ارشيف من :أخبار لبنانية
الولايات المتحدة أكبر مساهم في انتشار الأسلحة التقليدية
يبدو الخطاب الغربي، الذي بات ممجوجاً، حول انتشار أسلحة الدمار الشامل وكأنه لا يهدف سوى لتبرير سياسات تدخلية وغزوات عسكرية، وفي الوقت نفسه يعتم على حقيقة الانتشار المريع لأسلحة تقليدية قادرة على إحداث دمار وقتل الآلاف المؤلفة من البشر في دقائق معدودة.
ويشكل انتشار الأسلحة في العالم موضوع اهتمام دائم لكنه اهتمام منصب على أسلحة الدمار الشامل لاسيما النووية منها. وقد استخدم شعار مكافحة هذا الانتشار كذريعة للغزو الأمريكي للعراق في العام 2003 وللعقوبات التي فرضت على إيران من قبل مجلس الأمن الدولي. وإذا كانت الهند وباكستان قد انضمتا منذ مايو/ أيار 1996 إلى أعضاء مجلس الأمن الخمسة و"إسرائيل" كمالكي أسلحة ذرية فهذا لا يمنع من الملاحظة أن حجم المخازن الاستراتيجية النووية في العالم قد تراجع في العشرين سنة الأخيرة. هذا التراجع عوضته الدول الكبرى عن طريق ترساناتها من الأسلحة التقليدية التي يجري تطويرها يوماً بعد يوم.
رغم ذلك لا يشكل انتشار الأسلحة التقليدية مصدر قلق لأحد. وتنمو شركات السلاح بشكل مضطرد كما تتطور قدراتها الإنتاجية بسرعة ملفتة. فقد باعت الشركات المائة الأولى في قائمة الشركات المصدرة للسلاح في العالم ما قيمته 315 مليار دولار من السلاح في العام 2006 أي بزيادة نسبتها 52 في المائة عن العام 1996 (208 مليارات دولار بسعر العام 2006). هذا التزايد رافقه تزايد مواز في مجال الإنفاق العسكري العالمي، نسبته 46 في المائة منذ العام ،1996 والذي وصل إلى 1339 مليار دولار في العام 2007. وما ساهم في صعود هذه الأرقام، ولو جزئياً، هو الارتفاع الكبير في الإنفاق العسكري الأمريكي الذي وصل إلى 59 في المائة، خلال الفترة المذكورة نفسها، في حين أن النسبة لم تتعد 9،7 في المائة بالنسبة لأوروبا الغربية. لقد تقدمت حصة أمريكا الشمالية في هذه الفترة من 41 إلى 45 في المائة من الإنفاق الدفاعي العالمي (596 مليار دولار في مقابل 296 مليار دولار لأوروبا الغربية). وإلى جانب الميزانية العسكرية الروسية التي تشهد تقدماً ملحوظاً فقد ارتفعت ميزانيات آسيا الجنوبية (بنسبة 65 في المائة) والشرق الأوسط (سبعين في المائة) في السنوات العشر الأخيرة.
الميزانية العسكرية الأمريكية وحدها تعادل مجموع ميزانيات الدول الثلاث والعشرين التي تتبعها في لائحة الدول الأكثر إنفاقاً على الدفاع في العالم. هذا التفوق يشرح بدوره أهمية الشركات الأمريكية في مجال تصنيع ونشر الأسلحة: في لائحة الشركات العالمية المائة هناك إحدى وأربعون شركة أمريكية باعت ما قيمته مائتي مليار دولار من السلاح في العام 2007 (63 في المائة من المجموع العام) في مقابل 92 مليار دولار لثلاث وثلاثين شركة أوروبية في هذه اللائحة. وحتى إذا أخذنا عودة روسيا بعين الاعتبار (6،6 مليار دولار) وتقدم منتجي أسلحة جدد، كاليابان والهند و”إسرائيل” وكوريا الجنوبية وسنغافورة، فإننا نلاحظ تمركزاً ملفتاً للطاقات الإنتاجية في الدول الأعضاء في حلف الأطلسي، وفي طليعتها الولايات المتحدة بالطبع.
هذا التمركز أكثر ما يمكن ملاحظته في مجال صناعة الطائرات المقاتلة والتي بيع منها 2822 طائرة في العالم بين العامين 1992 و2006. وبحسب سجلات الأمم المتحدة المتعلقة بانتشار الأسلحة التقليدية أكثر من نصف هذه الطائرات (1518) مصدرها الولايات المتحدة و678 روسيا وأوكرانيا و626 فرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا وإيطاليا والسويد. هذه المبيعات تتجه صوب المناطق الساخنة وفيها تسع دول اشترت نصف هذه الكمية المذكورة تقريباً: تركيا واليونان (382 طائرة) الشرق الأقصى (الهند والصين وتايوان 465 طائرة) والشرق الأوسط (570 طائرة).
ونلاحظ النزعة نفسها في ما يتعلق بالصواريخ. فبحسب منشورات الكونجرس الأمريكي باع المنتجون الأساسيون للصواريخ ما بين العامين 1991 و2006 إلى البلدان النامية أكثر من 26 ألف صاروخ أرض-جو و500 ألف صاروخ أرض-أرض و2700 صاروخ مضاد للسفن. وتحتل الولايات المتحدة الموقع الأول في لائحة المصدرين في هذا المجال تليها روسيا ثم أوروبا الغربية.
إن تحليل المعطيات يبرهن في المحصلة أن انتشار الأسلحة الذي يقض مضجع العالم والذي يجري الحديث عنه بمفردات “ابوكاليبتيكية” مرعبة هو ما يوضع إلى جانبه تعبير “الدمار الشامل” في حين أن ما يجري أمام أعيننا هو انتشار لأسلحة تقليدية على أنواعها من خفيفة ومتوسطة وثقيلة نعرف جميعاً أنها المسؤولة عن القتل والدمار اللذين تعاني منهما البشرية. هذا ولا ننسى الألغام المضادة للأفراد التي تغدر في كل يوم بالمزيد من المدنيين الأبرياء. كما ينبغي أن نتذكر دوماً أنه ليس هناك من بلد يتسلح من دون أن يكون خلفه من يبيعه السلاح، وتجارة السلاح هذه ليست نشاطاً فردياً لكنها مساراً ودورة اقتصادية متعددة الشركاء والمصالح. وفي كثير من الدول بل في معظمها على الإطلاق أضحت شركات تصنيع السلاح تلعب نفوذاً خطيراً في مجال توجيه السياسات الداخلية منها والخارجية، ما حدا بالرئيس الأمريكي الأسبق إيزنهاور إلى التحذير منها في رسالته الوداعية إلى الأمريكيين في 17 فبراير/ شباط 1961 وبمفردات مباشرة فيها من الوضوح ما لا يقبل التفسير أو التأويل.
صحيفة دار "الخليج" - غسان العزي
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018