ارشيف من :أخبار لبنانية
عيد الفطر في لبنان
مراجيح العيد في صور : ملاهي الفقراء القادمة من الزمن الجميل

غنوة ملحم
تعتبر صور في تاريخها الحديث ومنذ مطلع القرن الماضي مدينة الفقراء والصيادين والعمال الكادحين ، وكانت قديماً وكما هو معروف عبارة عن الحارة القديمة التي تقع وسط المدينة, اما حي الرمل فيها فهو حي حديث نسبياً يرجع تاريخه الى بداية الستينات، وكانت الحارة القديمة ذات البيوت المبنية بالحجر الرملي هي حارة الفقراء بحق الذين شكلوا الغالبية العظمى من سكانها مع بعض الميسورين ومتوسطي الحال .
وكان هؤلاء الفقراء يمضون نهاراتهم واجزاء من ليلهم في العمل الدؤوب لسد رمقهم ورمق عيالهم وهذا كان حالهم معظم ايام السنة، حتى اذا ما جاء عيد الفطر او عيد الاضحى احتاروا بما يفرحون اولادهم بمقدم العيد فالامكانات منعدمة ووسائل ادخال البهجة الى قلوب الاطفال قليلة ، فكانت مرجوحة العيد .
فكرة "مرجوحة" العيد
يحدثنا صوري عتيق من فقراء هذه الحارة الكبيرة بناسها, ان فكرة مرجوحة العيد بدأت بمبادرات فردية من بعض سكان الحارة خصوصاً اولئك الذين كانوا يقطنون دوراً فيها باحة واسعة فكان الشخص من هؤلاء ينصب مرجوحة حديدية في باحة منزله ويقصده جيرانه واطفالهم للعب والاستمتاع بالمرجوحة طيلة ايام العيد، وكانت هذه المراجيح تبقى منصوبة في البيوت على مدار السنة الا ان الاقبال عليها لم يكن كثيفاً الا في ايام العيد .
ويتابع محدثنا: "مع تقدم الايام لم تعد المراجيح الفردية المتواجدة هنا وهناك في بيوت الحارة تلبي الحاجة فكان ان انتقلت كل هذه المراجيح اوائل الخمسينات الى تلة العيد" .
و تلة العيد هذه كما كانت تعرف في صور هي تلة كبيرة من الرمال كانت قائمة في المنطقة التي تقوم عليها اليوم تكميلية صور الرسمية الاولى ومنها شرقاً الى العقار الذي يقوم عليه اليوم مبنى كشافة الجراح وما بينهما من مساحة رملية، وقد اعتاد الصوريون على نصب المراجيح هناك ايام عيدي الفطر والاضحى وكان الناس يقصدون تلة العيد قادمين من الحارة واصبح جو العيد اكثر فرحاً خصوصاً بالنسبة للاطفال مع تجمعهم في مكان واحد وتنوع المراجيح والالعاب ، ومن هذه التلة ايضاً كان يضرب مدفع الافطار ايام رمضان .
وما ان اطلت الستينات حتى تملكت المديرية العامة للاثار قطعة من التلة واجرت فيها الحفريات فكانت المنطقة الاثرية التي يوجد على طرفها بناء نبع صور الشهير فزالت تلة العيد وانتقلت المراجيح مع اصحابها الى مكان جديد .
الى قطعة ارض رملية خالية تقع بمحاذاة سينما الحمرا انتقل كرنفال العيد الصوري المتواضع وبقي الصوريون على عادتهم في الاحتفال بالعيدين في هذه الرقعة من الارض حتى يومنا هذا وإن شهد الاقبال عليها تراجعاً كبيراً بعد دخول مدن الملاهي العملاقة على الخط بينما لم تتبدل مراجيح العيد الصورية العتيقة بالنسبة للفقراء , فتبدو اليوم للناظر اليها وكأنها قد جاءت من ذاك الزمن الجميل البسيط والنقي في انسانه وفي حياته .
هي قطعة ارض صغيرة نسبياً بمساحتها جمعت بين ذراعيها افراح واحلام اجيال من الصوريين توالت عليها تحتفل بالعيد ، فعرفها الناس بإسم " العيد " .
اجواء البساطة والسرور تخيم على" العيد"
قبل يومين من قدوم العيد كان اصحاب المراجيح يخرجون مراجيحهم من مستودعاتها ويجرون عليها الصيانة اللازمة ثم ينقلونها الى " العيد " وينصبوها في امكنتها المحددة بإنتظار اليوم الموعود. وبقدوم العيد توافد الصوريون مصطحبين اطفالهم الى المراجيح ليحتفلوا هناك بالعيد في جو من الصفاء والسرور والبساطة لم تعد تعرفه ايامنا الحالية كثيرا .
والمراجيح الصورية انواع مختلفة يعرف الصوريون كل منها بإسم مميز فهناك " المرجوحة " وهي التقليدية التي تتألف من مقعدين متقابلين يتسع كل مقعد لثلاثة اطفال ويدفعها صاحبها يميناً وشمالاً، وهناك " السرير" وهو مرجوحة تتألف من مقعد واحد مستطيل الشكل ذو ارض خشبية يقف احد الفتية بداخله ويدفع به بحركات متناسقة من جسده فيتأرجح السرير ذهاباً وإياباً وكان الفتية يتبارون فيمن يستطيع الارتقاء اعلى بالسرير، وهناك ايضاً الدويخة" وهي عبارة عن حلقة معدنية كبيرة مستديرة الشكل على اطرافها مقاعد يتسع كل منها لطفل واحد فقط وهي تدور حول نفسها بالدفع اليدوي الذي يعمد اليه صاحبها ، كما وهناك " الدولاب " ويتألف من اربع مقصورات في كل منها مقعدين متقابلين وهذه تدور حول محورها بشكل عامودي واخيراً هناك " الزيزي طالعة ونازلة " وهي عبارة عن عامود معدني طويل يتوسطه قاعدة وعلى كل طرف من اطرافه مقعد لشخص يصعد احدهما فينزل الآخر والعكس.هذه كانت اشهر انواع المراجيح التي عرفتها صور وما زالت تعرفها حتى يومنا هذا، ويرافق اللهو بالمراجيح اهازيج ملازمة لذلك تميزت بها صور وحفظها الناس عن ظهر قلب وكان الاطفال يرددونها اثناء تأرجحهم وأشهرها " يا ولاد الأوشي يويا"، ولاصحاب المراجيح ايضا عباراتهم الخاصة بالمصلحة يستخدمونها للاشارة الى امر معين ككلمة " مولا " التي تشير الى انتهاء الدور.
واليوم لم يبقَ في صور سوى ثلاثة اشخاص يملكون حولي العشرة مراجيح ينصبونها ايام العيد وهذه المراجيح قد اصبحت عتيقة للغاية حيث يناهز عمر اصغرها الخمسة وعشرون عاماً واحد هؤلاء هو الصوري العريق الحاج ابو غزوان عابد الذي يملك دولاب وسريرين ودويخة ويخبرنا ابو غزوان انه يعمل في هذه المصلحة منذ اربعين عاماً او اكثر وهو يرى ان المراجيح فقدت زخمها واستقطابها للناس مؤخراً بدخول الحداثة عبر الالعاب الكهربائية المتواجدة في مدن الملاهي العملاقة، الا ان ابو غزوان يشدد على ان الاصالة تبقى للمرجوحة التقليدية التي افرحت قلوب الصوريين الفقراء لعقود مضت وما زالت.
ويؤكد ابو غزوان ان لديه مرجوحة عمرها ثلاثين عاماً وهي ما زالت بحالة رائعة ويخضعها للصيانة بشكل دوري وهو يفخر بها.. ابو غزوان الذي خسر عدداً من مراجيحه خلال اجتياح 1982 بعدما تعرضت صور للقصف المعادي اعاد تصنيع مراجيح جديدة ورمم مراجيح أخرى وهو مستمر في نصب مراجيحه ايام العيد مذاك وحتى اليوم .
..وللفقراء وسائل ترفيه اخرى
ومن المراجيح التي كانت وسيلة الترفيه الاساسية في العيد الى بعض ما رافق العيد من مظاهر احتفالية ووسائل تسلية وترفيه, يتواجد حول هذه المراجيح عدد من البسطات التي تبيع الالعاب البلاستيكية الخفيفة وخاصة المسدسات والبنادق والعرائس الخاصة بالفتيات وايضاً " اليانصيب" او " الضمرة " كما يسيمها الصوريون حيث يتم اجراء سحب على دمية معينة بواسطة ورقة " الاسماء والارقام " الشهيرة .
اما بسطات المفرقعات النارية فكان لها نصيبها الوافر من الاقبال حيث يتم بيع كميات كبيرة من المفرقعات والالعاب النارية, واللافت ايضا تواجد حصان العيد الذي يحضره احد الاشخاص ويؤجره الى الاطفال بمبالغ مقبولة حيث يصعد من استأجر الحصان على ظهره ويمسك صاحب الحصان باللجام ويطوف بالطفل من مكان العيد حتى آخر الشارع ويعيده مجدداً الى مكانه مفسحاً في المجال امام طفل آخر.
هذه باختصار اهم مباهج العيد بالنسبة لفقراء مدينة صوراليوم وعلى مدى عشرات سنين سبقت, والتي باتت ملازمة كحلم جميل وتركت لنا ذكريات تسكن منا طي العيون نعود اليها في كل حين ونركن الى سحرها فلا نقدر ان نفارقها ولو فارقتنا ولا ان ننساها ولو كثرت همومنا ومشاغلنا.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018