ارشيف من :أخبار لبنانية

لنتحاور في مشروع الدولة الحكومـة وحـدها لا تكفي

لنتحاور في مشروع الدولة الحكومـة وحـدها لا تكفي

سليمان تقي الدين - السفير

هناك تعريفات عدة للدولة في الفكر الفلسفي والسياسي والقانوني. لكن ما صار متوافقاً عليه أن الدولة مفهوم معنوي غير ملموس لكنه يتجسد في الجغرافيا والشعب والسلطات. أما جوهر الدولة فهو المجال العام أو المصلحة العامة، ذلك أن العناصر الأخرى يمكن أن تكون موجودة قبل الدولة بمفهومها الحديث. الإنجاز الكبير للحضارة الغربية أو للثقافة الغربية أنها بلورت هذا المفهوم أو هذه الصيغة للاجتماع البشري. كل فلسفة الأنوار قامت على ثنائية دولة ـ مواطن، حتى لو اختلفت في وصف الدولة ووظائفها أو المواطن وحقوقه.

الفكر الشرقي عموماً الإسلامي والآسيوي لم ينجز مفهوم المواطن الفرد الطبيعي المجرد إلا نظرياً في علاقته بالله. لكن المسار التاريخي من خلال العلاقة القوية بين الدين والسلطة أعاد ربط المواطن بحقوق الجماعة.

السلطة لم تتحول إلى دولة أي إلى مجال عام، والمواطن لم يتحول إلى فرد محرر من انتمائه إلى هوية ما قبل الدولة. وقف الاستشراق الغربي طويلاً أمام ظاهرة الاستبداد الشرقي حيث السلطة هي الأصل وليس المجتمع، ووجد تفسيراً ما زال قاصراً من خلال ثلاث ظاهرات: الدين، الصحراء، تنظيم الثروة المائية. في التنظيم المعاصر لكل الدول الآسيوية بما فيها روسيا التي اعتبرها لينين آسيوية إلى حد معيّن، تشكلت من حول مركزية السلطة السياسية ونواتها الأمن أو الجيوش أو الأحزاب ذات الصفة شبه العسكرية. في عالمنا العربي هذه هي القاعدة. فإذا اختلت السلطة المركزية تفكك المجتمع.

كان لبنان نموذجاً فريداً لاستحالة قيام سلطة مركزية فيه منذ قرون عدة، من تجربة الإمارة حتى اليوم. كان المجتمع في لبنان دائماً أقوى من الدولة أو بالأحرى السلطة المركزية. البنية القبلية الطائفية التي احتلت كل المجال السياسي تاريخياً من خلال تعدد وتنوع متوازن للقوى منع قيام مركزية سياسية. لكنه من وجه آخر أنتج ما يسمى «الديموقراطية اللبنانية» التي هي في حقيقتها تعددية سياسية طائفية يصعب معها قيام حكم استبدادي. الجغرافيا اللبنانية، أو كيان لبنان الكبير الذي انفصل عن البيئة السورية لا يساعد على بناء دولة. من هنا نتحدث دائماً عن «المشروع اللبناني الصعب»، أو عن «الوطنية اللبنانية» التي نمت وتطورت من خمسينيات القرن الماضي حتى السبعينيات، في مناخ الاستقرار السياسي الإقليمي النسبي والازدهار الاقتصادي أيضاً. أما الصيغة السياسية لهذه الوطنية فكانت دائماً ضعيفة وهشة، وهي لم تصمد أمام العواصف والتحولات الاجتماعية.

مشروع الدولة الذي بدأه فؤاد شهاب ارتكز إلى فكرة توسيع نطاق المجال العام أو المصلحة العامة. ربط الوطنية اللبنانية أو الولاء للدولة بمقدار ما تتحول إلى مرجع عام لحقوقهم الأساسية، الطريق والكهرباء والمدرسة والإدارة المحررة من نفوذ الإقطاع السياسي وخطط التنمية المستقلة عن التقاسم الطائفي. كانت تلك حاجات وطنية وحاجات للرأسمالية اللبنانية نفسها لبناء سوق وطني واسع. كانت تلك المرحلة الأبرز في نمو الصناعة والزراعة، لكن الرأسمال التجاري كان يعارض هذه الخطة لأنه لا يريد أن يدفع أعباء هو بغنى عنها. معركة الضمان الاجتماعي والصحي، وسياسات الرعاية التربوية وغيرها، كانت وما تزال موضع عداء من الفئات الرأسمالية التي تعتاش على الفوائد والريع والمضاربة والخدمات.

منذ سنوات الحرب الأولى في الربع الأخير من القرن الماضي بدأت الطوائف تشكل دويلاتها بكل المرافق والعناوين. يلهج اللبنانيون اليوم بالقول: الاقتصاد تقوده المصارف. المؤسسات الاجتماعية والرعائية والتربوية والصحية هي في إدارة الجماعات السياسية الطائفية. السياسة الدفاعية والأمنية هي في عهدة المقاومة، السياسة الخارجية تتولاها القيادات الطائفية مباشرة مع كل أطراف الخارج. تشكلت الحكومة أم لم تتشكل «البلد ماشي» إلى حد ما كما في العادة. الإدارة المشتركة للبلد من خلال الحكومة يراكم السياسات الاقتصادية نفسها بكل اختلالاتها ومفاسدها.

وظيفة الحكومة محصورة في المجال السياسي بمعناه الضيق وليس بالمعنى الذي يدير مجتمعاً ويقوده وفق حاجاته الوطنية العامة. هكذا لن تتحول الوطنية اللبنانية إلى حقيقة واقعة إلا من خلال تطوير مفهوم المصلحة العامة. ما دون ذلك من الوطنية صفة ملحقة بهذه الجماعة الطائفية أو تلك بحسب نظرتها الفئوية للبنان وبالتحديد لأي فلك سياسي يتبع وأية اعتبارات سياسية عامة أو خيارات إقليمية ينحاز إليها. صلح الطوائف، حكومة الطوائف وشراكتها يفيد في استرخاء التوترات السياسية والطائفية لكنه قطعاً لا يبني دولة. الجيوش الوطنية يمكن أن تبني سلطات مركزية تساهم في توسيع المجال العام وتؤسس قاعدة اجتماعية لدولة المواطن إذا امتلكت رؤية للتنمية والمشاركة. المقاومات الوطنية يمكن لها أن تشكل سلطة وطنية إذا انتصرت، وقد تحمل تشوهات بيروقراطية أو تندمج في قوى النظام القديم، وترتبط بعلاقات دولية تغيّر من مسارها الوطني. لكن المقاومات التي لا تمتلك مشروعاً وطنياً بالأصل لا تستطيع أن تحل مشكلة الوحدة الوطنية ولا تستطيع بناء الدولة. جهدت «الحركة الوطنية» في السبعينيات أن تكون توحيدية وليبرالية وبالسلاح الفلسطيني سيطرت على ثمانين في المئة من أرض لبنان. انهار مشروعها الوطني أمام الاستعصاء الطائفي ومن ثم أمام التدخل الإقليمي. المركزية السياسية الفوقية غير المرتكزة إلى قاعدة اجتماعية قوية تتفكك في لبنان. تجاور القوى الطائفية وتعايشها وحتى تحالفها لا ينتج مشروعاً وطنياً. والقوة وحدها لا تنتج حلولاً من أي نوع كان. نحن مدعوون لحوار واسع حول مشروعنا الوطني بين الفئات جميعاً.


2009-09-26