ارشيف من :أخبار لبنانية
ماذا ينتظر الحريري ـ 2 حتى يربح ما خسره في الجولة الأولى؟
صحيفة "الاخبار" - ابراهيم الأمين
من يتحمّل مسؤولية ما حصل؟
سيسمع اللبنانيون الكثير من التحليلات والاستنتاجات التي تهدف إلى تبادل المسؤولية عن الأسباب التي أدّت إلى عدم قيام حكومة جديدة في لبنان. ولأن المعطيات الصلبة في لبنان ليست مرشحة للتبدّل خلال القريب المنظور، فإن عودة تكليف سعد الحريري تأليف الحكومة ستضعه أمام الواقع نفسه: حكومة الشراكة تتطلب صيغة كالتي كانت، أو تراجعاً نحو الثلاث عشرات. وإن مطالب المعارضة لن تنخفض عن السقف الأدنى الذي سمعه الحريري من ممثلي المعارضة في آخر جلسات التفاوض. وبالتالي، هل يجد الحريري مخرجاً لعناده، أم يُلقي بالكرة في حضن الآخرين، ويبقى الوضع مفتوحاً على أزمات متوالدة إلى حين؟
يشير سياق المفاوضات الأخيرة إلى أن الحريري حظي بغطاء ما من جانب جهات خارجية حثّته على المضي في قراره رغم معرفته بالنتائج مسبقاً، وهو ما أثار استغراب كثيرين، إلى درجة أن وليد جنبلاط أوفد الوزير غازي العريضي للاستماع مباشرة إلى وجهة النظر السعودية، وتولى جنبلاط أيضاً سؤال عواصم أخرى، وما فهمه أن الأمور قابلة للاحتواء، لكن ذلك لم يحصل.
أما رئيس الجمهورية ميشال سليمان الذي بدا متحمساً لأداء دور في اللحظات الأخيرة، فبدا ضعيفاً جداً، إذ قبِل «التنازل عن شكليات» كما قال وأقر للحريري بأن يُلقي في حضنه تشكيلة ويقول له أعطني جواباً خلال يومين، إلا إذا كان شريكاً ضمنياً في هذه التشكيلة على ما يقول معارضون متشككون في موقفه. لكنه عاد وتراجع عن استعداده لتولي دور الوسيط بين الرئيس المكلّف والمعارضة، إذ طلب في اليوم الأول من وفد المعارضة تزويده بمقترحات وتصورات، ثم لمّا جاءه وفد المعارضة بهذه الأجوبة، قال إنه اتصل بالرئيس المكلف وقال له إنه لا يريد أخذ صلاحياته، ثم طلب من المعارضة أن تتوجه مباشرة إلى الرئيس المكلّف لمناقشته في الأمر.
وبدل أن يدخل في نقاش مفصّل مع المعارضة توصلاً إلى صيغة تتيح له أداء دور في إقناع الحريري، اكتفى سليمان بإبداء التفهم لما تطلبه المعارضة، لكنه دعا الوفد إلى مراجعة المطلب المتعلق بمنح كتلة التغيير والإصلاح خمس حقائب، مع أنه قال في موضوع توزير باسيل وإعادة تسليمه حقيبة الاتصالات إنه موافق وإنه مستعد للعمل على تحقيق هذا الأمر. لكنه في لحظة واحدة بلع كل مقترحاته، وأعاد الأمر إلى نقطة البداية، لكنه ربما استفاد من حرص بري وجنبلاط على تحقيق تسوية، بأن أقنع الحريري بترتيب جولة الحوار الأخيرة مع المعارضة، لكن الأخير الذي كان قد قرر مسبقاً عدم التوصل إلى حل، تصرف بطريقة غير محترفة حتى في الشكل، قبل أن يبلّغ وفد المعارضة أنه لا يقبل بطروحاتها أو مقترحاتها لتعديل تشكيلته.
الحريري نفسه، كان قد حرص منذ خمسة أيام على الأقل، على وضع كل من يرى أنهم معنيون بما يجري في أجواء قراره إعداد تشكيلة لا تقف عند خاطر الجميع، وأنه مستعد للاعتذار إذا لم تحظ بموافقة رئيس الجمهورية، لكنه لم يقل يوماً إنه مستعد لتسوية من النوع الذي يسهّل مهمته رئيساً للحكومة. وتبيّن أن موقفه من توزير جبران باسيل، وأخذ وزارة الاتصالات من المعارضة، له أسباب متصلة بملفات كثيرة أمنية واقتصادية ومالية، وخصوصاً أن القريبين منه أشاروا إلى ذلك في معرض توضيحهم سبب عناد الحريري في هذه الثابتة.
وفي المحصلة، يتصرف الحريري كأنه انتصر بالمحافظة على ثبات موقفه، لكن هذه النتيجة غير قابلة للصرف إلّا في سوق التوترات على الأرض، وهو أمر إذا ما حصل فسوف يأتي على كل شيء، وإن قال الحريري إنه لا يهتم بتهديدات الآخرين. أما في حقيقة الأمر، فإن سعد أثبت للجمهور حقيقة ما قاله خصمه اللدود العماد ميشال عون قبل مدة: «لعيون جبران... بلا الحكومة»، كذلك فإن الحريري سبق أن خسر مبدأ فرض توزيع للحقائب والأسماء على القوى الأخرى، وهو أمر لا يمكن تفاديه في المرة المقبلة.
ثم إن الحريري لم يحقق موقعاً متقدماً لنفسه لدى اللبنانيين بقراره هذا، وهو لن يقدر على إقناع الجمهور (بما في ذلك قسم من جمهوره) بأنّ ما قاله عن أسباب الاعتذار منطقي، لأن الجميع يعرفون أن مَن لا يريد الأخذ بشروط التوافق في بلد لعين القواعد كلبنان، يكون أمام خيار من اثنين: إما أنه يستعد للانسحاب وترك الأمور لإدارة فريق آخر، وليس هناك إشارة إلى ذلك، وإما أنه يريد الدخول في مواجهة لفرض وجهة نظره.
وفي هذه الحالة، على ماذا يتكل الحريري؟ هل على تراجع من المعارضة بأكثر مما حصل، أم على انقسام في المعارضة، وتحديداً على ابتعاد الرئيس بري عن ثوابت المعارضة الأساسية، أم هو يستطيع إقناع الرئيس سليمان بإمكان تأليف حكومة من لون واحد، أم هو ينتظر أحداثاً معينة داخلية أو إقليمية أو دولية من شأنها فرض متغيرات على الأرض في لبنان تتيح له أخذ ما لم يأخذه قبلاً؟
من يتحمّل مسؤولية ما حصل؟
سيسمع اللبنانيون الكثير من التحليلات والاستنتاجات التي تهدف إلى تبادل المسؤولية عن الأسباب التي أدّت إلى عدم قيام حكومة جديدة في لبنان. ولأن المعطيات الصلبة في لبنان ليست مرشحة للتبدّل خلال القريب المنظور، فإن عودة تكليف سعد الحريري تأليف الحكومة ستضعه أمام الواقع نفسه: حكومة الشراكة تتطلب صيغة كالتي كانت، أو تراجعاً نحو الثلاث عشرات. وإن مطالب المعارضة لن تنخفض عن السقف الأدنى الذي سمعه الحريري من ممثلي المعارضة في آخر جلسات التفاوض. وبالتالي، هل يجد الحريري مخرجاً لعناده، أم يُلقي بالكرة في حضن الآخرين، ويبقى الوضع مفتوحاً على أزمات متوالدة إلى حين؟
يشير سياق المفاوضات الأخيرة إلى أن الحريري حظي بغطاء ما من جانب جهات خارجية حثّته على المضي في قراره رغم معرفته بالنتائج مسبقاً، وهو ما أثار استغراب كثيرين، إلى درجة أن وليد جنبلاط أوفد الوزير غازي العريضي للاستماع مباشرة إلى وجهة النظر السعودية، وتولى جنبلاط أيضاً سؤال عواصم أخرى، وما فهمه أن الأمور قابلة للاحتواء، لكن ذلك لم يحصل.
أما رئيس الجمهورية ميشال سليمان الذي بدا متحمساً لأداء دور في اللحظات الأخيرة، فبدا ضعيفاً جداً، إذ قبِل «التنازل عن شكليات» كما قال وأقر للحريري بأن يُلقي في حضنه تشكيلة ويقول له أعطني جواباً خلال يومين، إلا إذا كان شريكاً ضمنياً في هذه التشكيلة على ما يقول معارضون متشككون في موقفه. لكنه عاد وتراجع عن استعداده لتولي دور الوسيط بين الرئيس المكلّف والمعارضة، إذ طلب في اليوم الأول من وفد المعارضة تزويده بمقترحات وتصورات، ثم لمّا جاءه وفد المعارضة بهذه الأجوبة، قال إنه اتصل بالرئيس المكلف وقال له إنه لا يريد أخذ صلاحياته، ثم طلب من المعارضة أن تتوجه مباشرة إلى الرئيس المكلّف لمناقشته في الأمر.
وبدل أن يدخل في نقاش مفصّل مع المعارضة توصلاً إلى صيغة تتيح له أداء دور في إقناع الحريري، اكتفى سليمان بإبداء التفهم لما تطلبه المعارضة، لكنه دعا الوفد إلى مراجعة المطلب المتعلق بمنح كتلة التغيير والإصلاح خمس حقائب، مع أنه قال في موضوع توزير باسيل وإعادة تسليمه حقيبة الاتصالات إنه موافق وإنه مستعد للعمل على تحقيق هذا الأمر. لكنه في لحظة واحدة بلع كل مقترحاته، وأعاد الأمر إلى نقطة البداية، لكنه ربما استفاد من حرص بري وجنبلاط على تحقيق تسوية، بأن أقنع الحريري بترتيب جولة الحوار الأخيرة مع المعارضة، لكن الأخير الذي كان قد قرر مسبقاً عدم التوصل إلى حل، تصرف بطريقة غير محترفة حتى في الشكل، قبل أن يبلّغ وفد المعارضة أنه لا يقبل بطروحاتها أو مقترحاتها لتعديل تشكيلته.
الحريري نفسه، كان قد حرص منذ خمسة أيام على الأقل، على وضع كل من يرى أنهم معنيون بما يجري في أجواء قراره إعداد تشكيلة لا تقف عند خاطر الجميع، وأنه مستعد للاعتذار إذا لم تحظ بموافقة رئيس الجمهورية، لكنه لم يقل يوماً إنه مستعد لتسوية من النوع الذي يسهّل مهمته رئيساً للحكومة. وتبيّن أن موقفه من توزير جبران باسيل، وأخذ وزارة الاتصالات من المعارضة، له أسباب متصلة بملفات كثيرة أمنية واقتصادية ومالية، وخصوصاً أن القريبين منه أشاروا إلى ذلك في معرض توضيحهم سبب عناد الحريري في هذه الثابتة.
وفي المحصلة، يتصرف الحريري كأنه انتصر بالمحافظة على ثبات موقفه، لكن هذه النتيجة غير قابلة للصرف إلّا في سوق التوترات على الأرض، وهو أمر إذا ما حصل فسوف يأتي على كل شيء، وإن قال الحريري إنه لا يهتم بتهديدات الآخرين. أما في حقيقة الأمر، فإن سعد أثبت للجمهور حقيقة ما قاله خصمه اللدود العماد ميشال عون قبل مدة: «لعيون جبران... بلا الحكومة»، كذلك فإن الحريري سبق أن خسر مبدأ فرض توزيع للحقائب والأسماء على القوى الأخرى، وهو أمر لا يمكن تفاديه في المرة المقبلة.
ثم إن الحريري لم يحقق موقعاً متقدماً لنفسه لدى اللبنانيين بقراره هذا، وهو لن يقدر على إقناع الجمهور (بما في ذلك قسم من جمهوره) بأنّ ما قاله عن أسباب الاعتذار منطقي، لأن الجميع يعرفون أن مَن لا يريد الأخذ بشروط التوافق في بلد لعين القواعد كلبنان، يكون أمام خيار من اثنين: إما أنه يستعد للانسحاب وترك الأمور لإدارة فريق آخر، وليس هناك إشارة إلى ذلك، وإما أنه يريد الدخول في مواجهة لفرض وجهة نظره.
وفي هذه الحالة، على ماذا يتكل الحريري؟ هل على تراجع من المعارضة بأكثر مما حصل، أم على انقسام في المعارضة، وتحديداً على ابتعاد الرئيس بري عن ثوابت المعارضة الأساسية، أم هو يستطيع إقناع الرئيس سليمان بإمكان تأليف حكومة من لون واحد، أم هو ينتظر أحداثاً معينة داخلية أو إقليمية أو دولية من شأنها فرض متغيرات على الأرض في لبنان تتيح له أخذ ما لم يأخذه قبلاً؟
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018