ارشيف من :أخبار عالمية
انتظروا طفلهم على موعد الإفطار فارتقى برصاصة قنص إرهابيه في الفوعا
محمد عيد
كان لدى القناص المتمركز في بنش المقابلة لبلدة الفوعة المحاصرة الوقت الكافي ليتأمل في الوجه الطفولي لمحمد ددش ابن الإثني عشر ربيعًا، كان لديه ربما متسع من الرحمة لو أنه فكر قليلًا بأن ليس ثمة دين على وجه الأرض يبيح قتل طفل صغير صائم عاد ليتناول مع عائلته على مائدة الإفطار بقية طعام أفلت من حصار جائر. لكنه اختار أن يبقى منحازًا لطبيعة الوحش في داخله فأطلق رصاصته بدم بارد على الطفل الذي خطا خطواته الأخيرة نحو باب داره الذي لم يتمكن من عبوره.
أفطرت على مشهد احتضار ابنها
على إثر سماع صوت إطلاق النار فتحت أم محمد باب المنزل خارجًا على منظر ولدها وهو يتخبط في دمائه، أهو الجنون أم الهلع على مصير حشاشة القلب هو الذي جعلها تفترش الأرض إلى جواره فيما صدى حسرتها يملأ المكان وهي تنادي بصوتها المتهدج "محمد يا حبيبي يا عيون أمك قتلوك يا ماما"، لم يكن محمد قد فارق الحياة بعد حين هرع به أهله وجيرانه إلى المشفى المفلس إلا من اطباء اضطرتهم قلة الحيلة والأدوات إلى العودة بالطب إلى سيرته البدائية الأولى في مشفى لم يبق الحصار فيه إلا الدموع والتفجع على فراق الأحبة
لم يطل العذاب بمحمد فارتقى شهيدًا بين أطباء بكوا عجزهم حياله ونعوا من خلاله الإنسانية في عالم يدعي التمدن و يبخل على البلدتين المنسيتين بالمواساة حتى لو بكلمات لا تغني ولا تسمن من جوع، وهكذا فإن الكلمة العليا كانت لرصاصة الغدر القادمة من بنش حيث جحافل الإرهابيين تحاصر بلدتي كفريا والفوعة.
أسرة محمد المكونة من ثلاثة صبيان وابنتين إضافة إلى أبيه وأمه كانت تعي أنها تعيش في قلب الخطر بحكم وجود بيتهم في الحارة الجنوبية المقابلة لبنش المجاورة حيث يتمركز الإرهابيون على مدار الساعة، لكن الفقر المدقع وضيق ذات اليد جعلا والد محمد يصم السمع عن النصائح المتكررة من قبل أصدقائه لضرورة مغادرة المنزل واستئجار آخر أكثر أمانًا وسط الفوعة. أما الإرهابيون فكانوا يتحينون أي خطأ بشري من الأهالي قد يكلف صاحبه حياته وهذا ما حصل مع محمد فعادة ما تكون المنطقة مغطاة بالشوادر التي تحجب الرؤية عن القناصين ولكن لسوء حظ محمد هذه المرة فقد هب الهواء فجأة وبشدة ليزيح السواتر ويكشف المستور أمام الإرهابي الذي اخذ وقته في مراقبة محمد وتوجيه رشاشه عليه مختارًا أكثر اللحظات لؤما وهي لحظة اقترابه من منزله حيث كانت اسرته تنتظره على الفطور، وكأن الإرهابي أراد أن يستمتع برؤية أمه وهي تتفجع عليه ورؤية أخوته وهم يحفرون عميقًا في ذاكرة طفولتهم المشهد الأشد إيلامًا لأخيهم المضرج بدمائه.. رصاصة واحدة أحالت حياة العائلة إلى جحيم وقضت على حلم جميل كان محط إعجاب كل من عرفه.
الفوعة تبكي ابنها الشهيد
والد محمد لام نفسه طويلا لأنه لم يستطع ان يجنب خيرة أبنائه وأحبهم إلى قلبه هذا المصير المفجع بسبب إصراره على البقاء في المنزل، والحقيقة أن الفقر والعوز هما اللذان أصرّا وليس الوالد الذي ود لو يفدي ابنه بحياته فقد كان محمد طفلًا غاية في التهذيب والإجتهاد بارًا بوالديه كما قال أبوه في حديث لموقع "العهد" الإخباري مضيفًا بأنه كان رهان أسرته في مجال العلم فقد كان الأول على صفه حتى تاريخ استشهاده فضلًا عن أنه كان لاعب كرة قدم ممتازا في ناديه الفوعة وكان ينتظره مستقبل كروي زاهر بشهادة كل من شاهده لو أن القدر أفسح له في العمر كما قال مدربه لـ"العهد".
وعليه فلم يكن غريبًا أن تخرج الفوعة بكاملها لتمشي في جنازته التي تحولت إلى مظاهرة احتجاج على الواقع الحرج الذي تركت فيه بلدتا الفوعة وكفريا المحكومتان بالتجاهل والنسيان دوليا وكأنها تتحدث عن نفسها.
قبيل أيام قليلة من استشهاد محمد خرجت من الفوعة وعلى مواقع التواصل الإجتماعي صوتية لوالدته تتحدث فيها عن ذلك الحصار المؤلم الذي يحرم أبناء الأسر الواحدة المشتتة داخل أسوار الحصار وخارجه من الإجتماع معا الى مائدة إفطار واحدة مستشهدة بالكثير من أسر جيرانهم ومعارفهم الذين غادر بعضهم كفريا والفوعة وبقي البعض الآخر متمسكا بالبقاء رغم الظروف المستحيلة، بدت السيدة وكأنها تهيئ نفسها لوقت تجلس فيه الى مائدة إفطار يكون ولدها محمد هو الغائب الأكبر عنها.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018