ارشيف من :أخبار لبنانية

الحريري مهّد لاعتذاره عن التكليف بطرح صيغة حكومة "الامر الواقع" .. لماذا وكيف وماذا بعد؟

الحريري مهّد لاعتذاره عن التكليف بطرح صيغة حكومة "الامر الواقع" .. لماذا وكيف وماذا بعد؟
كتب ابراهيم صالح

اعتذار النائب سعد الحريري عن تأليف الحكومة باعتباره الرئيس المكلف خطوة تستدعي الوقوف عندها ملياً لمعرفة الخلفيات والأهداف، خصوصاً أن هذا الاعتذار أتى بعد تقديمه قبل أيام تشكيلة حكومة "الامر الواقع" لرئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، ومن الواضح أن الرجل ما كان ليقدّم هذه التشكيلة إلا بعد ان استنفذ عامداً متعمداً جملة خطوات ومسالك سياسية ممنهجة سلفاً بدقة اتبعها منذ ان سمته الاكثرية النيابية رئيساً مكلفاً، وكلفه رئيس الجمهورية بهذه المهمة بهدف بلوغ امرين هما:

- الولوج في عملية تضييع الوقت بانتظار تطورات مرتقبة داخلية واقليمية.
- التحلل من تفاهمات سياسية جرت حول الحكومة، ان من حيث الاطار السياسي العام الذي سيحكم عملية تشكيلها (صيغة 15-10-5) او من حيث توزيع الحقائب الوزارية.
وعملية تضييع الوقت بدأت لمن يراقب مسيرة التأليف المستمرة منذ نحو 73 يوماً على النحو الآتي:
- نحو عشرة ايام استغرقتها الاستشارات النيابية الملزمة التي اجراها رئيس الجمهورية ثم الرئيس المكلف بعد تسميته.
- نحو عشرة ايام استغرقتها عملية انتظار نتائج الحوار السعودي - السوري الذي انتهى عملياً الى التوافق على صيغة الـ (15-10- 5) وما استتبعها من تفاهمات غير مرئية على مضمون البيان الوزاري وعلى آلية اتخاذ القرارات ذات الطابع المصيري في مجلس الوزراء.
- نحو الاسبوع استغرقتها عملية الحديث عن "الثلث الضامن" المضمر وما الى ذلك.
- نحو اسبوع توارى فيه الرئيس المكلف عن الانظار بعد ان فجر النائب وليد "قنبلته" السياسية صبيحة يوم 2آب المنصرم والذي وضع (يومها) حداً لعلاقته بفريق 14 آذار، وما تلا ذلك من تدخل السعودية عبر الوزير عبد العزيز الخوجا لإعادة التوازن في داخل هذا الفريق وأخذ التعهدات من جنبلاط بالبقاء الى جانب الحريري حتى عملية التأليف المنتظرة.
- غياب الرئيس المكلف لنحو اسبوع في السعودية مع بداية شهر رمضان المبارك بغية اداء بعض المناسك الدينية (العمرة).
- نحو عشرة ايام اقتضتها الاتصالات التي اجراها الرئيس المكلف مع قوى الاقلية والاكثرية على اختلافها بما فيها لقائه مع العماد ميشال عون في قصر بعبدا والاستدعاء الفجائي من جانب الحريري للأزمة المفتعلة حول اعادة توزير جبران باسيل وحقيبة الاتصالات وما رافقها.
- واخيرا وليس اخرا عملية تقديم تشكيلة "الامر الواقع" لرئيس الجمهورية وما تلاها وما سيتلوها من حراك سياسي يدخل ضمن مسألة الحديث عن اعتذار الحريري عن استكمال مهمته والتي تستهلك بطبيعة الحال مزيداً من الوقت، ولم يعد خافياً على الجميع ان هذه الرحلة الزمنية المضيعة عمداً قد ادخل اليها الرئيس المكلف الفريق السياسي المُتحلق حوله الكثير من "المشاغلات" السياسية والاعلامية من مثل الحديث عن زيارة الحريري الى دمشق ومستقبل العلاقة مع سوريا وشروطها فضلاً عن السجال المفتعل حول انتهاء "صلاحية اتفاق الدوحة" ورفض القبول بصيغة الثلث الضامن وسبل توزيع الحقائب الوزارية السيادية والخدماتية الى ما تخللها ايضا من "اتهامات" غير مبررة للعماد عون "بالتصلب" وتوجيه الاصابع نحو حزب الله لاتهامه بأنه لم يف بتعهد مزعوم اطلقه حول مسألة ممارسة ضغوط على العماد عون بغية ثنيه عن بعض المطالب التي يرفعها وفي اطار حقه المشروع كرئيس اكبر ثاني كتلة نيابية في مجلس النواب، فضلاً عن العودة في بعض الاحيان من قبل رموز في فريق تيار "المستقبل" لا سيما لجهة اتهام حزب الله بتسليح مجموعات ومجموعات في طرابلس.

وفي المحصلة اضطر الحريري وفريقه في الايام الـ73 التي انقضت على تكليفه تأليف الحكومة، في "ابتكار" الافكار ومواد السجال والاشتباك السياسي مع اطراف المعارضة لممارسة "مهمة" تضييع الوقت.

ولقد كان رئيس مجلس النواب نبيه بري من اوائل الذين علموا علم اليقين مؤدى لعبة تضييع الوقت و"اجتراح" الروايات و"القصص" في سبيل التحلل من التعهدات، فكان "صيامه" الشهير عن الكلام منذ بداية شهر اب المنصرم "رد فعل" ضمني احتجاجاً على هذه "اللعبة السياسية" والتي كان آخر حلقاتها وتجلياتها حتى الامس القريب ومسارعة الحريري الى تقديم صيغة حكومة "الامر الواقع" الى رئيس الجمهورية ليفتح صفحة جديدة في كتاب السجال السياسي وتزجية الوقت.

وتتعدد التكهنات والتأويلات حول الدوافع المعلنة والمضمرة لخطوة الحريري، التي انتهت باعتذار الحريري بعد أن كان من المرتقب دخولها في "لعبة المراوحة" مجدداً، فالثابت ان الحريري كان يعي تماماً ان الطريق التي سلكها تفضي الى ولوج باب حل الازمة لا بل تؤدي الى دخولها في فصل جديد من فصول التعقيد، وشحن الاجواء بالمزيد من التناقضات.

ومما يزيد في وضع حلقات الشبهة والريبة حول خطوة الحريري امران سبقاها مباشرة وهما:

- ان ابواب التفاوض والاتصال واللقاء كانت مفتوحة تماماً بين الرئيس المكلف واطياف المعارضة فاجتماعاته مع المعاون السياسي للأمين العام لحزب الله الحاج حسين الخليل لم تتوقف واتصالاته مع الرئيس بري لم تنقطع فيما كانت قنوات التواصل مع التيار الوطني الحر سالكة وهذا يؤكد ان المعارضة كانت تبدي كل تجاوب عملي على الحوار والتواصل.

- ان فريق الحريري السياسي سارع الى اعتبار مطالب قوى المعارضة المشروعة ورغبتها في المشاركة مشاركة حقيقية وفاعلة في حكومة وحدة وطنية، نوعاً من الافتئات على صلاحيات رئيس الحكومة، وعليه بدأت الرموز المحيطة بالحريري، وافتعال معركة "طواحين هواء" في معركة وهمية اسموها معركة الدفاع عن الرئاسة الثالثة وصلاحياتها.

ولقد استعيدت في هذه المعركة الكثير من مصطلحات ومفردات الخطاب السياسي السابق للانتخابات النيابية والذي لجأ اليه فريق الاكثرية، ثم عاد واعلن انه طواه.

وفي كل الاحوال ثمة اكثر من سؤال يرتسم اليوم حول ماذا يريد الحريري من وراء افتعال هذه الازمة السياسية، وبالطبع فإن الاجابات تتعدد وابرزها:

- ان الاكيد ان الرجل يخدم توجهات وحسابات اقليمية ودولية تحظر عليه المضي قدماً في عملية تأليف الحكومة في لبنان في اجواء طبيعية من شأنها ان تبعد الامور الى مجاريها في لبنان وتقطع الطريق امام مزيد من الخضات السياسية.

- لقد بات من حق المعارضة بعد كل ما حصل من ان تقيم على خشية ورييبة فحواها ان الرئيس المكلف، مكلف ايضا بمهمة ايصال الامور الى النقطة الى وصلت اليها في الساعات الماضية، بغية خلط الاوراق على نحو يفضي الى التحلل من الصيغة التي تم الاتفاق عليها لتأليف الحكومة وهي صيغة الـ 15-10-5 وما يندرج ضمنها من تفاهمات باتت معروفة، وبالتالي دفع الامور باتجاه اعادة طرح صيغة جديدة ومثيرة للانقسام والتوتر وتفتح الابواب امام الوان جديدة من الصراع.

- ان لغة التصعيد والتهديد التي تعمد الرئيس المكلف اطلاقها خصوصاً بعد كل لقاء يجريه مع ممثلي اطياف المعارضة تدفع المراقبين الى اطلاق العنان للريب والخشية من امر يحضر له، خصوصاً من هذه اللغة كانت تأتي فيما ابواب الحوار والتواصل بينه وبين المعارضة مفتوحة على مصراعيها.

... نعم ان الرئيس المكلف محاصر بشبهة تضييع الوقت وتبديد اجواء التفاؤل وقطع سبل التواصل، وبالتالي ايصال الامور الى ما وصلت اليه، للتهرب من موجبات التفاهمات الداخلية وغير الداخلية التي انتجت صيغة الاطار السياسي العام لتأليف الحكومة، والذي تمسكت به المعارضة واعتبرته جسراً متيناً للعبور الى مرحلة استقرار سياسي طال انتظارها.. حتى يثبت العكس.
2009-09-10