ارشيف من :أخبار لبنانية
الحريري: غير مستعجل... وإذا كانوا يريدون 73 يوماً آخر أو سنة فأنا حاضر!
نقولا ناصيف، الاخبار
تمديد الاستشارات النيابية التي سيجريها الرئيس المكلف سعد الحريري إلى خمسة أيام بدءاً من غد الخميس، يشير إلى عدم استعجاله تأليف الحكومة الجديدة. وقد استخدم هذا التعبير في أحاديث أمام زواره لخّص فيها وجهة نظره حيال مرحلة التأليف. فبعدما قال أمامهم إنه غير مستعجل، أضاف: إذا كانت المعارضة تتوقع من خلال شروطها 73 يوماً آخر لتأليف الحكومة، فأنا حاضر. حاضر كذلك إذا استغرق التأليف سنة كاملة!
وقال: الوقت طويل أمامنا. وإذا اعتقد المعارضون أنهم يضغطون على تكليفي بشروطهم، فأنا أضغط عليهم أيضاً بإطالة مدة التكليف. سأقوم في الاستشارات النيابية بما ينبغي عليّ القيام به، بعد ذلك نرى مَن يعرقل تأليف الحكومة.
تكشف وجهة نظر الرئيس المكلف قواعد جديدة لإدارة الخلاف بينه وبين المعارضة حول تأليف الحكومة، في ظنّه أن من شأنها إحداث توازن جدّي في نزاع يقتضي أن يؤول في نهاية المطاف إلى التأليف، أو دفع البلاد إلى فراغ حكومي لا حدود له. وهو يرمي من تمسّكه بالتكليف الذي لا يخفي إصراراً على عدم الاعتذار مجدّداً، إلى القول إنه، كزعيم سنّي وكرئيس للغالبية النيابية، يرفض كسر هيبته.
إلا أن الحريري، بمواقفه هذه، يعوّل على معطيات منها:
1ـــــ اطمئنانه إلى استقطاب الشارع السنّي برمته إلى خياراته في مواجهة المعارضة، ودفاعه عن الصلاحيات الدستورية لرئيس مجلس الوزراء، قبل أن يصبح هو فعلاً رئيساً لمجلس الوزراء. يدخل تشبّثه بالتكليف الثاني وعدم الاعتذار مرة أخرى في صلب هذا الدور، وخصوصاً بتأكيده أنه لا مهلة ملزمة للرئيس المكلف لتأليف الحكومة ما دام لا نصّ مقيّداً له. وهو بذلك يثبّت عرفاً لم يسبقه إليه أي من أسلافه، إذ يستنفد التكليف مدداً زمنية طويلة، وإن مفتعلة، قبل تأليف الحكومة لتكريس سابقة يدرج عليها خلفاؤه بلا أي محظور دستوري أو سياسي.
2 ـــــ إن أحداً من معارضيه لا يراهن على تخلّيه عن رئاسة الحكومة ولا يصدّقه، كما ان أحداً لا يجازف بالجهر أنه ضد ترؤسه الحكومة الجديدة، سواء لتزعّمه طائفته أو لصفته كرئيس للغالبية النيابية التي سمّته مرتين على التوالي، من غير أن تأبه للعراقيل التي تضعها المعارضة في طريقه. يعزّز هذا الرأي تشديد حزب الله وحركة أمل على أنهما يتمسّكان بالحريري ويريدان التعاون معه، رغم أنهما لم يسمّياه في الاستشارات النيابية الملزمة الأخيرة. وهما يواجهان استياء الشارع السنّي من عدم تسمية الفريق الشيعي إياه لترؤس الحكومة بموقف دفاعي، مفاده أن هذا الفريق لم يسمِّ شخصية سنّية أخرى. وفي هذه الحجة ما يبرّر اعتقاد الحزب والحركة بأنهما لا يدعمان سواه لرئاسة الحكومة. بل ينظران إلى هذا الموقف على أنه تقويم سياسي أكثر منه حسابي ما دامت قوى 14 آذار تفرض تسمية رئيس تيار المستقبل رئيساً مكلفاً بالغالبية النيابية التي تقبض عليها.
3 ـــــ يحاذر الحريري كشف أوراق التفاوض الجديدة مع المعارضة، قبل استخلاصه نتائج استشارات الأيام الخمسة مع الكتل والنواب المستقلين، لذا يتجنّب ـــــ خلافاً لبعض غلاة مواليه ـــــ اتخاذ مواقف قاطعة ونهائية من رفض حكومة الوحدة الوطنية ومعادلة 15+10+5، وخصوصاً أنه لا يحسب نفسه المرجعية الوحيدة القادرة على إطاحة هذين البندين في التسوية المحتملة. أضف أن ثمّة شريكاً رئيسياً له في تأليف الحكومة، كما في التمسّك بهما، وكذلك في التخلي عنهما، هو رئيس الجمهورية الذي يصغي إلى آراء المعارضة والموالاة في آن واحد.
ولأن الغموض لا يزال يطبع موقفه من التفاوض الجديد، أطلق الرئيس المكلف بالون اختبار هو تأليف حكومة تكنوقراط.
وإذ يبدو في قرارة نفسه ـــــ وكذلك كان والده الراحل الرئيس رفيق الحريري لولا وطأة سوريا عليه ـــــ أكثر ميلاً إلى حكومة تكنوقراط، يعرف أيضاً أن حظوظها في إبصار النور صفر خارج دعم رئيس الجمهورية والمعارضة، وعلى صعيدي الأسماء والحقائب.
ويستمد الحريري استساغته حكومة تكنوقراط من دافعين على الأقل:
أولهما، أنه كالرئيس الراحل محاط بمعاونين تكنوقراط أكثر منهم بسياسيين، ويثق بجدواهم وخبرتهم، وهو يفضل كأبيه أيضاً الإصغاء إلى هذا الصنف من الأشخاص لمناقشة الخطط والخيارات ويترك للسياسيين صدارة الكلام «الوجيه». لذا سمّى في تشكيلته المقترحة أسماء تكنوقراط يمثلون تياره ما دام هؤلاء يتخفّون وراء الصف الثاني ويعملون في ظلّه.
وثانيهما أن حكومة تكنوقراط أول ما تشترط رئيساً تكنوقراطياً لها لا رئيساً حزبياً ورئيس غالبية نيابية، وطرفاً أساسياً في النزاع السياسي. وتكمن عِبرة تجربة كهذه في مَثَلين متعارضين: الأول هو أولى حكومات عهد الرئيس سليمان فرنجية برئاسة الرئيس صائب سلام في 17 تشرين الأول 1970، ووصفت حينذاك بأنها «حكومة شباب» و«ثورة من فوق»، رئيسها سياسي مخضرم، ووزراؤها جميعاً تكنوقراط باستثناء الوزير غسان تويني. وفي سنة و5 أشهر ويوم واحد استقال أربعة من أعضائها هم ـــــ إلى تويني ـــــ إميل البيطار وهنري إده وحسن مشرفية. أما المثل الثاني فأولى حكومات عهد الرئيس الياس سركيس برئاسة تكنوقراطي هو الرئيس سليم الحص في 9 كانون الأول 1976 (وكانت المفاضلة بينه وبين اثنين تكنوقراط آخرين هما محمد عطا الله والوزير السابق بهيج طبارة)، وزراؤها جميعاً تكنوقراط باستثناء الوزير فؤاد بطرس.
تنجح حكومة تكنوقراط برئيس من نسيجها، لا بطربوش سياسي، فكيف في ظلّ توازن قوى كالذي يشهده نزاع قوى 8 و14 آذار، وكل منهما يملك حقّ النقض في تأليف الحكومة كما في إطاحتها. ناهيك بأن المشكلة سياسية بأسبابها وحلولها، ويخرّجها مفتعلوها، وليست تقنية حتى يُستنجد بوزراء تكنوقراط.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018