ارشيف من :أخبار لبنانية
أعوام 11 أيلول الثمانية
استطلاعات نسوية كثيرة جعلت من أسامة بن لادن، " الذكر " العالمي الأكثر إغراء وجاذبية جنسية في فرنسا، مطلع الألفين. سحنته الأميرية، قامته البدوية، تقشف ورجولة المغامر الذي تحدّى الإمبراطورية، تنثر أطاليس " سحره " أبعد من استطلاعات النساء.
فمنذ الحادي عشر من أيلول 2001، يحوز مقتفو آثاره في أجهزة الاستخبارات على إعجاب يفوق مكنون الأحقاد والغضب. " الحقد، يقول المدير السابق للاستخبارات الفرنسية، إيف بونيه، لا يكفي وحده لتعقب طريدة ثمينة كأسامة بن لادن " . كنبات علماء النفس تئن تحت تأويلات لعارض متداول، يحرك العالم كله وليس الإرهاب والنساء والاستخبارات، التي تتقلب بمحرك واحد من ثنائية لا فكاك منها: الإعجاب والكره على السواء.
بعد ثمانية أعوام على عملية الحادي عشر من أيلول. لا استطلاعات، ولكن إحصاء لحصيلة واسعة، ومتابعة لتحولات " القاعدي " النموذجي في أوروبا. لم يعد بونيه " وعالم والاستخبارات يجهل كل شيء عنه كما كانت الحال صبيحة الحادي عشر من أيلول " .
فبعد 14 هجوماً عبر مدريد ولندن واسطنبول وشرم الشيخ والجزائر والرياض وغيرها، وإحباط أكثر من 70 هجوماً كان تعد القاعدة لها، اعتقل ما لا يقل عن 400 " قاعدي" في أوروبا وحدها، أتاحت تصويب الصورة.
وترسم الاستخبارات الغربية اليوم صورة مختلفة للقواعد النائمة في أوروبا " وهي ليست من تهويمات الاستخبارات» يقول إيف بونيه لـ" السفير" .
فمتوسط العمر فيها انخفض من 26 إلى 21 عاماً، والذين قادوا الطائرات الانتحارية إلى جحيم المركز التجاري العالمي، أو البنتاغون، كانوا على صورة الحضرموتي المختفي في وزيرستان، علماً وثقافة وثرة أحياناً، ولا يبعدون تحصيلاً عن توأمه البرجوزاي والطبيب أيمن الظواهري. لكن من خلفهم، تقول الاستخبارات الغربية " حفنة من الأوباش والجانحين" تجعل القاعدة تنظيماً إرهابياً عادياً.
ولكن خبراء القاعدة في أوروبا، يرون مبالغة في التخويف من الخلايا النائمة، التي يشكل التحريض والاشتباه بولاء عشرين مليون مسلم أوروبي، احد أضرارها الجانبية. ولا تنام أكثر الخلايا " نعاساً في أوروبا أكثر من ستة أشهر بعد عودتها من مراكز التدريب في باكستان أو اليمن .
فمن بين عشرين خلية تم رصدها، لم يتجاوز نوم 18 منها الستة أشهر، بعد إيابها من الخارج، ومحاولتها تنفيذ ما عهد إليها من هجمات. أما القول إن القاعدة كامنة تنتظر سنوات، فغير صحيح، وهي على عجلة من أمرها لتوجيه الضربات " لذلك فقد فقدت جزءاً كبيراً من قدرتها التنظيمية " .
وبونيه يقول إن العدد الذي كان يقدر غداة 11 أيلول بألفي مقاتل، إلى تناقض واضح الآن. وتتجه عمليات التجنيد بشكل أكبر من الماضي إلى المغرب العربي، حيث أعادت القاعدة تنظيم صفوفها، وفي مناطق جنوب الصحراء، وعلى حافة الصحراء الموريتانية، وأقامت قواعد خلفية، فرضت على القيادة الوسطى الأميركية إعادة تنظيم قواتها وسلسلة القيادة، لاسيما في القرن الإفريقي وإرسال المزيد من القوات إلى قاعدة جيبوتي الفرنسية.
لكن لا يجب أن نخطئ التحليل ولا الإحصاء. ففي مدينة واحدة من دول الخليج العربي، توجد بيئة قادرة على إخراج أعداد من عناصر "قاعدية" أو مستعدة للالتحاق بتنظيم القاعدة، أكبر بكثير مما يمكن إحصاؤه اليوم في باكستان أو الصومال أو مدينة غير خليجية، كما يجزم خبراء القاعدة.
لكن لماذا لم تتوصل الاستخبارات الغربية حتى الآن إلى القبض على بن لادن؟ أكثر من مرة أعلن عن قتله أو عن قرب القبض عليه، وقد زعمت الاستخبارات الفرنسية العام الماضي أنه قتل أو أنه سيقتل ثم تبين عدم صحة ذلك.
وقد يكون التأخر بسبب ارتباك الاستراتيجية الأميركية. فخلال عهد وزير " الدفاع " الأميركي دونالد رامسفيلد تم نقل المهمة إلى البنتاغون والجيش، لتسهيل غزو أفغانستان.
ولكن منذ عودة الملف إلى الـ" سي آي أيه " ، ، يجري التركيز على توجيه ضربات إلى معقل القاعدة في وزيرستان، وتشن عليها غارتين يومياً كمعدل وسطي، وقد نجحت بقتل عشرة من عشرين قائداً مركزياً للقاعدة.
ولرجل الاستخبارات بونيه مقاربة المستشرق في شرح التأخير في القبض على بن لادن أو القضاء على القاعدة. فلمكافحة القاعدة «لا بدّ من تحديد من ينتمون إلى هذه الشبكة، وهؤلاء شرقيون لا يدخل البناء الهرمي في منظومة تفكيرهم..
هناك عوازل تفصل بين الخلايا لحمايتها ومن يطاردهم لا يحيط بطرائق تفكيرهم. لكن توجد طريقتان لمعرفة من هم وما يفعلون. الأولى هي أساليب التجسس التقليدية القديمة، وهناك الأساليب التكنولوجية الحديثة، ولن أدخل في التفاصيل، لأنها معروضة في كل الصحف، ولا تختصر بالطائرات من دون طيار.
يفضل بونيه ايضا الجاسوسية الحرفية القديمة، موضحاً " برأيي لقد أهملت الاستخبارات الأميركية كثيراً التجسس عبر شبكات العملاء، وهي صفة ملازمة للأميركيين الذين لا يحسنون التجسس عبر العملاء، لكنهم يتفوقون في مجال التجسس التكنولوجي لذلك يعتمدون على ما يحسنون صنعه ويهملون الأساسي " .
أما كيف تصمد القاعدة المحرومة من أي دعم مالي أمام أجهزة الاستخبارات والمطاردة وقد تتابعت خطط تجفيف مصادر تمويلها في أوروبا، من مراقبة التحويلات المالية لبعض جمعيات الإغاثة، أو مطاردة لحسابات المصرفية السرية، فيقول بونيه " هذا هو السؤال الأساسي. حركات الإرهاب تحتاج إلى دعم مالي كبير، العيش تحت الأرض يكلف غالياً خصوصا إذا ما تزاوج مع ضرورة شن عمليات، أي تمويل جيش سري، لذلك فالسؤال الذي يطرح نفسه من أين تأتي الأموال؟.. أعتقد أنه يجب التفتيش في المصارف والجنان المالية، بجدية أكثر مما نفعله اليوم، حيث تتحرك مبالغ ضخمة للقاعدة، ولكني لست مصرفياً، وقد تركت الاستخبارات " .
إن كل هذه الأحداث تحجب عند بونيه " واقعة أساسية" ، الحادي عشر من أيلول، " وهو ما يصدمني، لا يزال في جزء كبير من حقيقته مجهولاً. كان ينبغي إصدار كتاب أبيض محايد، عما جرى، وهذا الكتاب لا يزال ضرورياً، وهناك أسئلة كثيرة لا تزال من دون جواب. وبموضوعية، يمكن القول إن الحادي عشر من أيلول ، كان نقطة انطلاق هائلة لعملية كونية بقرار من الولايات المتحدة كانت لها نتائج عكسية كما تبين اليوم " .
هل يعني ذلك أن الحادي عشر من أيلول خدم مصالح أميركا؟ " يمكن القول إن الولايات المتحدة عملت على استخدام ما جرى في ذلك اليوم، ليس بمقدور أحد أن يدّعي العكس. لماذا الضرب بالمطارق فوراً على رأس أفغانستان؟ لماذا أفغانستان وليس غيرها؟ اعذرني لم يكن هناك أفغاني واحد بين المهاجمين جلهم سعودي، لكن لم تُهِاجم السعودية، نحمد لله، وأنا سعيد لذلك.. لكن هذا الاستعجال، والهستيريا لمهاجمة أفغانستان بدت لي دائماً مشبوهة جداً. وفوق ذلك، فإن اختيار الهدف لم يكن موفقاً، إن أفغانستان هي آخر بلد يجدر التفكير بمهاجمته، حيث لم ينتصر مهاجم ولن ينتصر أبداً " .
" السفير " - محمد بلوط
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018