ارشيف من :أخبار لبنانية
ما هي الأهداف المضمرة من دعوة جعجع الى حكومة اللون الواحد؟
كتب ابراهيم صالح
الذين واكبوا عن كثب المهرجان الذي نظمته القوات اللبنانية نهار السبت الماضي في جونية احياءً لذكرى ضحاياها، والذين استمعوا الى الخطاب الذي ألقاه قائد هذا التنظيم سمير جعجع، اثار انتباههم امران اثنان محوريان، الاول الحشد الذي أُتي به من كل المناطق في عملية عرض "عضلات" واضحة متكررة، والثاني جملة واحدة في خطاب جعجع، وهي دعوته رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان والرئيس المكلف تأليف الحكومة النائب سعد الحريري المبادرة الى تأليف حكومة من اللون الاكثري فقط.
كان طبيعياً ان تصرف القوات جهداً كبيراً لضمان توافد الحشود الى ملعب الرئيس فؤاد شهاب في جونية، فالمناسبة السنوية بالنسبة لها هي واحدة من المحطات المفصلية في مسارها التنظيمي والسياسي والتعبوي اعتادت على المرور بها بعد خروج قائدها من السجن بعفو خاص بعدما مكث فيه نحو 11 عاماً، بغية اعادة تأكيد حضورها وشد عصبها.
ولم يعد خافياً على راصدي الحراك السياسي والتعبوي والتنظيمي لهذا التنظيم، انه منذ نحو 5 اعوام وهو يصرف كل جهوده لاستعادة جسمه التنظيمي وحضوره السياسي، وهو يوحي احياناً بأنه بات في وارد احداث تحول في خطابه السياسي وفي ادائه وسلوكه، مفارق لخطابه وادائه وممارساته ابان خوضه غمار الحرب الاهلية اللبنانية التي كان ابانها باسطاً لهيمنته على المناطق ذات الغالبية المسيحية بالتحديد في كسروان وجبيل والمتن وبيروت الشرقية، وهو ما وضعه في مواجهات مع الجمهور المسيحي، وقدمه على صورة التنظيم الميليشياوي الضالع في عمليات القتل وتصفية خصومه واشادة امبراطورية مالية من الجبايات والخوات.
ولقد صار معروفاً انه في هذا السياق انشأت القوات في الفترة الاخيرة مدرسة لاعداد "الكوادر" وتثقيف القيادات وتعبئتها فكرياً وايديولوجياً في اطار التحضير لمؤتمر عام بغية اعادة استنهاض الحضور ومنافسة الخصوم ولا سيما التيار العوني، وبغية التأكيد اولا واخيرا على ان القوات هي الفريق الاقوى مسيحياً.
ووفق معلومات صارت مكشوفة فإن القوات اعلنت في الاونة الاخيرة انها عازمة على اعادة تشغيل "مؤسساتها" الاقتصادية العائدة لها ومنها معمل الحديد في عمشيت، لذا طلبت من مناصريها ومحازبيها تقديم طلبات الاستخدام والتوظيف في هذه المؤسسات.
وبرغم ان الامر بقي حتى الان حبرا على ورق فإن ذلك كله يهدف الى اعادة بناء قنوات الاتصال ومد جسور التواصل بين هذا الفريق المسيحي الذي انفض من حوله.
وبناءً على كل هذه المعطيات والوقائع فإنه لم يكن مستغرباً ومفاجئاً ان تعطي القوات لهذا المهرجان الذي منحه البطريرك الماروني منذ زمن رعايته اهمية استثنائية وتلقي الاضواء عليه، ولكن المفاجئ كان هذا التحريض الذي مارسه جعجع، للرئيس سليمان والرئيس المكلف بغية المضي قدماً في خيار حكومة "اللون الاكثري" والتي كانت، كما اسلفنا، الموقف الوحيد "المميز" في كل "الحشد" الكلامي الذي ورد في خطاب جعجع.
لذا، فإن السؤال المطروح ما هي مضامين الرسالة التي اراد جعجع ان يوجهها، من خلال دعوة يعلم تمام العلم سلفاً ان المدعوين اليها لا يقدران على مقاربتها او حتى طرحها بشكل جدي، لعلمهما بمخاطرها ومحاذيرها المعروفة.
في الشكل، يبدو واضحاً ان جعجع يؤدي "عنترية" فارغة، ويمارس "فعل تحد" بلا طائل، ولإدراكه ان كل موازين القوى لا تبيح لأحد ان يجرؤ حتى على التلويح بفكرة حكومة اللون الواحد بقصد التزامها جدياً.
لذا فإن ثمة من يعرف بأن جعجع اطلق هذه الدعوة وهو يستبطن اطلاق رسائل خفية ومضمرة الى من يهمه الامر لعل ابرزها الاتي:
ان جعجع يريد ان يوحي انه بات "عصب" فريق 14 شباط و"حجر ارض" فيه الذي بمقدوره اخذ الخيارات القصوى والمثيرة للجدل على حد سواء.
انه يريد افهام من يعنيهم الامر انه قادر على ملء الفراغ المدوي الذي حصل بعد مغادرة رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط لفريق 14 آذار.
ولم يعد سراً ثمة كثير من الافرقاء الداخليين والاقليميين الذين يهمهم ديمومة المشروع السياسي لفريق 14 شباط نظّروا لفكرة ان جعجع هو البديل المحتمل، الذي يمكنه ان يحل محل جنبلاط المفارق للفريق الشباطي. لذا فهو اطلق اخيراً هذا الخطاب التصعيدي لكي يقول للنائب الحريري انه جاهز ليعبئ مساحة الفراغ الناجمة عن الخروج الجنبلاطي من رحم الفريق الذي كان منذ انطلاقته رأس حربة مشروعه السياسي.
والواضح ان جعجع تعمد رفع الصوت بعدما تناهى الى علمه الكلام المتتالي الذي قاله جنبلاط مراراً بحق جعجع ومشروعه، وبأنه لا يشرفه ان يكون ضمن مشروع الى جانب فريق القوات.
ان جعجع العالم بأن البيت الشباطي قد تخلعت ابوابه وتهالكت جدرانه، يقول لمن يهتم بأنه المؤهل لاعادة اسناد هذا البنيان الآيل الى التداعي والمصاب بأكثر من ثغرة.
لا ريب ان ثمة اهدافا ومقاصد سياسية اخرى يستبطنها خطاب جعجع تتصل لبالمفاوضات والاستشارات الجارية لتأليف الحكومة فهو الخائف الدائم من ان يكون تفاهم سوري ـ سعودي على الساحة اللبنانية، على حساب الفريق المسيحي في فريق 14 شباط، لا سيما ان ثمة تجربة قريبة تثبت ذلك هي تجربة الصيغة الحكومية التي قدمها الحريري لرئيس الجمهورية ورفضتها المعارضة بالاصل.
الى جانب ذلك ثمة من يرى بأن جعجع يحاول على جاري عادته ان يظهر بمظهر القابض على كلمة السر، لذا فهو ربما يعرف ان وقت استيلاد حكومة الوحدة الوطنية لم ينضج بعد، وهو يحتاج الى مزيد من الوقت، وعليه فهو يحاول الذهاب سريعاً في الدعوة الى الخيار الاخر، اي خيار الحكومة "المستحيلة" ويقدم اوراق اعتماده لـ"المعطلين".
وفي كل الاحوال يبدو جلياً ان كل مواقف جعجع ومضمون خطابه السياسي، ينطلق من ثلاث قواعد اساسية هي تلميع صورته، وتأكيد حضوره السياسي في فريقه كاحتياط جاهز لـ"المهمات" غير النبيلة، والظهور بمظهر العارف بخفايا المرحلة والجاهز لالتقاط اللحظة المناسبة.
ولكن الواضح ان جعجع فاتته امور كثيرة، وهي ان الظروف التي امنت له في السابق ان يكون لاعباً اساسياً على المسرح السياسي وغير السياسي قد تحولت تماماً، وبالتالي يصعب في السياسة ارجاع الامور الى الوراء.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018