ارشيف من :أخبار لبنانية

تشكيل حكومة ؟؟؟ ام تقطيع وقت !....

تشكيل حكومة ؟؟؟ ام تقطيع وقت !....

قد تنطلي على السذج البسطاء مواقف تنسب او تعلن مباشرة على السن من " صنعتهم الانتخابات الاخيرة الاكثر  كلفة مالية في تاريخ لبنان  " اكثرية نيابية ، مواقف  فحواها يتلخص في " حفظ الدستور " و احترام الميثاق الوطني " و العمل من اجل " لبنان اولاً " و "مصلحة المواطنيين " و الادهى من ذلك  القول ب " القرار المستقل"  الذي يخادعون الناس به و يخادعون انفسهم قبل الغير ، ثم و من باب الحرص على كل ما ذكر يرفضون  " الانصياع " لاملاءات الاقلية التي تريد  ان " تخرج عن كل القواعد و الاعراف الدستورية " في لبنان ...
 لكن الرجل العادي المتتبع للحدث اللبناني يعرف ان الحقيقة بريئة من هذه الاقوال و الشعارات...و يراها  مواقف لا تعدو الضجيج الاعلامي الذي  يروج  موسم معينة و منها اليوم  موسم تشكيل الحكومة الموسم الذي بدأ بعد تلك " الانتخابات العالمية " منذ نيف و ثلاثة اشهر و التي ليس في الافق ما ينبئ بنهاية قريبة له .

 و نحن هنا لا نناقش هؤلاء في " زعمهم " خاصة و اننا نرى ان  مجرد مناقشتهم فيها نوع من الاستخفاف بعقل المرء و فكره  لان الثابت اليقيني هو تعاكس قولهم مع فعلهم  ، فيقولون بالدستور و يخرقونه ( اربع سنوات حكموا البلاد من غير موازنة ، و " صادروا من  رئيس الجمهورية لسنوات ثلاث الكثير من  صلاحياته ، الخ .... )  يقولون بالطائف و يسقطون الاساسيات فيه (العيش المشترك الذي يحفظ الطوائف ، و المواجهة مع اسرائيل بشتى السبل ، و العلاقات المميزة مع سوريا ) يقولون بمصلحة المواطن و هم الذي افقروه و جوعوه و راكموا عليه 55 مليار دولار من الديون ، يقولون بالوحدة الوطنية و يعملون في سبيل التفرقة المذهبية و الطائفية ...ثوابت سلوكهم تنقض ارتفاع  صراخهم و زعمهم ، و الان يستأنفون  "المعركة" التي يديرونها تحت تسمية "تشكيل الحكومة" بعد ان سوفوا لاكثر من عشرة اسابيع ماضية في تنفيذ المهمة و نسأل : هل  هم جادون الان في تشكيل حكومة "و باسرع وقت " و في 48 ساعة على ابعد تقدير؟ كما يقولون ؟؟
في البدء يجب ان نعود الى الاصول التي تحدد اسس تشكيل الحكومات  في لبنان ، و نبدأ بالاصل الاول فيها " البند ي من الدستور : " لا شرعية لاي سلطة تناقض العيش المشترك "  و نفسره  في  التفصيل المحدد وضوحاً  في المادة 95 من الدستور " ... تمثل الطوائف بصورة عادلة في تشكيل الوزارة ..." فالسطة في لبنان بحسب الدستور و الطائف  هي نتاج العدل في تمثيل الطوائف و ليس انعكاس لاكثرية جماعية  صماء . و انني ارى ان مجرد استعمال تعبير "الاكثرية النيابية"  قبل ان تصفى الطائفية السياسية  تطبيقا لاتفاق الطائف ، وقبل ان  يرسى العمل على اساس الديمقراطية الشعبية العددية ، ان مجرد استعمال هذا التعبير فيه تجاوز  للدستور في المرحلة الانتقالية التي نص عليها و نحن لا زلنا فيها الان ..

اقول ذلك لانه في النظام القائم حاليا و المطبق "انتقالياً لا يوجد و للأسف  "شعب لبناني" معترف به كشعب مؤلف من افراد متساوي الحقوق و الواجبات  ليفرز اكثرية تحكم ، بل يوجد طوائف لبنانية تمثلها اكثرياتها او زعماؤها او امراؤها الخ....يتوافقون هلى تقاسم االمناصب "بالعدل و القسطاس " ،  و ما يسمى الان "اكثرية لا تعكس اكثرية ميثاقية دستورية  لان اكثريات طائفتين اساسييتين موجودتان خارجها  (الشيعة و الموارنة ) ، و هي بالتالي لا تملك وفقا للدستور الحق بامتلاك  القرار في لبنان من غير مشاركة من يسمى "اقلية " و اكرر ان تسمية اقلية و اكثرية لا تستقيم مع واقع لبنان و لاتصرف في السلوك السياسي فيه و لنتذكر ان من ادخل هذه العبارات و يصر عليه هو نفسه من ادخل لبنان في ازمته المتادية منذ القرار البدعة القرار 1559 .

لقد اصطنع منظم القرار 1559 "الاكثرية و تسميتها " لانه يريدها لمهمة تناسبه و هي اليوم و كما يبدو من سلوكها . لا تملك قرارها ، بل تلتزم مهمة تحدد لها ظرفياً حسب تطور عمليات المخطط الاساسي في الشرق الاوسط ..  لهذا لا يمكن التنبؤ بما ستقوم به هذه " الاكثرية " من خلال متابعة اقوالها او معاينة افعالها ، بل ان معرفة المهمة المستقبلية لها تفرض مراقبة المسرح الاستراتيجي  العام للمنطقة و كيف تتم ادارته . لهذا نرى ان  المهمة اليوم التي تضطلع بها هذه الجماعة كما يبدو هي التسويف في تشكيل الحكومة التي لا بد ان يدخلها حزب الله رغم الفيتو الاميركي ، و لابد ان يمتلك فيها العماد ميشال عون حليف حزب الله معظم النواب الموارنة ، يؤخرون هذا التشكيل لان فيه خسارة اميركية للورقة اللبنان ،خسارة  لن تقبل بها اميركا بهذه البساطة و السرعة و هي على عتبة معالجة مسائل شائكة تواجهها في المنطقة لهذا تقوم هذه الفئة  بتقطيع الوقت و كسبه لمصلحة اميركا التي تحتاج لمهل اضافية حتى تتبين مصير الملفات الاقليمية الكبرى التالية :

- الملف النووي الايراني ، و هي بحاجة للورقة اللبنانية للضغط في المفاوضات التي حدد موعدها في مطلع تشرين الاول المقبل .

- الوضع العراقي و هي بحاجة للورقة اللبنانية حتى لا يشكل تركها او التراجع فيها الان سابقة تحتذى في العراق الذي يتأهب لانتخاباته النيابية في كانون الثاني المقبل .

- الوضع الفلسطيني و اعادة تكوين "السلطة " في الاشهر المقبلة ، و هي بحاجة للورقة اللبنانية للالهاء عما تصيغه هناك من تهميش لحماس و استئثار لعباس حتى يتمكن من العودة القوية الى موقعه بما يمكنه من التنازل عما تبقى في يده لمصلحة اسرائيل، على طريق تصفية القضية الفسلطينية  .

- و تبقى العلاقة مع سوريا التي لم تتجه كما خططت لها اميركا و منت النفس بان توقعها  طريدة دسمة في اليد الاميركية و ان  تسلم اوراقها لاوباما بمجرد نطقه بكلمات  و وعود معسولة او ارساله لبعض الوفود او حتى اعادة السفير .

اميركا عادت و لمست الحاجة الملحة للبنان  بعد  ان انتصبت امامها مجددا السدود التي تمنعها من تحقيق اي نصر لها في المنطقة ، و اذاكانت في العام 2004 خططت للقرار 1559 ليدخلها الى لبنان و تستفرد بقراره اعتبارا من العام 2005 ، فان المتغيرات السياسية و الميدانية التي حصلت بعد ذلك اكدت لاميركا رغم " اصطناعها لاكثرية نيابية " في لبنان انه من المستحيل ان تستمر كما كانت في السنوات الماضية . و هي تناور اليوم في هذا "البلد - الرهينة " مناورة تأخيرية بقصد كسب الوقت لحل الملفات التي ذكرت قبل ان تضطر الى التراجع في لبنان .

على ضوء ذلك نقول ان التكليف الثاني للحريري هو جزء من لعبة تقطيع الوقت ، فهو لا يعلم متى سيسمح له بتشكيل الحكومة ، كما انه لا يعلم اذا كان هو فعلاً من سيشكل هذا الحكومة . اذ من يصدق او من يستطيع ان يفسر انه اعتذر مع علمه بانه سيعاد  تكليفه اليس في هذا هرطقة منطقية قبل ان تكون هرطقة دستورية ؟ و التفسير الوحيد للاعتذار و التكليف الجديد هو هدر الوقت  كما فعل في التكليف الاول الذي قطعه بالسفر و الاعتكاف ،ثم  هل  يظن  بانه مع التكليف الجديد  سيستطيع تشكيل حكومة من غير المعارضة و فيها الاكثريتان الشيعية و و المارونية  وهو يعلم ان  في ذلك مخالفة دستورية يقينية لن يقدم عليها رئيس الجمهورية ابداً و " و السما زرقا " ؟؟!!!  ام انه  يظن ان المعارضة من الضعف او التراخي بحيث تقبل تهميشها او تجاوزها و و خرق الدستور  بجعل "اكثريتين طائفيتين" خاراج القرار الوطني   في سلطة" يتربع هو على عرشها"  ؟ 

و من جهة اخرى هل من عاقل يصدق بان رجل يريد انجاز مهمة كلف بها يضع بنفسه العراقيل لمنع تنفيذها او لفشله فيها ؟ اذ كيف نفسر خطاب التحدي و التصعيد ضد من يحتاجهم هذا الشخص لتشكيل حكومته ؟ تصعيد افقده دعم و تسمية 14 نائباً  على الاقل .

لذلك نرى و بكل موضوعية ان المهمة التي يتولاها من كلف و سيكلف بتشكيل الحكومة هي كسب وقت اضافي لجهات دولية ،على حساب لبنان و امنه و مصالحه ، و لا نعتقد ان " المكلف " طليق اليد في مهمة تشكيل الحكومة رغم بانه مستميت في ذلك لاسباب شخصية على الاقل ليصبح " دولة الرئيس" التي بدأ يستعمل لقبها و عبارتها من غير وجهة حق قبل صدور المرسوم بها .

انه قدر لبنان ان يكون ورقة في لعبة الامم ، و ان تجد تلك الامم اشخاص تمكنها من رقبة وطنهم.

العميد الدكتور امين محمد حطيط

2009-09-17