ارشيف من :أخبار لبنانية

بلد يقرأ... بلد يعيش....

بلد يقرأ... بلد يعيش....
كتبت رنا جوني
على الرصيف قرب مهنية النبطية تستوقفك لافتة معلقة على سيارة كتب عليها اي كتاب بـ500 ليرة، وبمحاذاة السيارة على الرصيف ترى الكتب تفترشه: السلام المفقود، لعبة وطن، سجل الايام، كفاحي، كوبرا وغيرها، فيما صاحب البسطة محمد ضاهر يجلس تحت خيمة صغيرة تحميه من اشعة الشمس يتأمل تارة الكتب وطورا المارة وهو يرتشف القهوة وبيده سيجارة لا تفارقه.
تتفاجأ وتضحك في سريرة ذاتك ويساورك تساؤل: ألهذا الحد انحدر سعر الكتاب برغم المعلومات القيمة التي يحويها؟ اي زمن هذا الذي نعيشه؟ هل يعقل ان تتمكن من شراء كتاب بخمسمئة ليرة؟
بلد يقرأ... بلد يعيش.... "نعم ـ يقولها محمد ضاهر ابن الاربعين ربيعا من بلدة عربصاليم/  اقليم التفاح الذي يمضي اكثر من 11 ساعة على بسطته ـ  لانني  اسعى لنشر الثقافة بين الناس، لان لبنان عامة والجنوب خاصة بحاجة للثقافة التي لا حدود لها، وفي ظل الوضع الاقتصادي المتردي تراجع الاقبال على شراء الكتاب من هنا انطلقت، فالسعر الذي اضعه لعب دورا كبيرا في استقطاب المارة".
 يضيف بدون تردد: "الكتاب الذي أبيعه بـ500 ليرة في مكتبتي المتجولة لا يقل سعره عن 3 دولارات في المكتبات، اذا تجولت في بسطة الرصيف  تجد اكثر من 3000 عنوان منها الادبي والاجتماعي والشعر والسياسي، العلمي والتاريخي الى الطبي والفكاهة، فهناك كتب شمعون وجنبلاط، ميسوني وغارودي وغيرها، اضافة الى نوادر الكتب والكتب الممنوع بيعها، ولا تعرض بأي معرض لانها تصادر على الفور". 
ويتابع: "مكتبة الرصيف لا تقل اهمية عن باقي المكتبات بل احياناً تجد كتابا ربما لا يمكنك الحصول عليه في اي مكان".
"محمد ضاهر صاحب المكتبة الجوالة لا ينافسه اي بائع كتب في لبنان" هكذا ينطلق بالحديث الذي تغلب عليه الثقافة المتقنة التي شربها من صغره، فهو قرأ كل عناوين الكتب التي جمعها. يقول: "انا احببت مصلحتي ولانني اسعى لتحفيز الناس على القراءة غالبا ما اقدم الكتاب مجانا".
ترعرع ضاهر في كنف الكتاب، عشق المطالعة وجمع ثقافة عالية فكان يجمع الكتب من على ارصفة الطرقات، حيث جمع ما يقارب 16 الف كتاب في مكتبته الخاصة وجميعها من الكتب النادرة وذات الطبعة الاولى، وهنا يقول: "كثيرون طلبوا شراء مكتبتي الخاصة وخاصة الخليجيين، لكنني رفضت لان مكتبتي للبنان فقط".
درس الحقوق لكنه لم يكملها لانه عشق بيع الكتب على ارصفة الطرقات، اقام العديد من المعارض في كل من الشويفات وشتورا وسعدنايل وامام الجامعة اللبنانية في صيدا واليوم في النبطية، له 170 كتاباً منها: ماذا حدث من عام 1500 الى 2008، كيف تربح الدولارات، وبحسب ضاهر هو على نسق برنامج من سيربح المليون كتاب معلومات عامة. ويقول بفخر: لقد لاقى الكتاب رواجا كبيرا بين الناس ذلك لانها تسعى للربح وقد سرق العنوان فضول الناس فيما الهدف هو حثهم على تغذية العقل وصقله بالمعلومات بعد ان تحولت الناس الى غذاء الجسد وابتعدت عن غذاء الروح، اضافة إلى كتاب 555 نكتة والف حزورة وحزورة وغيرها.
بلد يقرأ... بلد يعيش.... يعتبر ضاهر ان معارض الكتب غالبا ما تكون للبرجوازيين فيما المواطن  الفقير الذي يهوى المطالعة يأتي الى هنا، وهو لذلك يتباهى ببسطته التي تحوى مختلف انواع الكتب وتلبي طموحات الكثيرين وخاصة طلاب الجامعات. ويقول: "انني اتمكن من تأمين اي كتاب يطلب مني بنسبة 70 بالمئة، اكثر من 300 شخص يقصدونني يوميا لان هناك اناساً بحاجة للكتاب وتهوى المطالعة، ويلعب السعر دورا كبيرا لذا تراني مقصد الجميع. ولا اطمح لجمع المال".
وبنظره الثقافة توازي المجتمع، ويقول: "حاولت الاشتراك ببرنامج من سيربح المليون، انا املك القدرة على الاجابة  عن كل سؤال يطرحه عليّ جورج قرداحي، ولكن لم يحالفني الحظ، فالكمبيوتر لم يختر اسمي".
وعن المستقبل يقول: "اليوم اطمح لتوسيع مكتبتي وانشر الكتب على ارصفة لبنان كافة، وانا اصر على البقاء على الرصيف لان الاقبال عليه اكثر بكثر من المكتبات والمعارض، فشهرتي اتت من الرصيف".
في زمن العولمة الثقافية التي غزت عقول الشباب بثقافة عابرة ومحدودة تكون العودة الى الكتاب افضل لحماية الثقافة وصقل العقول والرقي بالمجتمع نحو التطور، فمهما كان الانترنت يؤمن معلومات فلا مهرب من الكتاب الكنز الدفين الذي سيأتي يوما وتقدر قيمته،  ولننطلق من شعار "لنقرأ من كتاب واحد، وبلد يقرأ اذاً هو بلد يعيش".
الانتقاد/ العدد1300 ـ 19 أيلول/ سبتمبر 2008
2008-09-19