تسير الأوضاع والأحوال.
وخلُص الإمام الخامنئي إلى أنّ الثورة حثّت الخطى وتقدّمت إلى الأمام في جميع هذه المجالات التي ذكرتها، والتي تمثّل القيم والمبادئ والطموحات الكبرى. كالذي تشاهدونه على سبيل المثال في مجال العلم والتقنية. فقد تحدث الآن أخونا هذا قائلاً بأني في مركز «رويان»، ورويان ليس سوى نموذج، ففي يومٍ استطاع شباب رويان الكادح الدؤوب أن يتعلّموا قضية الخلايا الجذعية وأن يُدخلوها إلى البلد وأن يقوموا بصناعة إنتاج الخلايا الجذعية وتكثيرها التي لربما لم تكن متاحة يومذاك إلا في ثلاثة أو أربعة دول في العالم، وكذلك الحال في المجالات الأخرى. فهناك كمّ هائل من حالات التقدم الصناعية والعلمية والتقنية.. إذن فالتقدم موجود. فلا ينبغي لنا أن نوقِع أنفسنا في خطأ قائلين: «لا توجد ثمرة.. لم يتحقق.. لم نتقدم.. لا يمكننا القيام بذلك».. كلا، لقد تقدمنا وسنتقدم بعد اليوم أيضاً إن شاء الله. فإن هذا طريق سريع سالك ولا نزعمه طريقاً مغلقاً. ثمة طريق سريع أمامنا وبوسعنا الانطلاق والحركة، خصوصاً مع ما يتمتع به البلد من إمكانيات ومن طاقات بشرية وموارد طبيعية، ولقد أسهبتُ الكلام قبل أيام خلال اللقاء بالمسؤولين عن طاقات البلد وقدراته.. هذه نقطة. ولكن لابد من مواصلة هذا الطريق بقوة وشدة، وهذا يعني إننا لا نقتنع بهذا المستوى. هناك عوامل تساعدنا على تحقيق مرادنا، وهناك موانع لابد من الالتفات إليها. إحدى هذه العوامل هي الحكومة. فالحكومة هي من عوامل التقدم باتجاه الطموحات. أي إن الحكومة الثورية والنظام الثوري والدولة الثورية تمثل أحد العوامل. فلو طرأ فيها خلل لتعرقلت المسيرة لا محالة. ولذا ينبغي لكم أن تقوموا بما من شأنه أن يجعل حركة الحكومة والدولة - وأعني بالدولة المنظومة الإدارية العامة للبلد - وحركة المسؤولين في البلد حركة ثورية في سبيل أن تتقدم هذه الأهداف. والطبقات المؤثرة، بما فيهم الطبقات العلمية والطبقات الاجتماعية، سواء الجامعية أو الحوزوية أو المفكرين أو الفنانين الذين يدخلون في عداد الطبقات المؤثرة، حيث ينبغي لها أن تنشط في هذه المجالات. والطاقات الشابة، أي مجموعتكم أنتم، هي بمثابة الماكنة المحرّكة وبمنزلة القاطرة التي ما إن تحرّكت، ستجرّ معها عربات القطار بطبيعة الحال.. هذا بالطبع إذا عملت الشريحة الشابة بالواجبات الملقاة على عاتقها بشكل صحيح".
ورأى سماحته أنه "من الأمور الضرورية طبعاً هي روح الأمل والعزيمة والبرمجة. أولاً لا تفقدوا أملكم أبداً. وأما ما تتم الآن ممارسته من بثّ اليأس على الدوام في أوساط المجتمع فهو عمل عدواني، علماً بأن الذي يمارس هذا العمل قد لا يكون عدواً حقاً ولكنه يمارس ممارسة عِدائية. ذلك أنّ كل من يبثّ اليأس قائلاً: «لا يمكن، ولا توجد ثمرة، وقد تفاقم كل شيء»، فهو يقوم بعمل عدواني. إذن فالأمل يمثل إحدى الشروط اللازمة.. والعزيمة والإرادة وهي تعني اتخاذ القرار، فلابد من اتخاذ القرار للقيام بهذه الإنجازات، وكذلك التخطيط والبرمجة، إذ لا يمكن العمل دون تخطيط.. فلتكن فيكم هذه الأمور الثلاثة.
وبشان الموانع الموجودة، بيّن سماحته بأن طائفة منها تعود إلى الموانع الداخلية في نفوسنا. فالبعض يقول بأن فلاناً يُلقي الإشكالات برمتها على عاتق أمريكا وغيرها، ونقول بالطبع لعن الله أمريكا وبريطانيا الخبيثة اللذَين يشكّلان المصدر للكثير من مشاكلنا، ولكنني أضع غالبية الإشكالات على كاهلنا، فالعوائق التي تعيقنا هي في الأعم الأغلب عوائق ذاتية، والأعداء بدورهم يستغلون هذه العوائق الذاتية، وبالتالي فهي عوائق متوافرة. إحداها عدم الإدراك الصحيح للمسألة، وعدم الفهم الصائب لقضية البلد ولقضية الثورة. وهذا ما يُحتِّم عليكم أنتم الطلبة الجامعيون والعناصر الفكرية أن تبذلوا الجهود في هذا الشأن. لقد خاطبني أحد الإخوة الأعزاء قائلاً: «أوصوا العناصر الفكرية بالتعامل مع طلاب الجامعات»، نعم.. هذا ما ينبغي تحقيقه بكل تأكيد، سواء بواسطة الحوزة أو الجامعة. فعلى العناصر المؤمنة الثورية المفكرة وعليكم أنتم أن تتابعوا هذه المسألة وأن تفكّروا في هذا الأمر.
وأضاف: "من عوائق العمل الأخرى عدم معرفة البيئة بشكل صحيح. ذلك أن البعض لا يعرف البيئة بصورة صائبة، وعندما نجهل البيئة، سيزداد احتمال الخطأ والاشتباه عندنا. فإن المجاهد والمقاتل إن لم يكن يعرف أين هو، وأين العدو، وأين الصديق، قد يوجّه فوهة السلاح باتجاه الصديق ظناً منه أنه يُطلق الرصاص صوب العدو. فلابد من معرفة البيئة، ولابد من رؤية الاصطفافات والوقوف عليها. فإن مَثَل البعض، حين يقوم بعملٍ ما، مَثَل ذلك الذي غلبه النوم في الخندق، وعندما استيقظ، راح يسمع أصواتاً من هنا وهناك، ولكنه لا يعلم أين الصديق من العدوّ، فرفع المدفع أو الهاون أو البندقية دون هدف وأخذ يرمي باتجاه معيّن، وإذا بالرمية قد تسدّدت صوب الصديق. هكذا هو حال البعض في ممارساتهم، لا يعرفون مع من يقاتلون.
وأردف: "من الموانع فقدان الإرادة والتكاسل وفقدان الصبر. إنك إن وضعت طعاماً على النار، لا ينبغي لك بمجرد إشعال النار تحته، أن تضرب برجلك على الأرض قائلاً: أريد الطعام! بل عليك أن تصبر حتى يطهو. هكذا تجري الأمور أحياناً. فإن بعض الممارسات التي يقوم بها الثوريون الجيّدون من الإخوة والأخوات في بعض المواطن ناجمة عن فقدان الصبر. فلابد من التحلي بالصبر الذي يعدّ هو الآخر واحداً من الخصال الثورية. أجل، لدينا غضبٌ ثوري ولكن لدينا صبر ثوري كذلك. إن أمير المؤمنين يجسّد المظهر الأتم والأكمل للعدالة، ولا يوجد من هو أشدّ منه عدلاً، ولكنه صبر في بعض المواطن، وها هي سيرة حياته ماثلة أمام أعينكم. حيث قال في موضع: «فصبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجا»، وصبر في مكان آخر أمام ضغوط الخوارج وأمثالهم في معركة صفين وقَبِل بالحكمية. فالصبر تارة يكون ضرورياً وواجباً، وتارة يكون ناتجاً عن الاضطرار، وتارة أخرى لا يكون ناجماً عن الاضطرار، ولكن تقتضي الضرورة أن يلتزم الإنسان الصبر.
وتابع سماحته: "ومن العوائق الانشغال بالأمور الـمُفسِدة والهدّامة والـمُضّلة، كالاختلاف على المسائل الواهية. ذلك أن الاختلافات الصغيرة والذرائع الصغيرة قد تكون سبباً في نشوب الاختلافات الكبيرة، نظير المسائل الهامشية الموجودة. ففي العام الماضي وفي نفس هذا اللقاء على ما يبدو أو في لقاء شبيهٍ به في شهر رمضان، أشرتُ إلى مسألة هامشية كانت سائدة يومذاك. والهامش التي أشغلنا اليوم - باعتقادي - أكثر من الأصل، هو قضية العالم الافتراضي وشبكة التواصل الفلانية وما إلى ذلك.. إنها مسائل هامشية. فثمة عمل لابد من إنجازه، وثمة عمل يتم إنجازه، وأما الإكثار والإفراط في التعاطي مع هذه القضية - من ذاك الطرف بطريقة ومن هذا الطرف بطريقة أخرى - فهو اهتمام بالهامش والغفلة عن الأصل. هذه هي عوائقنا الداخلية. كما أنه لدينا موانع خارجية أيضاً، ومن أهمها بثّ اليأس وإشاعة العجز وأمثال ذلك، وقول: «لا يمكن.. لا توجد فائدة.. لا تستطيعون». واليوم باتوا وبشكل متواصل يضخّون ويحقنون الشعور باليأس والشعور بالعجز كذلك.
وحذّر سماحته من المسائل الكاذبة والمخالفة للواقع، وتحريف الحقائق التاريخية، منبهاً إلى أن حركة خبيثة انطلقت منذ عدة أعوام ترمي إلى تحسين صورة النظام الطاغوتي البهلوي. وياليته كان قابلاً للتطهير، سائلاً: هل يمكن الدفاع عن نظامٍ فاسدٍ ضعيفٍ تابعٍ منحرفٍ بعيدٍ عن الناس وأفراده يلهثون وراء منافعهم الشخصية بشدة؟ هل يمكن الدفاع عن محمدرضا بهلوي؟ ثمة حركة تدبّ في هذا المجال بغية أن يقول الشابّ اليوم: «عجباً! لم يكن أولئك أناساً سيئين، ولم تكن الأوضاع سيئة، فلماذا إذن ثُرتم؟». وأساس ذلك كله يعود إلى التشكيك بالثورة، وهي ممارساتٌ تُمارَس من الخارج.
ولفت إلى الموانع العملية التي وضعها الغرب والتي تعترض طريق السير باتجاه الأهداف، كالحظر وخلق عراقيل مختلفة، وتصوير الانتصارات على أنها هزيمة، وتهويل نقاط الضعف الصغيرة، ونسبة حالات الضعف الإدارية إلى النظام. فإن أبدى المدير الفلاني في المؤسسة الفلانية من نفسه ضعفاً وقام بعمل خاطئ على سبيل الفرض، شهّروا به في سبيل التشكيك بالجمهورية الإسلامية وبالنظام الثوري! هذا عملٌ يمارسه العدو، ويجب عليكم أن تلتفتوا إليه بشدة. أشار أحد الأعزاء هنا إلى الحفلات الموسيقية. ولنفترض بأن هناك خمسة حفلات يتم تعطيلها بين آلاف الحفلات الموسيقية، وإذا بهم يعمّمون ذلك ويثيرون الضجيج والصخب قائلين بأن «الحفلات الموسيقية يتم تعطيلها»! في حين تقام على سبيل المثال آلاف أو مئات الحفلات الموسيقية، ولا يُعطَّل منها إلا عددٌ قليل! المدير الفلاني أو المدير الفلاني أو المدير الفلاني بين مجموعة المدراء - عشرة أو خمسة عشر أو عشرون مديراً على سبيل المثال - يقترفون خطأ ويرتكبون حماقة وينتهجون نهجاً غير صائب، فيعمّمون ذلك لا إلى مجموعة المدراء في البلد وحسب، بل إلى نظام الجمهورية الإسلامية! هذه ممارسات يقوم العدوّ بها عبر تخطيط وبرمجة. يعبّرون عن السيادة الشعبية الشاملة بالدكتاتورية، ولكني أعتقد حقاً - وفق المعلومات التي أحملها - بأنه لا توجد سيادة شعبية حقيقية في العالم المعاصر تضاهي سيادتنا الشعبية. فإن ما يتم هنا من صلة المسؤولين بالناس وأنسهم بهم واختيارهم بواسطتهم هو أكثر واقعية من أيّ بلد في العالم، بمقدار ما أحمله من معلومات. وإذا بالعدوّ في ممارساته الإعلامية القطعية الدائمية يصوّر هذه الحالة على أنها دكتاتورية، وهذا بالتالي من صنعهم.. هذه هي الموانع الخارجية التي قد يمارسها الأعداء.
ورأى سماحته أن "النظام يسير في وسط معركة كبرى. وهذا هو الأساس فيما قلته بأن نعرف موقعنا ونعرف القضية. فإنكم في وسط ساحة المعركة؛ معركة عظيمة شاملة. وعليكم أن تستشعروا هذه المعركة وأن تعرفوا الطرف الآخر، وبهذا يتحدد واجبنا جميعاً. فالنظام دون توجّه ثوري لا قيمة له حقاً، ولا يصل إلى تلك الأهداف، ولا يسعى وراء تحقيقها، ولا يكون له أي فارق مع الأنظمة البائدة في البلد، ولا تبقى له قيمة. علماً بأن النزعة الثورية لا تتحقق إلا في داخل النظام، التفتوا إلى هذا الجانب من القضية أيضاً. فلا ينبغي للبعض أن يرفض النظام باعتبار أنني ثوريّ، وأن يشكّك بمبادئ النظام وأركانه وأسسه بصفة أنني ثوري.. النزعة الثورية لا تعني الهدم، وإنما تعني اتباع طريقة صائبة منطقية باسلة مفعمة بالحافز والأمل صوب الأهداف العليا.. هذا هو تعريف ومعنى النزعة الثورية، وهو ما لا يتحقق إلا في داخل وفي مسار النظام الإسلامي؛ أي النظام الموجود، ولا يمكن تحققه من خارج هذا الإطار.. النزعة الثورية لا تعني تحطيم الأسس ولا تعني تدمير النظام المنبثق من الثورة.. هذه نقطة.
الأمر الذي أؤكّد عليه هو أننا اليوم في مجتمعنا بأمسّ الحاجة إلى تكرار الأهداف والتذكير بها والعمل عليها والمطالبة بها على الدوام.. هذه المطالبة قضية في غاية الأهمية. المطالبة بالأهداف هي من الأمور التي لا ينبغي الكفّ عنها. ولو أن هذا الكمّ الهائل والواسع من هجوم العناصر المعادية للثورة على الرأي العام لم يُواجَه بهذه المطالبات، لأدى إلى الدمار لا محالة. فإن التذكير بالأهداف وطرحها وطلبها والمطالبة بتحققها يشكل سداً أمام هدم الرأي العام والبيئة النخبوية - ومما يؤسف له أنهم باتوا يشتغلون على البيئة النخبوية أيضاً - والبيئة الإدارية، وقد ترك تأثيره في بعض المواطن وللأسف. وهنا يتطلب الأمر ظهور جيشٍ من الشباب المؤمن الثوري الذي ينزل إلى الساحة ويطالب بالأهداف ويساعد بنفسه على تحققها، وطريقة المساعدة بالطبع تحتاج إلى بحث، ولربما أشرتُ إلى بعض النقاط في هذا المضمار إن حالفني الوقت لتناول القسم الثاني من الحديث. إذن فهناك حاجة إلى التذكير بهذه الأهداف بنفس اللغة الخاصة التي يتمتع بها الشاب المؤمن الثوري والتي من صفاتها الصراحة ومن صفاتها الشجاعة في القول؛ أن يقول كلمته بشجاعة، واليوم كان كذلك إلى حدّ ما، حيث شعرنا بوجود محفزات شجاعة للإدلاء ببعض الآراء. رغم أني لا أؤيّد بعض الأقوال ولكني أؤيّد الشجاعة، وأؤيّد هذا الشعور بالروح الهجومية لدى الشاب الجامعي والشاب المؤمن بالكامل. فلابد من المطالبة دوماً بهذه المبادئ والقيم من قِبَل الشاب المرابط بصورة صحيحة وذكية. مواجهة الأرستقراطية، بمعنى رفض الأرستقراطية لدى الرأي العام، وكذلك رفض التبعية الفكرية. فلقد طُرح موضوع البضاعة الإيرانية، والمشكلة الرئيسية التي واجهتها، هي مشكلة ذهنية تجاه البضاعة الأجنبية، متوافرة للأسف لدى طبقة واسعة من أبناء البلد، وهي من المواريث المشؤومة للنظام الطاغوتي البائد، حيث كانت الأنظار مسمّرة نحو المنتوجات الأجنبية، وكانت السلعة الأجنبية في كل شيء هي الأفضل - علماً بأنه لم يكن آنذاك إنتاج محليّ يُذكر - والرؤية هذه مازالت قائمة. فالمشكلة إذن مشكلة فكرية، ولابد من اندلاع حركة فكرية عامة لتغيير هذا الشعور. فلو استطعنا على سبيل المثال أن نُمحي من الأذهان فكرة أنّ «البضاعة الأجنبية هي الأفضل»، عندذاك سوف تتجه الناس بطبيعة الحال صوب البضاعة الإيرانية، وستتحقق بركات وخيرات هذا العمل بأسرها. المطالبة بنمط الحياة الإسلامي - الإيراني.. المطالبة بالثقافة الدينية.. مواجهة اللامبالاة والإهمال والتكاسل.. الوقوف في وجه مقارعة الدين، وكل هذه مرفقة بالتحمل والصبر والتدبير.
وختم سماحته بالقول إن "التحمل والصبر الثوري يضاهي الغضب الثوري. عندما نزل موسى مصر بعد بعثته إلى النبوة وأراهم تلك المعجزة وقام بدعوتهم وما إلى ذلك - وبنو إسرائيل بالطبع كانوا مترقبين، فقد بلغهم الخبر بأن هنالك منقذ سيأتي وهو موسى، والآن قد جاء موسى، وكانوا يتوقّعون أنه بمجرّد مجيء موسى سينقلب جهاز فرعون رأساً على عقب، ولكنه لم يحدث ذلك - يقول الله في كتابه جاؤوا للنبي موسى و﴿قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾، ما الذي فرّق بعد مجيئك؟ كنا قبل أن تأتي نتعرض للأذى والضغط وبعد أن أتيت أيضاً كذلك. التفتوا! هذه الحالة هي فقدان الصبر عند بني إسرائيل. فقال لهم النبي موسى اصبروا: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، إن اتصفتم بالتقوى ستكون العاقبة لكم، ولكن الأمر يحتاج إلى صبر. فلا تكن فيكم هذه الحالة، وليس من الصحيح أن نقول: لماذا لم يحدث وكيف حدث، ونضرب بأرجلنا على الأرض.. هذا ما أردنا بيانه في هذا المجال".
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018