ارشيف من :أخبار لبنانية
إلهاءٌ فإفلاس وتوطين أم خيار آخر؟
رئيس تكتل "التغيير والاصلاح" النائب ميشال عون
لقد صبرنا طويلاً على الإفتراءات التي طاولتنا قبل أن نرد، وألزمنا أنفسنا بالصمت، عملاً برغبة المحافظة على الهدوء، وإفساح المجال للتحاور حول تأليف الحكومة، وحول برنامج مشترك نتفق من خلاله على تدابير إصلاحية. ونكون بذلك قد انتقلنا من مرحلة الصراع الانتخابي إلى الهدوء، ومن ثمّ إلى مرحلة تفاهم وبناء؛ كان هناك أملٌ، ولو ضئيلاً جداً، بأن نحقّق شيئاً إيجابياً. ومع الأسف، لم يكن هذا التصور أكثر من وهم عابر، إذ فاجأتنا حملات إعلامية مفتعلة لا تستند إلى واقع، وليس لها أي أساس، سوى المشاعر العدائية الدفينة ضدنا. وتعاظمت هذه الحملات، حتى أصبحت الشغل الشاغل لجميع وسائل الإعلام، التي شارك قسم كبير منها في توزيع الأخبار المختلقة، وتعميم الشائعات.
ولمّا حاولنا الردّ على الإفتراءات المتعدّدة المصادر والمستويات، فوجئنا بدعوة مدّعي الأخلاق السياسية، وأساتذة الإرشاد، يطالبون بوقف السجال، وليتهم فعلوا وطالبوا بوقف الإعتداءات التي امتدت خمسين يوماً، قبل أن نضطر إلى الردّ عليها وتبيان الحقائق. وكأن هؤلاء الداعين يريدون المساواة بين المعتدي والمعتدى عليه.
وأحياناً، تأتينا ردود على ما نقوله، ولكن لا علاقة لها بما نقول، بل تحوير مطلق لمعاني الكلمات والقصد؛ فإذا قلنا بفصل سلطة المراقبة عن سلطة التنفيذ نُتّهم بأننا نهاجم الطائفة السنية، وننتقص من صلاحيات رموزها. وإذا قلنا، ووفق النصوص الدستورية، إن هناك رئيساً واحداً للدولة هو رئيس الجمهورية، بينما الرئيسان الآخران هما رئيسا مؤسسات، اتُهمنا أيضاً بأننا نتعرّض لموقع رئيس الحكومة وهيبته، وبالتالي للطائفة التي ينتمي إليها. وإذا طالبنا بمعايير ومعالم موحّدة لتأليف الحكومة، أُجبنا بأن "الرئيس" المكلّف، مع رئيس الجمهورية، لهما الحق في تأليف الوزارة، كما لو كنا ننكر عليهما هذا الحق، بينما ما نقوله، وبتعبير مهذب، أن لا أحد يستطيع تأليف الحكومة بشكل مزاجي، وعليه أن يحترم المعايير والمقاييس الضرورية ليأتي تشكيلها منسجماً مع هذه الشروط، وإلا أصبحت قرارات السطة تجاوزاً لحدودها وتعسفاً.
إن الأجواء الهجائية في سوق عكاظ السياسة اللبنانية، بتعابيرها ومواضيعها المبتذلة، والبعيدة عن النقاش البنّاء لحل المشاكل التي تعترض مسيرة الوطن، أسقطت مستوى السياسة والاعلام الى درجة الإسفاف. فلا أحد يناقش برنامجاً إصلاحياً، ولا أحد يريد أن يرفع التحدي باقتراح بدائل مما يُطرح من اقتراحات نعتبر تطبيقها يرفع من شأن المجتمع ويدفع به نحو الازدهار والترقي.
من الطبيعي أن تكون هذه الأفكار مكلفة على من ضربه الله بالكسل الفكري الطبيعي، فهو لا يستطيع الجدل لأنه يفتقد الى المعطيات الأساسية المرتبطة بمصالح من يمثلهم. وجل ما يستطيع أن يفكر به ويجيده هو التكرار الببغائي لبعض إملاءات هجائية.
كنا نتمنى أن يثار الجدل والنقاش حول مخطط مواجهة الدين العام المتزايد الى ما لا نهاية، لنتمكن من مواجهة عملية التوطين الفلسطيني في لبنان بدل أن نرضخ لها. فما قاله بالأمس رئيس الحكومة المستقيل حول التوطين، أن "مواجهة مشروع توطين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان صعبة وقاسية وهناك من يتصرف على أنه واقع لا محالة"، يذكّرنا بما قاله رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري في معرض تقييمه لبعض الأوضاع العامة في دارته، وبتاريخ 17/12/2000 ، أن "ليس هناك إمكانية للهروب من التوطين، ومصلحة البلاد هي في مزيد من الاستدانة لأن كافة الديون ستمحى عندما يفرض واقع التوطين الفلسطيني على لبنان".
هذان القولان، وعلى مسافة زمنية تمتد لتسع سنوات، مع الإمعان في الاستدانة ورفع مستوى الدين، ثم الإكتفاء بإدارة خدمته دون معالجته، أكثر من صدفة تلاق مع الخطة الدولية لوضع لبنان أمام خيارين لا ثالث لهما: الإفلاس أو القبول بالتوطين.
ولكن، هل نحن فعلاً أمام خيارين لا ثالث لهما، أم أننا نستطيع تغيير المخطط بخيار ثالث يتجنّد فيه اللبنانيون كافة لإيقاف هذا المخطط الرهيب، وإعادة المركبة الى مسارها الصحيح، فيُنقَذ الوطن شعباً وأرضاً واستقلالاً واستقراراً؟
إننا لا نرى في ما يحدث من هجومات مبرمجة سوى محاولات للقضاء على هذا الخيار الثالث، وتأمين استمرار مخطط التوطين، بتشريد الحوار عن المواضيع الاساسية منعاً لمعالجتها.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018