ارشيف من :أخبار لبنانية

حكومة الامر الواقع "لي بجرب المجرب عقله مخرّب"

حكومة الامر الواقع "لي بجرب المجرب عقله مخرّب"

كتب علي عوباني


عاد الرئيس المكلف تشكيل الحكومة النائب سعد الحريري لرمي الكرة الحكومية مجددا في ملعب المعارضة، والغريب في الامر هو ما بدأ يتم تسريبه منذ عدة ايام حول نية الحريري الاقدام على طرح صيغة حكومة امر واقع على رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان قبيل مغادرةحكومة الامر الواقع "لي بجرب المجرب عقله مخرّب"
الاخير الى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للامم المتحدة، حيث يتوقع ان يشهد الاسبوع الطالع تطورات دراماتيكية على هذا الصعيد على الرغم من التحذير والانذار الاستباقي المبكر الذي جاء امس على لسان الوزير محمد فنيش، واعتبر فيه ان حكومة الامر الواقع سوف تعيد انتاج الخلافات بين الفئات السياسية.

اذاً، اسبوع حاسم على الصعيد الحكومي سيتخلله تقديم الرئيس المكلف صيغته الحكومية الاولى من طرف واحد الى رئيس الجمهورية، وذلك بعد مرور نحو اكثر من سبعين يوما على تكليفه، واذا كان الحريري قد قام فعلا بسلسلة مشاورات حكومية تمهيدا للتأليف، فان الوقائع تشير الى ان خطوته سوف تكون موجهة في اكثر من اتجاه، وتحمل رسائل سياسية لن توفر في طياتها حتى رئيس الجمهورية ، ليكون الحريري قد ضرب بذلك عدة عصافير بحجر واحد ، اما دوافع هذه الخطوة واهدافها فيمكن الاشارة اليها بما يلي:

1 - سعي الرئيس المكلف للهروب من ضغط العامل الزمني المتاح لتأليف الحكومة، اي فترة السماح التي طال امدها، وايجاد الذريعة الملائمة للتنصل من المسؤولية امام من يطالبه بالاعتذار لعدم قدرته على تأليف الحكومة طوال الفترة السابقة.

2 -  اندفاع الحريري من خلال طرحه لصيغة حكومة الامر الواقع نحو اعادة الكرة الى ملعب رئيس الجمهورية بعدما اعتبر ان الرئيس سليمان رمى الكرة في ملعبه بشكل مباشر عندما تحدث خلال الافطار الرئاسي عن ضرورة تشكيل الحكومة قبيل الخامس عشر من ايلول.

3 – محاولة الرئيس المكلف تسجيل نقاط في سلة المعارضة عبر المراهنة على امكانية احداث اختراق ما بداخلها من خلال مشاركة اطرافها دون العماد عون.

4 -  سعي الرئيس المكلف لتبرئة نفسه من المطالبة بالاعتذار كونه لا ينوي القيام بمثل هذه الخطوة، وهو على مشارف تشكيل حكومته الاولى، ما سيؤثر على مستقبله وصورته السياسية التي سرعان ما ستهتز اذا ما اقدم على مثل هذه الخطوة.

5 - هذا الطرح قد يحمل في طياته محاولة للعودة الى نقطة الصفر في موضوع تشكيل الحكومة من خلال التهرب من الالتزام الذي قدمه الحريري وفريقه حول الصيغة الحكومية 15 -10 -5 والاطار السياسي الذي جرى الاتفاق مع المعارضة حوله.

الى ذلك، فقد سعى الحريري للتمهيد لخطوة حكومة الامر الواقع بتكثيف مشاوراته الحكومية واقامة افطار للمرجعيات السياسية والروحية المسلمة لتظهير الصورة امام الرأي العام وكأنه يبذل كل ما بوسعه من جهد من اجل تشكيل الحكومة، وان اقدامه على خيار حكومة الامر الواقع كان من باب الضرورة والمصلحة الوطنية، وهو ما دأب الحريري على تكراره في الافطارات الرمضانية المتكررة .

بغض النظر عن الخلفيات وراء طرح الرئيس المكلف لصيغة حكومة امر واقع، ثمة سؤال بدأ يتردد في الاوساط السياسية منذ عدة ايام، وهو هل يقدم الحريري على مثل هذه الخطوة خلال  الاسبوع  الجاري؟

في واقع الامر، يبدو ان التاريخ سيكرر نفسه هذه المرة ايضا، فما حصل سابقا عندما استقال الوزراء الشيعة  في حكومة السنيورة ما قبل اتفاق الدوحة، مرجح للتكرار واعادة الكرة من بوابة الطائفة المسيحية، وتحديدا بوابة التيار الوطني الحر الذي يمثل اكثر من خمسين بالمئة من المسيحيين، اذ يبدو وكأنه ثمة قرار اتخذ في مكان ما ويجري تنفيذه هذه الايام، ويقضي بمحاصرة العماد عون وعزله سياسيا، في وقت يبدو فيه وكأن الاكثرية عادت لتكرار اخطائها السابقة التي استندت الى مبدأ "اكثرية تحكم واقلية تعارض"، وهي النغمة السياسية التي عادت لتتردد على مسامعنا في الآونة الاخيرة، والتي يقف خلفها عرابون كثر لهم مصلحة باعادة شحن وتوتير الاجواء السياسية مجددا.

غير ان هذا المخطط الحكومي التفجيري الذي يعاود اجترار تجارب سابقة تحول دونه عقبات سياسية قد تمنع من المضي به، وتجعل هذا الطرح عقيما نظرا لمساوئه الكثيرة على صعيد التوازنات السياسية في لبنان، لذا فان الانظار تتوجه الى بعبدا للاطلاع على موقفها من هذا الطرح وسحب فتيل الازمة الحكومية المرتقبة قبيل اندلاعها.

وفي هذا الاطار، رهان كبير على اجهاض هذا الطرح التفجيري قبيل ولادته عبر محورين:

الاول: ثمة مراهنة جدية على العقلاء من قوى 14 اذار ممن عادوا مؤخرا الى رشدهم السياسي واستفادوا من تجارب الماضي باللجوء الى فرملة هذا المخطط واجهاضه قبل السير به نظرا لانعكاساته الخطيرة على الداخل اللبناني واجواء المصالحة التي يسيرون لتكريسها.

الثاني: ثمة ترقب لموقف رئيس الجمهورية، وما سيكون عليه امام طرح كهذا، وخصوصا ان الخيارات محدودة امامه، وهي تتراوح وفق الآتي:

1 – توقيع مرسوم تشكيلة حكومة امر واقع، وهذا مستبعد وخصوصا ان موقفا كهذا سيحرج  الرئيس سليمان ويجعله طرفا في النزاع، فضلا عن انه يخرجه من موقع الرئيس التوافقي.

2 – رفض طرح الرئيس المكلف بتشكيل حكومة امر واقع.

3 – رفض استلام صيغة حكومة امر واقع من الرئيس المكلف.

4 – استلام طرح حكومة الامر الواقع وابقاؤه في الادراج دون موقف علني برفضه.  

اياً يكن موقف رئيس الجمهورية، فانه سيكون بامكان الرئيس المكلف بعد طرح صيغته الحكومية التفجيرية الخلود للراحة لبعض الوقت بعد ان يكون قد ازاح عبء مسؤولية تشكيل الحكومة عن ظهره ورماها في اتجاهات اخرى يمكن له اعادة اتهامها مجددا بعرقلة تشكيل الحكومة، فيما الاخطر من ذلك هو المغالطة الكبرى التي يجري التسويق لها هذه الايام والتي تضاف الى سلسلة المغالطات السياسية الدارجة في لبنان، وهي مغالطة امكانية تشكيل حكومة بالتوافق حصرا بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلف بعيدا عن رأي الفرقاء السياسيين الاخرين.          







2009-09-07