ارشيف من :أخبار لبنانية
نفـط السياسـات اللبنانيـة
I ـ الطائفية هي الطائفيون أولاً
يلزم الانتقال من التعميم إلى التخصيص. يستقيم الفهم عندما يصبح للمفاهيم (العامة) مدلولات عينية حسية، يمكن الإشارة إليها. التعميم تضييع للتجسيد. التخصيص تعبير معاين. الطائفية تستير على الطائفيين.
لا بد من شرح:
القضية الفلسطينية، وهي بصيغة المفرد (قضية واحدة)، هي تعميم يشمل الأرض والاحتلال والجغرافيا والتاريخ والسياسة والاستراتيجيا والذاكرة والزراعة والشجر و... الفلسطيني أيضا.
تحضر عند العرب، عناصر التعميم كلها تقريبا، باستثناء الف
لسطيني. لذا، يسهل عليهم التشدّق بتأييد القضية الفلسطيني والدفاع عنها أو التعب منها، فيما يقبع الفلسطيني في مقام التهمة، ومخيمات البؤس وسراديب القمع.
فهم مع القضية الفلسطينية، وضد الفلسطيني، حامل القضية على جلجلته. وبلغ المنحدر القيمي والأخلاقي مستوى، جعلت السياسة العربية، من الفلسطيني «تيس عزّائين» أو «كبش المحرقة».
إذاً، فليسقط التعميم، لأنه يخادع ويخفي، ولنفصح عن التخصيص. القضية الفلسطينية، هي الفلسطيني منذ بدء الاحتلال، حتى... زواله. وفي لبنان، ما يشبه فلسطين من مأساة التعميم:
الطائفية ملعونة، مدانة، معترف بها. على أنها مصيبة ومأساة. متهمة بانسداد الأفق. هي سبب الأزمة المستدامة، منذ بدء الديمومة اللبنانية المخترقة بحضور النظام المشابه لها. قلما تجد من يدافع عن الطائفية. وعليه يجب إعادة الاعتبار للدكتور كمال يوسف الحاج في «تأليهه للطائفية البناءة». يجب أن يطوّب قديسا على الطائفية اللبنانية الهدامة.
لا بد من توضيح وشرح سهلين جداً.
ان الطائفية، ليست خلقة الله. بل هي خلقة البشر في لبنان وأشقائه الجدد. فلندل عليهم لنقل من هم. لنخصص اللغة بأسماء الإشارة. وفاتحة القول، ذلك الاعتراف المتناوب عليه، من قبل من سيأتي ذكرهم لاحقاً. يقولون لنا، البلد طائفي هذا هو بلدنا، وكأن الطائفية معطى من خارج الزمان والمكان والثقافة، فيما قادة الطوائفيات الراهنة هم رعاة الأزمنة والأمكنة والثقافة اللبنانية. لا طائفية في الماضي، من دون طائفيين، ولو كانوا ملحدين أو من غير طائفة. لا صهيونية من دون صهيونيين. لا ديموقراطية من دون ديموقراطيين. لا علمانية من دون علمانيين. لا فساد من دون مفسدين... وألف لا عامة، تقابلها آلاف متخصصة ومتعينة.
الطائفية راهنا مرعية الإجراء، وموظفة بطريقة حديثة، ومبوبة تبويبا دقيقا، ومسلحة تسليحا متعدد الجبهات والتذخيرات، وهي بالأساس، المحروسة حراسة مشددة من قبل أناس من أحجام عائلية عريقة في تناسلها السياسي.
وقبل التعيين، لا بد من توضيح: الطائفي ليس المؤمن بطائفيته وفروضها. والمذهبي ليس المؤمن بمذهبه وفروضه. قد يكون كأيوب ثابت البروتستانتي رئيس لبنان في زمن الانتداب، ومارونيا سياسيا محبذاً علناً قيام لبنان المسيحي، مع توابعه من السنة والشيعة والدروز. وقد يكون كأكثر زعماء لبنان الحاليين، لا يقربون الصلاة إلا وهم سكارى بالمصالح والأموال والصفقات.
من هم رعاة هذا الواقع الطائفي المستبد؟
II ـ من هم أو ما هم؟
لنسأل بالتخصيص: هل الجنرال ميشال عون طائفي. انه كذلك، وهو ناطق باسم مجتمع مسيحي، ومصالح المسيحيين. من كان كذلك، فهو طائفي، يحافظ على مصالح طائفته (أو هكذا يظن طائفيوه). وكل ما يقوله عن العلمانية يسقط أمام تجربة تنفيذ اتفاق الطائف لجهة إلغاء الطائفية السياسية. فبحسب رأيه: الزمن غير مناسب. ونسأل، متى يأتي الزمن اللاطائفي، وهو معتقل من قبل زعماء الطوائف. سؤال آخر: هل وليد جنبلاط طائفي؟ هو كذلك بوضوح. الاشتراكية والتقدمية من نوافل السياسة، ولصقيات العقائد. شيء يشبه «الغرافيتي» في فن الرسم. ولا يجوز أبدا التقليل من شأن الاعتراف الجنبلاطي «بالدرزية».
سؤال ليس صعباً: هل نبيه بري طائفي؟ هو كذلك، بأسلوب الوضوح أحيانا، والتخفي مراراً. و«أمل»، لا أمل بمدنيتها ولا طائفيتها. هي تنظيم شيعي، من فوق إلى آخر الأطراف، وسياسة بري، ومن معه هي سياسة الحفاظ على المصالح الطائفية التي تدر سياسة ونفوذا وانتشارا وهلم جرا من فضائل وغنائم هذا اللبنان الحلوب.
يغري القول التالي إلى الرئيس بري، وهو قول مهضوم: الخلوي نفط لبنان، ويمكن استسناخ هذا القول، بطريقة غير مهضومة وغير مستحبة ربما، كأن يقال، «الطائفية نفط الزعماء».
سؤال بديهي: هل سعد الحريري طائفي؟ هو كذلك وأكثر. ومعه مؤسسات الطائفة، كسواه... المرجعيات الدينية، ذخيرة حية من الآيات والسور والاجتهادات لدعم الصلاحيات والمواقع. فهو زعيم الطائفة السنية وملحقاتها من الطوائف «السنية السياسية» ولو كانوا من أرمينيا أو من كردستان أو من كل مكان. يتصرف سعد الحريري، طبق الأصل، كما يتصرف زعماء طوائف لبنان، وان كانت تنقصه الحكمة، والاستعاضة عنها بـ«هذا من فضل ربي».
هل سمـير جعـجع طائفي؟ هو كذلك ولا حـاجة إلى دلـيل. وعداء الطائفيين جعجع وعون، هو أحد بنود الصراع على النفوذ داخل الطائفة المارونية، ليصار إلى حرفها سياسيا ومحاصصة، مع الطوائف الأخرى. قد تــكون طائـفية جـعجع فاقــعة وصريحة وغير ملتبسة. وهذا أسهل. هو لا يدّعي وطنية خارج الطائفية. يزوج المستحيل للصدق، وعلينا أن نصدّق، لا بأس، أنه في مصاف حراس الأمر اللبناني الواقع طائفــيا، برتبة قائد طائفي.
السؤال حساس: هل السيد حسن نصر الله طائفي؟ هو أولا، قائد مقاومة عز نظيره تاريخيا، وهو كذلك، قائد لطائفة. يرفض نعت الطائفية، ويصر على مشروعيته الدينية. لكننا نصر من جهتنا على أن هذا المشروع لطائفة ومذهب. إنها الطائفية الصافية بلا زعل. فضيلة هذه المذهبية الطائفية، أنها مقاومة، وباستثناء ذلك، هي أحد أركان النظام الطائفي المذهبي، وان تعففت في السابق عن المحاصصة... فلن تتعفف في ما بعد.
من أيضا؟ أمين الجميل وحزب الكتائب؟ سليمان فرنجية والمردة، إلى آخر مسبحة الصلاة الطائفية، بصفاتها التسع والتسعين غير الجليلة.
III ـ الحاكمون بأمر الله الطائفي
هؤلاء هم الحاكمون بأمر الطائفية في لبنان. وعليه، يلزم عدم المواربة في صياغات اللغة السياسية. وكما يجب استعمال لغة التخصيص، في القضية الفلسطينية، يلزم استعمال أسماء الطائفيين وأعوانهم ورجال دينهم ومؤسساتهم، كما هي واردة في سجل النفوس، فهذا زعيم ماروني وهذا زعيم سني وهذا... شيعي إلى آخر الأقوام الطائفية. وعندما يشكون من الطائفية، نكذبهم، لأنهم أصل الشكوى وسبب الأزمة. هم، لا سواهم. هم تحديداً.
ماذا ينفع ذلك؟
ينفع في مستويات عديدة؟ المستوى الأول: مستوى تسمية الأشياء بأسمائها. والطائفية بأسماء الممســكين بها والمتنعمين بها والمتاجرين بها والمفسدين بها. وبـناء على هذا الـشيء مقتضاه.
المستوى الثاني: هو مستوى تخصيص المسؤولية، لا تفريعها. أي ان مسؤولية الأزمات المستدامة، هي مسؤولية عينية تقع على كل من عون وجعجع وبري ونصر الله والحريري وجنبلاط. كلهم معا مسؤولون عما آلت اليه أوضاع النظام في لبنان. كلهم مسؤولون عما يمكن أن يحدث. كلهم مسؤولون عن الاختناق القاتل للوطن، والمحيي للطوائفيات.
المستوى الثالث: هو مستوى انعدام الإصلاح. لا يمكن أن يعلق رهاب الطوائف المشانق لأنفسهم. لن يقفوا على منصات الإعدام، لإلغاء الطائفية السياسية. فالطائفية، نفط السياسة، والسبب واضح: إلغاء الطائفية، يلغي مصادر رزقهم السياسي. فمن يقطع برزقه؟ لا أحد.
المستوى الرابع: هو مستوى فقدان الإيمان. لبنان بهذه القيادات، (مع مفاضلة نسبية في خدمة قضايا وطنية! أو قومية!) غير قابل للحياة، إلا في الشقاق والنفاق، وغير قابل للاستقلال والسيادة والحرية، فهو بهذه القيادات، مؤيدة بجماهير تطوف حول كعبة الطوائف على العمياني. لا رد لقضائها المدمر وقدرها التخريبي. وعليه فهي بحاجة الى تدعيم طوائفي سياسي خارجي، لاستمرار منطق الغلبة.
المستوى الخامس: هو مستوى الخطر المصنوع من هذه القيادات. مصائبنا إنتاج محلي. «مايد إن زعماء لبنان». كل اتهام للخارج تخريف. الخارج مستدعى إلينا من قبلنا. زعماؤنا يحملون بطاقات دعوة يوزعونها على من يدعم ويبيع ويشتري. لبنان في خطر دائم. حتى الخطر الخارجي، له ما يستدعيه. تذكروا أحداث لبنان الدامية. من العام 1958، (ايزنهاور وعبد الناصر) وأحداث الموت اللبنانية في حرب الخمسة عشر عاما (أحضرت الدول الكبرى والعظمى والصغرى وكل المنظمات). وأخيرا عدوان رايس ـ أولمرت. (يا عيب الشوم).
IV ـ لماذا نقرأ ولماذا نكتب؟
المستوى الأخير: هو مستوى جدير بالحزن والبكاء: قوى التغيير قررت أن تكون ملحقا أو زبونا لدى زعامات الطوائف. قوى الأحزاب العلمانية تصرف في مكاتب الصيرفة الانتخابية الطائفية بأسماء براق، محشوّة بخردة عقائدية غير صالحة لأن توزن في ميزان الأخلاق والسياسة والحداثة.
لماذا اذاً، هذا المقال؟
لا أعرف، من زمان وأنا لا أعرف الإجابة عن سؤالين: لماذا أقرأ عن لبنان، أو، لماذا أكتب عن لبنان؟ ما دام كل نص، هو عزف يمكن أن ينضم إلى جوقات طائفية وتخوت مذهبية وموشحات دينية.
لماذا؟ لعل بعض الكتابة، تفرّج الكرب... وهذا ليس قليلا، في بلد الكرب السياسي.
أخيراً. يتحدثون عن «بناء الدولة»! والله حرام. الدولة محتلة من هؤلاء تحديداً، والخلاف بينهم حول حجم الشقق المستباحة من مؤسسات الدولة.
صحيفة "السفير" - نصري الصايغ
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018