ارشيف من :أخبار لبنانية

رفض رئيس الجمهورية توقيع التشكيلة ينهي مفاعيل التكليف؟

رفض رئيس الجمهورية توقيع التشكيلة ينهي مفاعيل التكليف؟
نقولا ناصيف، الاخبار

لم تعنِ الأيام الـ73 التي استنفدها الرئيس المكلف سعد الحريري لوضع تشكيلة حكومية أن على رئيس الجمهورية ميشال سليمان أن يقول لا، أو نعم، في 73 ساعة. قرّر الرئيس التمهّل بعدما قرن توقيعه مراسيم تأليف الحكومة الجديدة بمعايير تحمله على التشبّث بدوره رئيساً توافقياً. بيد أن اتخاذ موقف رفض التشكيلة أضحى في الساعات المنصرمة خياراً ملحّاً

مذ تبلّغ رئيس الجمهورية ظهر الاثنين (8 أيلول) رغبة الرئيس المكلّف زيارته لتسليمه تشكيلة حكومية مقترحة، حدّد خطوات عبّر عنها اجتماع عقده مع معاونيه بعد مغادرة الحريري قصر بيت الدين، وأدرجها الرئيس في الآتي:

1 ـــــ لم يصدر عن رئاسة الجمهورية أي كلام عن تسلّمه تشكيلة حكومية، بل تشاور مع الحريري في مساعي تأليف حكومة الوحدة الوطنية. إلا أن الأخير كشف للصحافيين عمّا حمله إلى الرئيس. بذلك حسم سليمان سلفاً ردّ فعله، وهو أنه لا يتسلّم من الرئيس المكلف تشكيلة حكومية، بل تصوّراً أوليّاً لتشكيلة مطروحة للمناقشة بين الرئيسين قبل أن يتخذ رئيس الجمهورية قراراً بالموافقة عليها أو رفضها. ولا يحول ذلك دون مسارعة رئيس الجمهورية إلى رفضها إذ وجد فيها أسباباً عميقة للانقسام السياسي.

2 ـــــ قرّر سليمان مباشرة الاتصال بأركان المعارضة بعدما طرح معاونوه أكثر من اقتراح.

سليمان في مجلس الوزراء (أرشيف)ـــــ بينهم مَن قال باستمهال التشاور إلى ما بعد رصد ردود الفعل على تشكيلة الحريري، وبينهم مَن اقترح الاتصال فوراً بالمعارضة. خابر سليمان النائب علي حسن خليل وأبدى رغبته في الاجتماع به وأفرقاء المعارضة، فأخطره بأن اجتماعاً سيعقد في الرابية (ليل أمس)، وأنه سينقل إلى الحاضرين رغبته هذه، ويكون الاجتماع صباح اليوم التالي في بيت الدين.

ـــــ طرح بعض المعاونين اجتماع الرئيس بممثل لحزب الله لكونه يمثّل رأس حربة المعارضة، وقال آخرون بممثّل للعماد ميشال عون، أو في أحسن الأحوال عدم استبعاده لئلا يساء تفسير الخطوة، كأنها تستهدف علاقة الرئيس بالعماد، فضلاً عن قرار حزب الله وحركة أمل عدم المشاركة في حكومة لا يرضى عون عن حصته فيها.

ـــــ طُرح على الرئيس أيضاً إصدار موقف رئاسي من التشكيلة الحكومية قبل استفحال الجدل حولها، وخصوصاً أن المعارضة رفضت سلفاً أي اقتراح بتشكيلة حكومية لم تطّلع عليها وتحظى بموافقتها. قيل للرئيس بضرورة اتخاذ موقف يخرج الموضوع من الجدل السياسي العقيم إلى المعايير الضرورية لتأليف حكومة الوحدة الوطنية، واستعادة ما كان أعلنه في أكثر من مناسبة عن رؤيته إلى الحكومة الجديدة. فخلص سليمان إلى التأكيد أنه تسلّم تصوّراً أوّلياً أو مسوّدة، لأن الدستور لا يعطي أياً من الرئيسين منفرداً حقّ تأليف الحكومة، بل يقتضي اتفاقهما على التأليف ومن ثمّ توقيعه.

3 ـــــ خلافاً لما أشيع عن ردّ فعله بعد تسلّمه مسوّدة حكومة الوحدة الوطنية، يتصرّف رئيس الجمهورية على أنه يتلقّفها من غير أن تربكه أو تحرجه، بل تكون مناسبة لإطلاق مبادرة تعزّز دوره التوافقي بين الموالين والمعارضين، أو في أحسن الأحوال لتجنّب انقسام سياسي خطير يهدّد الاستقرار. وهو إذ أكد أنه لا يوقّع تشكيلة حكومية لا تضم المعارضة ـــــ والواقع أنها لا تحظى برضى المعارضة ـــــ أبرَزَ تعامله معها برفض مقاربته إياها وفق قاعدة أخذها كما هي أو نبذها كما هي. أضف أن رئيس الجمهورية يقاسم الرئيس المكلّف صلاحية تأليف الحكومة ما داما يوقّعانها معاً، ولا يسع أحدهما فرض أي تصوّر على الآخر، الأمر الذي عبّر عنه رئيس الجمهورية في اجتماعه مع معاونيه حتى ساعة متقدمة من مساء أمس، بتأكيده أن رئيس الدولة ليس صندوق بريد.

وهذا الموقف الذي ينطبق على البند الرابع من المادة 53 القائلة باتفاق الرئيسين على تأليف الحكومة، وكذلك قبول استقالة الوزراء أو إقالتهم، يصحّ أيضاً على البند الثاني من المادة نفسها التي لا تحيل رئيس الجمهورية صندوق بريد عند إجرائه الاستشارات النيابية الملزمة لتكليف رئيس الحكومة، بل تجعله معنياً بتأمين أوسع غالبية نيابية ـــــ وليس بالضرورة غالبية فريق سياسي واحد كقوى 14 آذار ـــــ حول الشخصية المرشّحة للتأليف، وهو الدور المنوط برئيس الجمهورية، أضف أنه يوقّع منفرداً مرسوم تسمية الرئيس المكلّف رئيساً لمجلس الوزراء. وتعكس هذه الصلاحية الدور نفسه الذي يضطلع به كمرجعية معنية بتكوين السلطة الإجرائية.

4 ـــــ أوضح الرئيس أمام معاونيه أنه يضطلع بدور مزدوج، دستوري وتوافقي، الأمر الذي يجعله يتمسّك بصلاحياته الدستورية، وفي الوقت نفسه يؤكّد أنه ليس طرفاً في النزاع الداخلي. لم يتفق مع أحد، ولا ضدّ أحد. وإذ يتفهّم مغزى مشاركة المعارضة في الحكومة وعدم استبعاد أفرقائها الرئيسيين من أجل ضمان الاستقرار والوحدة الوطنية، يتفهّم المبرّرات التي حملت الرئيس المكلّف على وضع معايير لتصوّره الأولي لتشكيلة حكومة الوحدة الوطنية التي يقتضي أن تأخذ في الحسبان، بحسب الحريري، نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة. في واقع الأمر، أبرَزَ سليمان لممثّلي التيار الوطني الحرّ وحركة أمل وحزب الله دوره التوافقي هذا، وبعد بيان التيار الوطني الحرّ مساء الاثنين مراهناً على حكمة رئيس الجمهورية، عوّل النائب علي حسن خليل على دوره الإيجابي لمعالجة الأزمة الحكومية.

بين يدي رئيس الجمهورية حقيقة واحدة لا جدل فيها، هي أن التشكيلة الحكومية مرفوضةحتى ساعة متقدمة من مساء أمس، بدا أن ثمّة اتجاهاً لرئيس الجمهورية إلى اتخاذ موقف علني من التشكيلة الحكومية يقضي برفضها، بعدما جهرت المعارضة بهذا الرفض، وقطعت الطريق على التعاون مع الرئيس المكلّف في ظلّ التشكيلة التي اقترحها. ولا يعدو أن يكون موقف سليمان من رفضها إلا تأكيداً على أن الحريري لم يستمزجه رأيه في المسوّدة، تاركاً للرئيس اتخاذ موقف لاحق منها. والواضح أن جزءاً أساسياً من دوافع عجلته تحديد موقفه ممّا يسمّيه تصوّراً أوّلياً هو توسّع الجدل السياسي الذي تحوّل من انتقاد للصيغة التي اقترحها الحريري، ومن تجاذب بين الموالاة والمعارضة وبين أكثرية وأقلية، إلى الخوض في الصلاحيات الدستورية لكل من رئيسي الجمهورية والحكومة.

لكن ذلك يؤول أيضاً إلى إنهاء مفاعيل التكليف الممنوح للحريري. وهو إذ استمد شرعيته الدستورية من الغالبية النيابية التي سمّته عملاً بالمادة 53، فإن فاعليته تقف عند أبواب رئيس الجمهورية متى رفض التصوّر الأوّلي لتأليف الحكومة، ومتى رفض الرئيس المكلّف كذلك إدخال تعديلات على هذا التصوّر وأصرّ عليه كما هو. ذلك أن امتناع رئيس الجمهورية عن توقيع مراسيم تأليف الحكومة يشكّل، وينبغي أن يكون كذلك، دافعاً رئيسياً للرئيس المكلّف للإقدام على الاعتذار عن عدم تأليف الحكومة.

واقع الأمر ان الإعتذار يطرح بدوره مسألة دستورية وسياسية في آن، هي أن الرئيس المكلف يتخلى عن مهمته بالإعتذار لدى رئيس الجمهورية، بعدما كان حاز ثقة الغالبية النيابية التي أهّلته لتأليف الحكومة الجديدة. وهو يصبح إذ ذاك أمام مرجعية واحدة هي رئيس الجمهورية الذي كان قد خسر في إصلاحات اتفاق الطائف إحدى أبرز صلاحياته، عندما ناط به الدستور منفرداً تكليف الشخصية التي يرئتي لتأليف الحكومة من ضمن مواصفات يقرّرها رئيس الجمهورية وتراعي التوازن السياسي، ولا يكتفي بإصدار مرسوم التكليف فحسب. لم تلزمه تلك الصلاحية إجراء استشارات نيابية. مع ذلك اتبع الرؤساء المتعاقبون في مرحلة ما قبل اتفاق الطائف عُرِف إجراء استشارات نيابية غير ملزمة، أصبحت بمرور الوقت آلية ملزمة لرئيس الجمهورية وكذلك نتائجها، وأرغمته على تكليف الشخصية التي تنبثق من إرادة طائفتها أولاً وأخيراً.

كان موضوع الصلاحيات الدستورية لرئيسي الجمهورية والحكومة في صلب اجتماع سليمان بممثّلي المعارضة صباح أمس عندما استفزّوه بمقاربتهم التشكيلة الحكومية على أنها تمسّ ما يرفضونه، وهو صلاحيات رئيس الجمهورية، رغم أن الأخير أصغى إليهم بهدوء، وشدّد على المعايير التي قال بها لتأليف الحكومة، وخصوصاً المصلحة الوطنية.

وبحسب مطّلعين على موقف الرئيس، باتت بين يديه حقيقة غير قابلة للجدل، هي أن التشكيلة المقترحة مرفوضة، وغير قابلة للحياة، لكونها غير قابلة للتفاوض ولا للتنازلات المتبادلة، لا من الرئيس المكلّف ولا من المعارضة. أضف أن رئيس الجمهورية لا يجدها تجسّد حكومة الوحدة الوطنية، ممّا يضع طرفي النزاع ـــــ كما رئيس الجمهورية ـــــ أمام مأزق حقيقي ودقيق يُخشى، في ظلّ تصاعد نبرة المواجهة وتقاذف ردود فعل مذهبية تتصل بالخلاف على تفسير الصلاحيات الدستورية للرئيسين، أن يشقّ طريقه إلى الشارع.

2009-09-09