ارشيف من :أخبار لبنانية

يواكيم مبارك خرج من طائفة الحجر الى كنيسة البشر

يواكيم مبارك خرج من طائفة الحجر الى كنيسة البشر

بقلم: سركيس أبو زيد


في حقبات تاريخية مختلفة واجهت البطريركية المارونية أبناءها المبدعين والمجددين والرواد في الثقافة والفكر والسياسية.
واصطدمت مع المبادرات الجريئة والحرة التي أقدم عليها رجالات عظام أمثال جبران خليل جبران ويوسف بك كرم وأحمد فارس الشدياق والبساتنة وأمين الريحاني واسعد الشدياق واليازجي والاب ميشال حايك وغيرهم. وأقدمت على إصدار الحرم بحق البعض منهم ومنعت كتاباتهم ولجأت الى محاربتهم ومنع الرعية من مقاربتهم أو قراءة أعمالهم.


لجمهور الماروني الواعي أنصفهم والتف حولهم وكرمهم فاضطرت البطريركية المارونية من ثم، الى الاعتراف بدورهم، فتبنتهم وروجت لهم متجاهلة القضايا الاساسية الطليعية التي اختلفت حولها معهم. فأضحى جبران الكافر وكرم المتمرد والشدياق الهرطوقي من رموز الموارنة ونوابغ الطائفة، فأقيمت لهم المهرجانات والمناسبات الفولكلورية بعد تمييع قضيتهم وتجهيل أفكارهم وآرائهم.
وهذه الحالة تكررت مؤخرا مع الأب يواكيم مبارك حيث استقبل جثمانه بالترحيب والإكرام بعكس رغبته ووصيته، وهو الذي فضل الغربة على أن يكون شاهد زور على أوضاع الموارنة السيئة وجمود كنيستهم.

وللأب مبارك مع البطريركية قصة طويلة سوف نتوقف عند محطات منها.
بعد غياب أربعين سنة قضاها في فرنسا، يبحث ويؤلف، عاد الخوري يواكيم مبارك في العام 1984 حاملا خماسيته الانطاكية المارونية وصرخ مع آباء الكنيسة: «افتح يا لبنان أبوابك، تلك الأبواب الموصدة بوجهي».
كانت عودته مناسبة لرفع الصوت في سبيل فتح أبواب ثلاثة موصدة بوجهه؛ وقد عدّدها كما يلي: الباب الأول: التراث والهوية الانطاكية. الباب الثاني: الإصلاح الكنسي. والباب الثالث: الزهد النسكي.

عاد الى لبنان، ليطرح مشروعه الاصلاحي بعد ان رأى المارونية تتراجع وتتقهقر وتتدهور للاسباب التالية حسب رأيه:
أولا، ما حل بالمارونية من جراء الحرب لا مثيل له في تاريخها. فالتهجير الذي سببته هذه الحرب يمثل أول تراجع للمارونية في امتدادها المتواصل من شمال سوريا الى لبنان الى الاراضي المقدسة والشرق فالغرب. خاصة أن هذا التراجع الجغرافي يخبئ وراءه تراجعا أكثر خطورة على صعيد الإيمان والأخلاق الخاصة والعامة.

ثانيا، لأن انتشار المارونية المستمر والمتزايد خلال الحرب أصبح خطرا في حال تمادت الهجرة وأفقدت المارونية قاعدتها اللبنانية.
وثالثا، لأن الوضع الكنسي أصبح مهددا بالفوضى على مثال الوضع السياسي والاجتماعي إذا عدلت السلطة الكنسية عن تبني المشاريع الإصلاحية المنطلقة من القاعدة، ومهددا بالتحجر إذا تناولت السلطة هذه المشاريع واكتفت بتدبرها سلطويا أي بطريقة قانونية صرف، ولم تسمح للقاعدة العلمانية منها والاكليريكية بتداولها مليا وإبداء آرائها وتقديم مقترحاتها.

خلاصة تجربته ومسيرته، جسدها في مشروع حياته وهو الدعوة الى «المجمع اللبناني الثاني» ـ المجمع اللبناني الاول عقد في العام 1736 ـ على أمل أن يكون المجمع الطريق الى الإصلاح والتجديد من أجل إحداث نهضة في الكنيسة المارونية تعيدها الى دور الريادة بعد أن رأى المارونية تتراجع وتتقهقر وتتدهور. وكان قد عض على الجرح والتزم الصمت طوال أربعين سنة وأكثر، مع زملاء له عملوا من أجل كنيسة البشر لا الحجر.

تبنت الرابطة الكهنوتية مشروعه، وتعاونت مع علمانيين وجامعيين واكليريكيين من أصدقاء الخوري يواكيم مبارك وقريبين من روحانيته وفكره.
وبعد أن كسروا الصمت اضطرت البطريركية المارونية لأن تتجاوب مع مساعيهم وأنشأت لجنة مجمعية وسمت الخوري يواكيم أمينا عاما من أجل تهيئة الأجواء لعقد مجمع عام لإعادة النظر في شؤون الكنيسة، فانكب في صومعته في قنوبين على كتابة تطلعات الكنيسة وصياغة العمل المجمعي الإصلاحي، فوضع الخطوط العريضة للعمل الإصلاحي وقد نُشر قسم منها بعد وفاته في «ملحق النهار» عدد 23 كانون الأول 1995 تحت عنوان وصية الأب يواكيم مبارك الى الموارنة، وهي دعوة لفتح حوار حقيقي من أجل إصلاح الكنيسة ونقد المجتمع ومدخل للنصوص المقدمة الى «المجمع اللبناني الثاني» الذي لم ينعقد.

وفي تقريره العام للأعمال التحضيرية، توجه الخوري يواكيم بطلب الى البطريرك والمطارنة لاتخاذ قرار بافتتاح المجمع اللبناني الثاني في العام 1992. بعد تردد ومماطلة من السلطات الكنسية المارونية لمس ان الأمور تجري على عكس ما كان يأمل، فرجع الى فرنسا يقضي ما بقي له من سنوات العمر منتظرا من بعيد تحقيق حلمه الكبير.
توفي الخوري يواكيم مبارك في فرنسا في 24 ايار 1995 وطلب في وصيته أن يدفن في دير الراهبات البنيدكتين في بلدة جوار الفرنسية بانتظار ان تفتح أبواب لبنان والكنيسة المارونية الموصدة بوجه الإصلاح والتجديد.
استمرت مساعي أصدقاء الخوري يواكيم والأوفياء لفكره ونهجه، وتابعوا مطالبتهم بالإصلاح الكنسي الى أن تجاوبت البطريركية مع صرختهم ودعت الى عقد الدورة الأولى للمجمع في حزيران 2003 في سيدة الجبل. وفي حزيران 2006 عقدت الدورة الختامية التي أقرت التوصيات وخطة العمل.
جمعت نصوص «المجمع البطريركي الماروني» وتوصياته في كتاب صدر في بكركي العام 2006 واستهله البطريرك صفير بتقديم استعرض فيه سريعا ملفات المجمع والنصوص التي بحثها، ومن الملاحظ أن انطاكيا لم ترد إلا في ختم البطريرك واقتصر تقديمه على موارنة «لبنان والمهجر» دون أي ذكر للنطاق الانطاكي عن قصد أو بسبب النسيان.
واللافت بتقديم البطريرك صفير أنه يبدأ مسيرة المجمع من أواخرها متجاهلا بداياتها، فهو يشير الى تعيين المطران يوسف بشارة مسؤولا عن سير العمل «فوضع التصميم العام ... وعقدت جلسات عامة في مطلع كل صيف على مدى ثلاث سنوات» ( 2003ـ2006). وفي التقديم يخص البطريرك صفير «الذين ساهموا في وضع نصوص هذا المجمع» دون أن يشير الى دور الخوري يواكيم الذي وضع الخطوط الأساسية وأنجز المرحلة التمهيدية والتحضيرية للمجمع ابتداء من العام1984.
وبعد «تقديم» البطريرك صفير جاء «تمهيد» المطران يوسف بشارة الذي تذكر ما نسيه البطريرك عن التحضيرات التي جرت العام 1985 وتكليف لجنة وإنشاء أمانة عامة أعدت النصوص. لكن سيادة المطران نسي أو تجاهل ذكر اسم الخوري يواكيم.
هذا الموقف السلبي من الأب يواكيم ليس مستجدا، بل هو نوع من العقاب ضد مسيرته ومواقفه. لقد سبق أن استبعد من السلطة الكنسية لأنه تميز بالتجدد والإصلاح والانفتاح، فهو دعا الى مشروع للآتي وكان لبنانيا ومشرقيا بمارونية حضارية لا تختصر بطقس ولا تتحجر في تقليد ولا تجمد في مؤسسة.
أضاء على مشاركة الموارنة الفعالة في مجالات النهضة العربية. وهو القائل «كان المطران جرمانوس فرحات بين حلب وروما ولبنان، أول واضع للقواعد العربية في الحداثة، أي سابقا بأكثر من قرن، عمل أهل الشام ولبنان عندما أطلقوا الحداثة العربية في وادي النيل. وهذا هو بالفعل الحدث الأكبر الذي يجعلنا نتعرف الى أئمة النهضة في أعمال بطرس البستاني وأحمد فارس الشدياق وخليل سركيس وأمين الريحاني وجبران خليل جبران ومي زيادة. وهم من الأقحاح الموارنة لأنهم من الموارنة الرافضين الاستبلشمنت الماروني».
الخوري يواكيم مبارك هو استمرار لبعد ماروني أساسي تجسد في التاريخ والتراث «انما هو بعد العصيان والتمرد والرفض .... فالموارنة هم أولا وأخيرا من العصاة والرافضين والمتمردين ..» على حد قوله.
ويتابع الاب يواكيم استعراض مسيرة الرفض الماروني التي تعاكس المفاهيم السائدة فيقول: «وليس من الصحيح أن الموارنة والوا الفرنجة بالطريقة المبسطة التي تتناقلها كتابات قديمة وحديثة هي أقرب الى الدعاية منها الى التاريخ. وحتى في أيام المتصرفية التي يقال إنها صنعت لحماية الأكثرية المارونية في لبنان القديم، فإني فخور بانتماء عائلي يشدني الى حروب يوسف بك كرم، أي الى الذي ناهض المتصرفية، لا لأهداف شخصية أو طائفية، كما يزعمون، بل لكونه لم يقبل أن يحكم لبنان، في ظل الدول الكبرى، إلا حاكم لبناني.
والمتمرد الإهدني هذا هو الذي راسل من منفاه ذاك المنفي الجزائري الكبير عبد القادر في خلوته الدمشقية، وكان موضوع المراسلة بين يوسف بك كرم والأمير عبد القادر قيام مملكة عربية».
دعا الاب يواكيم الى الحوار المسيحي الإسلامي والى إصلاح الكنيسة المارونية وتجديدها، لكن بعض غلاة الانعزالية اتهموه بأنه «عاد الى مارونيته بعد رحلة طويلة في الإسلام والمسكونية والسياسة».
وفي الاتهام إشارة الى غوصه في العالم الإسلامي ومؤلفه الشهير «الخماسية الإسلامية المسيحية» التي أصدرها العام 1972 واهتمامه بالحوار المسيحي الإسلامي وصداقته مع كبار رجال الدين والعلم في الإسلام، منهم الإمام موسى الصدر وكمال جنبلاط. وتبوئه مركز مستشار ومعاون في معهد دار الاسلام (جامعة الأزهر) في القاهرة (1954 ـ 1975) كما كان يدافع عن حق الشعب الفلسطيني. ولم «يتسامح مع من ينادي بلبنان الصغير المنحصر بين نهر الموت وجسر المدفون». ورفض أن تتحول المارونية من كنيسة الى طائفة لا ينظر إلا في مصالح أعضائها.
من المفارقة أن يعود رفات الخوري يواكيم مبارك من فرنسا ويترأس البطريرك صفير قداسا احتفاليا ويتلى رقيم بطريركي يعدد مزايا الراحل لكنه يتجاهل الاشارة الى أهم عمل قام به في حياته وهو التحضير الى المجمع الماروني.
ومن المفارقة ايضا أن يستقبل الجثمان بأبهة وتسييس على عكس وصية يواكيم مبارك ونهجه مع العلم أن مبارك كان يعتبر نفسه من الموارنة الرافضة والعصاة والمتمردين ودعاة الإصلاح والتجديد وسعى الى مجمع لبناني ثان فلم يفلح بسبب المماطلة والتردد والفوضى في الكنيسة المارونية، فاختار منفاه الطوعي في صومعته الباريسية بعد أن أقفلت في وجهه أبواب لبنان والكنيسة المارونية وكانت وصيته أن يدفن في فرنسا ما دامت أبواب الإصلاح والتجديد مقفلة...
عذرا أبانا يواكيم مبارك، أعادوك الى كفرصغاب لأن أبواب محبيك مفتوحة لك؛ لكن أبواب الإصلاح والتجديد في الكنيسة المارونية ما زالت مقفلة


2009-09-23