ارشيف من :أخبار لبنانية
الآثار الدستورية للاعتذار
احمد زين، السفير
يثير اعتذار النائب سعد الحريري عن عدم تشكيل الحكومة عدداً من التساؤلات ذات الطابع الدستوري التي لا يجوز تجاهلها، كونها ترتبط أولاً بالإجابة على تداعيات واقعة الاعتذار التي باتت تحكم الواقع السياسي اليوم. وربما غداً أيضاً، بما انها توضح جملة نصوص دستورية ما زال التعاطي معها يتم بمزاجية وعفوية غير مبررتين.
وأول ما يبرز في هذا المجال التساؤل عما يعنيه تكليف شخص ما تشكيل حكومة من الناحية الدستورية وكيف ينشأ هذا التكليف. وما يجب الوقوف عنده هنا، الإجراء الإلزامي المتمثل بالاستشارات التي يجريها رئيس الجمهورية مع النواب، والتي بنتيجتها يظهر اسم الشخص المكلف. ومن المعروف ان قيام رئيس الجمهورية بهذه الصلاحية الحصرية والإلزامية هو السبيل لممارسة النواب صلاحية حصرية من صلاحياتهم والمتمثلة بتسميتهم للشخص الذي يكلف تشكيل الحكومة.
إلا ان هاتين الصلاحيتين وإن كانتا ملزمتين وحصريتين فممارستهما تقتصر في مفاعيلها على كونها إجراءً من الإجراءات المنشئة للحكومة، وإلزامية إجراؤها محددة للوصول الى ما يؤمن العمل بهذا الإجراء المنشئ فقط. وبهذا المعنى فإن حصول التكليف لا يعني قانوناً أكثر من كونه «تجربة»، إذا ما صح التعبير، لتشكيل حكومة، وبالتالي فاحتمال فشلها او نجاحها يؤخذان بالحسبان. ولهذا فإن استشارات التكليف وإن كانت تلامس مفهوم الانتخاب، باعتبار ان الغاية منها معرفة «الاسم الفائز»، إلا ان هذا الانتخاب يأخذ شكل الاستفتاء لمعرفة من ينال أكثر عدداً، فهو بذلك أقرب الى العمليات الانتخابية وفق أحكام قانون الانتخابات النيابية الحالي.
وظهور اسم الشخص المكلف تشكيل الحكومة وإن كان ينشأ عن أحكام دستورية، إلا انه لا يرتب أي مفاعيل دستورية باستثناء «الإجازة للشخص المكلف» العمل لتشكيل الحكومة. فتصريف الأعمال يبقى منوطاً بالحكومة المستقيلة، وإن كان الدستور «يهب» الشخص المكلف لقب «الرئيس المكلف» فإن ذلك محسوب على أساس اعتبار ان هذا الشخص يكمل مشوار التكليف، فالألقاب الرسمية تنشأ عن صلاحيات قائمة في رئاسة الحكومة التي تحتاج الى صدور مرسوم للقول إن هذا الشخص رئيس او «دولة رئيس» فلا وجود لرئيسي حكومة في وقت واحد بما لا يمكن القول بأن هناك رئيساً وهناك رئيس آخر يمارس الصلاحيات المنوطة بهذه الرئاسة.
واستناداً الى هذه المعطيات يُطرح السؤال التالي: هل ان المفاعيل الدستورية للاستفتاء الانتخابي الذي نشأ بنتيجته اسم الشخص المكلف تشكيل الحكومة تنتهي باعتذار هذا المكلف عن التشكيل؟
من العودة الى الطبيعة الدستورية للآلية التي تنشئ المكلف للتشكيل يمكن الإشارة الى ان هذا النشوء يأتي باختيار النواب الذين من المفترض ان يكون خيارهم مبنياً على قناعتهم بأن الشخص الذي اختاروه قادر على تقديم صيغة حكومية تؤمن «التوافق» مع رئيس الجمهورية حولها. ومن الأهمية بمكان هنا القول إن هذا الاختيار النيابي يقتصر على مهمة تشكيل مثل هذه الصيغة الحكومية ولا تمتد آثاره الى مفاعيل الوكالة العامة، لجهة ان تكون الصيغة المقدمة مقبولة سلفاً من النواب الذين اختاروا المكلف، بدليل الحاجة الإلزامية لأن تنال الحكومة الجديدة الثقة من هؤلاء النواب.
وبهذا المعنى فإن عملية التشكيل ليست مطلقة الصلاحية بيد المكلف، فهي تحتاج لنجاحها الى «ثقتين» لاحقاً: «ثقة» رئيس الجمهورية وثقة الذين سموا المكلف، ومن المفيد الإشارة الى ان الثقة الثانية مفروض ان تمر وجوباً بالثقة الأولى وأن الثقة الأولى مفروض ان تنال الثقة الثانية وجوباً أيضاً لتظهر مفاعيلها الدستورية.
ولذلك فإن اختيار الشخص المكلف يكون لغاية محددة بأمر واحد: المراهنة على القدرة لنيل الثقتين معاً، وبالتالي فإن اعتذار المكلف يعني إعلانه عدم استطاعته التوصل الى تحقيق تلك الغاية او الهدف. وانطلاقاً من هذا يصبح السؤال المزدوج التالي ملحاً: هل إن إعادة استشارات التكليف واجبة لنشوء مكلف جديد؟ وهل في حال إجراء مثل هذه الاستشارات يمكن التسليم بإعادة تكليف الشخص الذي كُلف أولاً واعتذر؟
يثير السؤال الأول واحدة من الصيغ المعتمدة في الممارسات ذات الطبيعة القانونية في حال فشل ما ينتج عن العملية الانتخابية او الاستفتائية من آثار بإبطالها لأي أمر كان، الى تجيير النتيجة للشخص الذي كان قد نال عدد الأصوات الأقرب لمن اعتبر فائزاً وأبطل فوزه، والمجلس الدستوري شرّع هذا المبدأ باللجوء اليه أكثر من مرة حتى بات يعتبر من القواعد العرفية الثابتة التي ترسخت أيضاً بنص في صلب قانون إنشاء هذا المجلس.
ولا يمكن الاعتداد هنا بحجم الأصوات فعندما أبطل فوز مرشح للنيابة بأكثرية زادت عن ثلاثين ألف صوت حل مكانه مرشح لم يتجاوز عدد ما ناله من اصوات العملية الانتخابية ذاتها اصابع اليد الواحدة. ولهذا فإن فشل المكلف تشكيل الحكومة بفعل إعلان اعتذاره عن التكليف يمكن ان يعيد مفاعيل استشارات التكليف الأولى وبالتالي تسمية الأول من بين الآخرين الذين طرحت أسماؤهم في الاستشارات، وبهذا يمكن «توفير» الوقت لتسمية مكلف جديد من دون استشارات تكليف جديدة.
ولكن ماذا إذا لم يأخذ رئيس الجمهورية بعد التشاور مع رئيس المجلس النيابي بهذا العرف الثابت، وقرر إجراء استشارات تكليف جديدة هل يمكن الأخذ بإعادة تكليف من كان مكلفاً؟
استناداً الى الطبيعة الدستورية لمهمة الشخص المكلف التشكيل، يمكن الجزم بعدم صحة إعادة التكليف لمن كان مكلفاً. فالفرقاء المعنيون ما زالوا هم. والشخص المكلف أولاً قدم عصارة ما يمكن ان يفعله بخصوص التشكيل ولم يحصل على «الثقة» الأولى بصرف النظر عن الوقت الذي استغرقه لذلك. فتقديم التصور النهائي يعني ان هذا أقصى ما يمكن له فعله.
فالاعتذار بهذا المعنى ليس موجهاً في آثاره الى رئيس الجمهورية إنما الى النواب الذين أولوه ثقتهم لجهة المراهنة على نجاحه بالتشكيل. ولذلك فإن الاعتذار يجب ان يكون له أثر مزدوج: الأول ان يعيد النواب اختيارهم بتسمية مكلف جديد في حال اعتماد استشارات تكليف جديدة والثاني يعلن الشخص المكلف بعد اعتذاره الاعتذار عن التكليف من جديد. وفي غير ذلك يمكن المراهنة على الإعداد لمشكلات ابعد الله كأسها عن لبنان.
أحمد زين
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018