ارشيف من :أخبار لبنانية

المستوطنون أقوى من نتنياهو وأوباما أضعف من الجانبين

المستوطنون أقوى من نتنياهو وأوباما أضعف من الجانبين

"الخليج" - عصام نعمان
 

يحار المرء في تفسير ضعف أمريكا حيال “إسرائيل”. هل يعقل أن تكون كبرى دول العالم وأقوى قوة في التاريخ المعاصر أضعف من طفلتها المدللة وربيتها المفضلة؟


يقول بعضهم : نعم، إنها أضعف بملء إرادتها. ذلك أن ثقافتها العامة وتقاليدها الانتخابية وسلوكية زعمائها جعلت من “إسرائيل” على مدى عقود من الزمن طفلة مغناج تستدر العواطف ولواعج الحنان.


يسخر بضعهم الآخر من هذا التفسير. يقول إن لا عواطف في السياسة بل مصالح. ف”إسرائيل” في تركيبة موازين القوى والمصالح الإقليمية حاجة استراتيجية لأمريكا خصوصاً ولدول الغرب عموماً. بين أمريكا و”إسرائيل”، اذاً، علاقات قوى ومصالح لا مجرد عواطف ومشاعر.


الحقيقة الراجحة هي التفسيران معاً. فالعاطفة كما المصلحة مكوّنان أساسيان، ولو بدرجات متفاوتة، في سياسة أمريكا تجاه “إسرائيل”. درجة التفاوت بين هذين العاملين تقرره طبيعة القضايا المطروحة في الزمان والمكان.


قد يقول قائل : لكن أمريكا في معظم القضايا والظروف، إن لم يكن في كلها، كانت وما زالت مع “إسرائيل”.


هذه ملاحظة صحيحة تجد تفسيرها في حال العرب وسلوكيتهم أكثر مما تجده في حال “إسرائيل” واليهودية العالمية. فالعرب، مذّ التماس الأول مع أمريكا سياسةً وسياسيين في النصف الأول من القرن الماضي وصولاً إلى الحاضر، كانوا وما زالوا في موقف المتلقي والمتأثر والتابع لأمريكا الأمر الذي حال دون أن تضعهم في حسبانها وان تقيم لهم كبيرَ وزنٍ في حساباتها الإقليمية والدولية. ذلك ان العالم لا يحترم إلاّ الدول والجماعات والأشخاص القادرين على ان يضرّوا وان ينفعوا. والحال ان العرب كانوا وما زالوا غالباً في حال مجانبة الإضرار بأمريكا حتى عندما يكونون على حق وفي مقدورهم ان يُلحِقوا الضرر بها. فهل ينتظرون من أمريكا حَسَنةً لا ترى انها مكلّفة بإسدائها؟


من المنطقي ألاّ يحاول العرب الإضرار بأمريكا بقصد الضغط عليها عندما كانت قوية ونافذة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. لكن، ما بالهم يفوتون على أنفسهم الفرصة بعد أن ضعفت أمريكا كثيرا بسبب تعثر حربها في العراق وحربها في أفغانستان وعصفت بها الأزمة المالية والاقتصادية العالمية؟ ألا يدركون أن باراك اوباما ما كان لينتخب رئيساً للولايات المتحدة لولا انه رفع شعار التغيير وتعهد بإنقاذها من التراجع والفساد والفوضى التي عانتها تحت إدارة جورج دبليو بوش وما زالت تعاني من ذيولها؟ أليس من أجل انتشال أمريكا من شرور حربها على الإرهاب التي تحوّلت حرباً على الإسلام والمسلمين أطلق أوباما مبادرته التصالحية من القاهرة مطلعَ يونيو/حزيران الماضي؟ أليس من اجل مجابهة ما يسمى الخطر المشع من ايران على الغرب أطلق اوباما مبادرته السلمية تجاه الفلسطينيين والعرب املاً بإيجاد تسوية مقبولة لقضية فلسطين؟


بدلاً من أن يغتنم العرب فرصة حاجة أمريكا إليهم فيوظفوا قدراتهم ويكيفّوا سياساتهم على نحوٍ يُشعرها بحاجتها الضاغطة إليهم كي تضغط بدورها على “إسرائيل” من اجل استجابة مطالب الفلسطينيين المحقة، نرى بعضهم وقد بادر إلى نصرة أمريكا ضد إيران من دون مقابل، وبعضهم الآخر وقد بادر إلى التلويح باستعداده للتطبيع مع “إسرائيل” حتى قبل أن تلتزم هذه وقف الاستيطان في القدس والضفة الغربية.


العرب عموما لم يساعدوا أنفسهم ولم يساعدوا أوباما، ولو بصورة غير مباشرة، في مساعيه الهادفة إلى الضغط على “إسرائيل” لتنفيذ ما سبق وتعهدت به حيال “خريطة الطريق” في ظل حكومة شارون. صحيح أن تداعيات الأزمة المالية والاقتصادية، وتعثّر الحرب في العراق والحرب في أفغانستان، ونفوذ اللوبي اليهودي داخل أمريكا قد أسهمت في الحدِّ من قدرة اوباما على زحزحة “إسرائيل” عن مواقفها المتصلبة، لكن يبقى أن العرب امتنعوا مختارين عن الضغط على أمريكا كي تضعهم في حسبانها، بل هم استعاضوا عن ممارسة هذا الخيار المتاح بالانصراف الى مماحكة بعضهم بعضاً في فلسطين والعراق ولبنان.


كل هذه العوامل والأسباب أفرزت مشهداً إقليمياً عجيباً أصبح معه مستوطنون في الضفة الغربية أقوى من نتنياهو، وأصبح اوباما أضعف سياسياً من الاثنين. ذلك أن منظمات الاستيطان لجأت إلى أسلوب جديد للرد على ضغوط تمارسها أمريكا عبر مبعوثها إلى الشرق الأوسط جورج ميتشل، وللرد ايضاً على الضغوط البسيطة التي تمارسها حكومة نتنياهو ضدها. فالمستوطنون يهاجمون ليلا مزارع الفلسطينيين ويقطعون أشجارها ويحرقونها، ويهاجمون المزارعين الفلسطينيين ويطلقون عليهم النار ليمنعوهم من العناية بأرزاقهم، ويقومون بإعادة المنشآت التي تكون الشرطة “الإسرائيلية” قد فككتها في المستوطنات العشوائية، بل يستحدثون بؤراً استيطانية جديدة برضا السلطات “الإسرائيلية” أو بالرغم منها. وآخر مبتكراتهم في هذا المجال لجوؤهم إلى المحكمة العليا في “إسرائيل” مطالبين بهدم بيوت فلسطينية في الضفة بدعوى انها غير مرخصة، يربو عددها على عدة الآف في مقابل تفكيك منشآت البؤر الاستيطانية العشوائية.


ترسمل نتنياهو على حملة المنظمات الاستيطانية ضد تجميد الاستيطان، وقرر السماح باستمرار البناء في 2500 وحدة سكنية في الضفة الغربية وصادق على بناء 450 وحدة أخرى كما على إطلاق البناء في منشآت المرافق العامة. فوق ذلك، تمسك بموقفه القائل إن القدس ليست مستوطنة ولا سبيل تالياً إلى تعليق البناء فيها. أما تعليق الاستيطان خارج القدس طيلة فترة المفاوضات مع الفلسطينيين فقد رفض أن يكون لمدة سنة، كما طلب اوباما، ولوّح بالموافقة على مدة ستة أشهر فقط.


تصلّبُ نتنياهو يحرج اوباما ومحمود عباس معاً. فالرئيس الأمريكي كان يأمل بأن يوافق رئيس الحكومة “الإسرائيلي” على تجميد الاستيطان في القدس والضفة ليصبح في وسع عباس أن يشارك في قمة ثلاثية أمريكية “إسرائيلية” فلسطينية على هامش انعقاد الجمعية العمومية للأمم المتحدة في نيويورك أواخر الشهر الجاري. لذلك سيحاول أوباما معاودة الضغط على نتنياهو ليتراجع عن تصلبه، وإذا اخفق فسيتجه مبعوثه ميتشل إلى عباس مجدداً ليقنعه بفوائد حضور القمة حتى لو لم يتراجع نتنياهو عن موقفه.


لإغراء عباس بالحضور قد يعرض اوباما، عبر ميتشل، اقتراحين عمليين: الأول، إعلان رئاسي أمريكي يؤكد اعتراف الولايات المتحدة بدولة فلسطينية على خطوط الرابع من يونيو/حزيران 1967. والثاني، وضع قضايا الحل النهائي في مقدمة جدول أعمال المفاوضات المقبلة بين الطرفين الفلسطيني و”الإسرائيلي” ليصار إلى التفاوض على أساسها، ومنها قضايا القدس والأرض والحدود والاستيطان والمياه واللاجئون والأمن.


قد يصعب على الفلسطينيين المشاركة في القمة الثلاثية ما لم يصدر عن حكومة “إسرائيل” قرار صريح بتجميد الاستيطان في القدس والضفة. فهل يتحمّل اوباما، وسط متاعبه الداخلية والخارجية، انهيار مبادرته السلمية في الشرق الأوسط وباكورة انفتاحه على عالم الإسلام؟


آن الأوان كي يتحلّى اوباما ببعض الشجاعة ليقدّم مصالح بلاده على مشاعر أعضاء الكونجرس الموالين ل”إسرائيل”، فيلوّح لقادة الكيان الصهيوني، بما هو صنيعة أمريكا وطفلها المدلل، بتجميد قسم من مبلغ المليارات الثلاثة من الدولارات التي تمنحها واشنطن سنويا ل”إسرائيل”، وبالامتناع عن الدفاع عنها في مجلس الأمن الدولي بعد صدور تقرير “مهمة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق حول حرب غزة” الذي يتهمها بارتكاب انتهاكات خطيرة لقوانين حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني ترقى إلى جرائم حرب وربما إلى جرائم ضد الإنسانية، والذي يدعو مجلس الأمن إلى إحالتها على المحكمة الجنائية الدولية إذا لم تقم خلال مهلة أقصاها ستة أشهر بإجراء تحقيقات ذات صدقية في إشراف خبراء دوليين.


رئيس أمريكا يستطيع، إذا أراد، ان يضرّ وان ينفع.
 

2009-09-19