ارشيف من :أخبار لبنانية
قراءة هادئة لخطاب جعجع الناري
بعد الثوابت التاريخية والاعتذار "التائب" الملغوم بمقتضيات "الواجب الوطني" الذي اطلقه السنة الماضية خلال ذكرى شهداء القوات اللبنانية، أطل سمير جعجع على جمهوره هذا العام موجهًا رسائل في شتى الاتجاهات، مهددًا ومتوعدًا للخصوم ، ومحرّضًا ورافعًا لمعنويات القواتيين المتجمهرين في الساحة.
وفي القراءة الهادئة لخطاب جعجع نجد ما يلي رسائل تحريضية بالجملة والمفرق ضد التيار الوطني الحر، وذلك من خلال:
1- التحريض على تشكيل حكومة بدون التيار الوطني الحر كحل اساسي ورئيسي، وفي حال تمّ الرفض من قبل المعارضة فلتشكل حكومة "أكثرية" ولتنسف فكرة حكومة الوحدة الوطنية من أساسها، ولنذهب الى حكومة "على مزاج البطريرك المستجد" الذي يرفض "الديمقراطية التوافقية".
2- محاولة دق اسفين بين التيار الوطني الحر وحلفائه "حركة أمل وحزب الله"، إذ يؤكد جعجع انه لا يحلم باقصاء ممثلو الشيعة الحقيقيين عن الحكومة، بل هو "يطالب لهم بالحصة الشيعية الكاملة"، مقابل أن يتخلوا عن دخول التيار الوطني الحر الى الحكومة... ببساطة، يقول جعجع نحن نقبل بحصة كاملة لحزب الله وحركة أمل وليبقَ التيار الوطني الحر خارجًا.
3- الرسائل التي وجهها الى "الاطراف الشيعية" للتخلي عن حليفها العماد ميشال عون، تترافق مع تعهد باستعداده لأن "يكون ضمانتهم" ومادًا اليد الى هؤلاء قائلاً: "نحن ضمانة بعضنا البعض.اذا لم يكن الجميع بخير في لبنان، لن يكون أحد منا بخير"... ولعل جعجع ينقض في هذه العبارات كل التعبئة الطائفية التي عبئ جمهوره بها خلال الانتخابات، لا بل وخلال مفاوضات تشكيل الحكومة أيضًا، إذ ما انفك المسؤولون القواتيون يعبئون جمهورهم ضد دخول اي طرف من المعارضة الى الحكومة وخاصة حزب الله، معتبرين انهم يرفضون دخوله لان ذلك سيجعل منها "حكومة مواجهة" وسيدفع لبنان الثمن.
4- الغمز والايحاء والاقوال المباشرة التي تشير الى أن التيار الوطني الحر يدمر "المسيحيين" من خلال قول جعجع بأن التيار "يتبني مقولة لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"... وان التيار يعمل "على وقع المحاور الخارجية والمصالح الضيقة"!!.
5- العبارات التفاخرية لجعجع حول "انتصاراته الانتخابية" في "كل لبنان" حتى في جبل لبنان وجزين وجبيل والمتن وكسروان وغيرها... كما واعلانه "انتصار مار يوحنا مارون في البترون واندحار مناوئيه"!! وبكل براءة نسأل: هل كان مار يوحنا مارون مرشحًا في البترون؟ على أية لائحة؟ وهل علينا أن نفترض أن "انطوان زهرا" بسيرته وتاريخه وانجازاته هو "مار يوحنا مارون المتجسد"؟.
وفي النهاية، وفي خضم خطابه التحريضي على التيار الوطني الحر، لم ينسَ جعجع أن يوجّه رسالة الى الجمهور "الآذاري" لشد أزره والتحلي بالصبر، ولتقديم "المزيد من التقديمات والتضحيات"، طالبًا منهم عدم الانهيار أو الاحباط حين يرى "ضعفًا من هنا، أو ارتباكًا من هناك"... حاول جعجع اخراج جمهوره القواتي من اليأس والقنوط الذي يعيش فيه منذ الانتخابات النيابية وخاصة بعد انقلاب الحلفاء على كل ما وعدوا به وساروا فيه خلال مسيرة "الثورة" معا، لكنه وقع في الكثير من التناقضات:
- أعلن جعجع الانتصار في "انتخابات مفصلية"!! لكن ألم يخبر جعجع والموالون والبطريرك هذا الجمهور نفسه ان هذه الانتخابات "مصيرية"، وهي ستحسم مصير الكيان اللبناني إما بالزوال او البقاء، فكيف تحولت الى مجرد " انتخابات مفصلية... تشبه الانتخابات التي تجري عادةً في معظم الدول الديمقراطية" كما قال جعجع في خطابه؟.
- وجّه جعجع كلامه الى الشهداء معتبرًا انهم "اضطروا" الى خوض صولاتهم وجولاتهم "بالحديد والنار"، ثم تحدث عن "عقدين من الملاحقة والاضطهاد والتنكيل والسجن والنفي والاغتيال".. وأنهى كلامه بالحديث عن انتصار انتخابي حالي في "أبشع الظروف وأحلكها"! ولم يخبر جعجع جمهوره والمستمعين ما هي هذه الظروف الابشع والاحلك من الحديد والنار والنفي والاغتيال والتنكيل الخ... هل هو الدعم المادي والاعلامي والسياسي اللامحدود الذي أتاه من الخارج والذي فرض على حلفائه من تيار المستقبل والاشتراكي بأن يعطوه حصة أكبر من حجمه بكثير؟.
... "نحن هنا وبألف خير" قالها جعجع لجمهور يشعر - خاصة بعد الانتخابات - أنه ليس بخير، ويشعر بأنه غير موجود على الساحة السياسية الفعلية بل، ومتيقن، انه في النهاية سيدفع ثمن أي تفاهم اقليمي سيحصل، ولن يكون بخير أيضًا.
ليلى نقولا الرحباني
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018