ارشيف من :أخبار لبنانية

الحريري عرض ما لا يمكن قبوله ويناور لحصر المواجهة مع عون

الحريري عرض ما لا يمكن قبوله ويناور لحصر المواجهة مع عون
ابراهيم الأمين، الاخبار

فجأةً، بدا سعد الحريري أسداً يريد إخافة الجميع من حوله وإفهامهم أنه لا يحتمل المناورة وإضاعة الوقت، وقرر في ليلة ليلاء إعداد صيغة حكومية تناسبه، وقرّر عرضها على المعنيين، فإن قبلوا كان به، وإن لم يقبلوا، فهو لن يتراجع ولن يقبل التعرض للابتزاز. وبين القرار والتنفيذ، كان الحريري قد قرر البعث برسائل إلى من يهمه الأمر في المعارضة بأنه مستعد للمواجهة إذا اقتضى الأمر.

وإذا لم يكن سعد الحريري قد تعلم بعد دروس السياسة في لبنان، فهو يعرف جيداً أن من يريد أن يؤلّف حكومة توافقية لا يمكنه تجاهل مطالب منطقية للفريق الآخر، وعندما يعرض عرضاً يكون قصده الحصول على موافقة، لا على رفض يعرف أنه قائم منذ اللحظة الأولى. لكن الحريري اختار أن يتقدم بتشكيلة يعرف مسبقاً أنها لن تقبل، ويعرف أكثر من ذلك أنه لن يكون بمقدور رئيس الجمهورية ميشال سليمان السير بها، لكن يبدو أنه راهن على ردة فعل من نوع مختلف.

من هو الشيطان الذي ركب التشكيلة؟

منذ الاتفاق على صيغة الـ15ـــــ10ـــــ5 والحديث عن العقبات حصر بالعماد ميشال عون، ثم رأى الحريري أنه أنجز التفاهم المطلوب مع حزب الله وحركة أمل، ورمّم الصورة مع وليد جنبلاط، وأنه يعرف كيف يُرضي الحلفاء في 14 آذار، وما عليه سوى محاصرة العماد عون وكتلته، والوصول إلى صيغة تجعل الأخير خارج الحكومة، لا لتأليف حكومة من دونه، بل لعدم تأليف حكومة من أصله، لأن الحريري يعرف أن حزب الله لن يدخل الحكومة من دون عون، ويعرف أن الرئيس بري لن يدخل الحكومة من دون حزب الله، وتالياً فإن سليمان لن يوقّع مرسوم حكومة تغيب عنها الطائفة الشيعية.

لذلك، فإن من أعطى الأمر من الخارج بهذه التشكيلة، أرفق قراره بنصيحة بشأن آلية التأليف، وبناءً على ذلك، قرر أحد ما عند الحريري أو بقربه أو من خلفه، إعداد صيغة تحقق جملة أهداف في الوقت نفسه:


أولاً: ترضية الرئيس سليمان من خلال تثبيت حضوره في وزارتي الداخلية والدفاع، وإرضاء الجانب الأميركي من خلال تثبيت إلياس المر في وزارة الدفاع، والتفاهم مع الرئيس على الوزراء الثلاثة الآخرين بما يؤدي إلى عدم إغضابه.

ثانياً: ترضية الرئيس بري من خلال تثبيت تمثيله في وزارتَي الخارجية والصحة، وإذا سُرِّب اسم النائب ياسين جابر لوزارة الخارجية، فهو يتناقض مع قرار برّي المعلن، أي فصل النيابة عن الوزارة، وبالتالي يصار إلى استبداله في اللحظة الأخيرة بمن يريده بري في هذا الموقع.

ثالثاً: ترضية حزب الله بإعادة وزارة الطاقة إليه (وهو غير راغب فيها أصلاً) ولن تكون هناك مشكلة إذا استُبدلت وزارة العمل بوزارة الشباب والرياضة التي كانت أصلاً من حصة المعارضة.

رابعاً: إرضاء النائب وليد جنبلاط من خلال إسناد حقيبة الاتصالات الأساسية له، بما يوفر له خط اتصال إضافياً مع المعارضة، باعتبار أن الحريري ينظر إلى الاتصالات على أنها حقيبة سيادية ذات طابع أمني.

خامساً: يُبقي الحريري سيطرته على وزارة المال، ويعود ليمسك مباشرة بوزارة العدل، ويختار لها من هو أكثر التصاقاً بالتيار وحساباته الداخلية والخارجية.
في المقابل، يشتري الحريري المشكلة من خلال:

أولاً: إهمال النائب سليمان فرنجية، فلا يتصل به خلال فترة المشاورات، ثم يختار له اسماً من عنده، ولكي يكون وزير دولة، وذلك للقول إن فرنجية لا يمثّل وضعية تتيح له الحصول على حقيبة، وإذا أرادها فليأخذها من حصة العماد عون.

ثانياً: يسمّي الحريري النائب آغوب بقرادونيان وزيراً، وذلك خلافاً لقرار الطاشناق القاضي بفصل النيابة عن الوزارة أيضاً.

ثالثاً: يصار إلى افتعال المشكلة الأكبر مع العماد عون، فيصار أولاً إلى رفض طلبه أخذ حقيبة سيادية هي الداخلية، كذلك يُرفَض طلبه الضمني بقاء وزارة الاتصالات معه، ثم يصار إلى رفض توزير جبران باسيل، ثم يصار إلى تقديم لائحة أسماء، القصد منها إثارة البلبلة داخل التيار الوطني الحر نفسه.

رابعاً: يُصار إلى افتعال مشكلة شكلية مع "الكتائب" و"القوات اللبنانية" للقول إن الحريري "ساوى بين جميع المسيحيين" من خلال إسناد حقيبة الصناعة إلى "القوات"، الأمر الذي يتطلب ردة فعل قام بها النائب سامي الجميّل الذي رفض أن يكون في الحكومة إلا وزيراً للصناعة، لتنتهي الصيغة بمراضاة القوات بإسناد وزارتي السياحة والشؤون الاجتماعية إليها والصناعة "للكتائب".

إلا أن كل ما تقدم يمكن أن يترك الانطباع الذي يثير حفيظة قوى في المعارضة، لا كل قوى المعارضة. ولم يلتفت الحريري هنا إلى أن قوى المعارضة لا يمكنها، لأسباب مختلفة، أن تقع في مشكلة الآن، وإن قام التباين بين أطرافها، ما أدى إلى الموقف الذي حصل، وبدل أن يجعل الحريري سليمان شريكاً مسؤولاً عن التشكيلة، ترك له أمر إقناع المعارضة، لا التفاوض بشأن مقترحه، والدليل أن وفد المعارضة الذي زار سليمان في المرة الأولى سمع من الرجل تمنياً بأن يفتح له باب الوساطة. وعندما عاد الوفد أمس مع تصور لتوزيع الحقائب، ردّ سليمان بأنه ليس الجهة المعنية، طالباً من المعارضة التوجه إلى الرئيس المكلّف.

وإذ يرفض الحريري طلبات المعارضة، لا يقدم على اعتذار سريع، إلا أنه يقول للجميع من خلال أصوات الآخرين إنه سيُسمّى من جديد. وإذا لزم الأمر، فالعمل على تعبئة الشارع قائم على قدم وساق.


2009-09-10