ارشيف من :أخبار لبنانية
خاص الانتقاد.نت: الجنوب يئن من النفايات ومكباتها
غنوة ملحم و مايا ياغي
بعد فضيحة مكب النورماندي المائية، وزلزاله البيئي على كامل الاراضي اللبنانية، وبعد ارتفاع جبل النفايات في صيدا إلى مستويات تجاوزت كل الخطوط الحمراء، وبعد أن كلّت الالسن من الحديث عن أضراره والتدخلات السياسية التي ما زالت تلوك ملف معمل فرز نفاياته بين أخذ ورد، ظهرت أزمة بيئية جديدة في صور، ولكنها هذه الامر أخطر كونها تمس بحياة المواطنين بشكل مباشر بين تلوث مياه الري التي تسقي المزروعات، ومياه الشفة التي تصل إلى المنازل.
"الانتقاد.نت" تفتح هذا الملف على أن نواكب تطوراته على أمل أن يستفيق من يعنيهم الأمر حرصاً على حياة المواطنين:
منذ زهاء شهر واكثر يتصاعد الدخان من مكب النفايات في منطقة راس العين ـ جنوب مدينة صور، حتى بات يشبه المبخرة المتنقلة التي تنفث سمومها ليلا ونهارا باتجاه القرى التي تحيط بالمكب، ومنها القليلة والمنصوري ودير قانون رأس العين ورأس العين والسماعية والمالكية والحوش شرق صور والشعيتية والكنيسة والمعلية، اضافة الى الاضرار التي اصابت اصحاب البساتين وضامنيها، واصحاب المحال التجارية ومحطات البنزين والشارع الساحلي.
يبث هذا المكب سمومه، الى انحاء المنطقة الساحلية الممتدة من بلدة دير قانون راس العين كما ذكرنا، مرورا بالسماعية والشعيتية والمالكية والكنيسة، وصولا حتى القليلة. واصبح هذا المكب الذي مضى على انشائه اكثر من عشر سنوات على بعد مئات الامتار من برك راس العين الطبيعية التي تغذي مدينة صور وعشرات القرى المحيطة بمياه الشفة، يشكل اخطارا متزايدة على المياه الجوفية، اضافة الى تداعياته الصحية على المواطنين. كما يلحق الاضرار البالغة في بساتين الموز والحمضيات الملاصقة للمكب الذي تحول الى جبل كبير من النفايات على اختلافها, ويرمى يوميا في هذا المكب عشرات اطنان النفايات القادمة من مدينة صور وثماني بلدات اخرى ومخيمات اللاجئين الفلسطينيين في صور.
جبل راس العين عمره عشر سنوات
مكب راس العين كان عبارة عن حفرة كبيرة افرغها صاحبها عاطف شبلي من التراب وقام بتأجيرها الى بلدية صور قبل اكثر من 10 سنوات, وبعد اجراء الانتخابات البلدية في الجنوب، باشرت البلديات استعمال المكب لرمي نفاياتها، اضافة الى نفايات خمسة مخيمات فلسطينية. واللافت ان عددا من الشاحنات كانت تنقل اليه ليلا نفايات من صيدا وجوارها.
والجدير ذكره ان صاحب المكب يجمع سنويا زهاء 50 مليون ليرة من البلديات، فيما يستقبل المكب يوميا عشرات الاطنان من النفايات ويمثل حاليا مشكلة كبيرة لا حل لها، برغم الاعتصامات والاستنكارات والاجتماعات والتمنيات. فالمشكلة تكبر يوما بعد يوم، والمسؤولون عاجزون عن ايجاد الحل الناجع والنهائي.
إنجاز معمل عين بعال قريبا
يلفت رئيس اتحاد بلديات صور عبد المحسن الحسيني للانتقاد ـ نت, "الى ان مشكلة النفايات في راس العين لم تعد تحتمل بعدما اصبحت تشكل خطرا فعليا على كل انواع الحياة في المنطقة". واضاف "نعمل على ان نتخلص من المكب لازالة كل آثاره السلبية حفاظا على الثروة المائية والطبيعية". واوضح الحسيني ان معمل فرز النفايات المقرر انشاؤه في بلدة عين بعال بتمويل من الاتحاد الاوروبي والوكالة الاميركية للتنمية الدولية واتحاد بلديات صور سيحل مشكلة النفايات في صور و32 بلدة كبيرة في قضائها".
وتوقع الحسيني الانتهاء من معمل نفايات عين بعال حيث تتخلص المنطقة من مشكلة النفايات المزمنة. اضاف: "هناك عمل متواصل ايضا لانشاء معمل آخر في قضاء صور مخصص للقرى والبلدات المحيطة ببلدة الناقورة ويستوعب يوميا عشرين طنا من النفايات المنزلية، ولكن العقدة الاساسية لا تزال تتعلق في تأمين قطعة الارض التي سيقام عليها المعمل".
وبشر الحسيني بقرب بدء المرحلة الاولى من مشروع معالجة مياه الصرف الصحي من خلال اقامة محطة تكرير في منطقة "البقبوق" شمال صور.
المعمل يؤمن 50 فرصة عمل
من ناحيته، اوضح كمال بسما رئيس بلدية عين بعال التي سيقام المعمل على ارضها، "ان البلدية وافقت على اقامة المعمل بعد تلقيها ضمانات من وزارة البيئة والاتحاد الاوروبي والبيئيين بعدم وجود انعكاسات سلبية واضرار صحية وبيئية".
واعلن ان الارض المخصصة لانشاء المعمل قد تم جرفها وتجهيزها وهي تقع على مساحة 35 الف متر مربع وتعود ملكيتها للبلدية. واضاف: "ان الاتفاق بين البلدية واتحاد بلديات صور يشمل حصول البلدية على ستين بالمئة من العمال والموظفين وايجار سنوي يبلغ عشرين مليون ليرة لبنانية". لافتا الى ان المعمل يؤمن اكثر من خمسين فرصة عمل.
مدير البرامج البيئية في جمعية الشبان المسيحية التي تنفذ الاشغال المهندس جوزيف كساب، كشف للانتقاد ـ نت, أن معدات المعمل قد اصبحت في صور بعدما تم شراؤها من الولايات المتحدة الاميركية. وقال: "ان المعمل يستوعب يوميا 150 طنا من النفايات المنزلية وهو مجهز بأحدث التقنيات والفلاتر. كما ان المعمل الذي ينشأ في عين بعال يتم تمويله بما يقارب 719 ألف دولار من الوكالة الاميركية للتنمية الدولية و750 ألف يورو من الاتحاد الاوروبي و750 ألف دولار من اتحاد بلديات صور".
جبل نفايات صيدا
هو المشهد ذاته ما زال بالقرب من حاجز الجيش اللبناني عند مدخل صيدا الشمالي للقادمين من بيروت، شاطئ البحر هناك يواسي حاله بأمواج كانت وما زالت سميرته الوحيدة وأنسه وشجونه بعد ان تركه الناس، اعتزلوه رموا نفاياتهم وأوساخهم فيه وعليه وتركوه.
شاطئ غلبت الاوساخ على رماله، فصحت تسميته شاطئ النفايات. صنّف حسب مركز علوم البحار من اخطر خمس مناطق شاطئية ملوثة في لبنان بعد دراسة أجراها على طول الشاطئ اللبناني.
فكيف يمكن لصيدا عروسة الجنوب, واميرة السياحة ان تستقبل زوارها بشاطئ النفايات شمالا، وجبل الزبالة جنوبا، وكأنها تتلألأ مشرقة بأكياس النايلون والبلاستيك التي تعكس اشعة الشمس الحزينة في مشهد ينعى فيه بحرنا نفسه جراء ما وصل اليه من حدة وخطورة التلوث الموجود فيه.
رئيس بلدية صيدا الدكتور عبد الرحمن البزري يقول: "ان المنطقة الموضوعة على الخارطة لا تعود عقاريا لمدينة صيدا، بل تتبع للرميلة، كما ان البلدية غير مسؤولة، كما يعتقد كثيرون، عن معالجة التلوث، بل هذا الموضوع يعود لوزارة الاشغال العامة والنقل، وبالتالي، فان ما تقوم به البلدية من أعمال تنظيف يدخل ضمن برنامج مساعدة الاهالي على تأمين شاطئ نظيف وصالح للسباحة في وقت اصبح الشاطئ مستغلا بمعظمه من قبل مسابح خاصة تسمح للاغنياء بتمضية صيف جميل، اما الفقير فيجب ان يبقى خارجا.
اما الدكتور محمد السارجي نقيب الغواصين في لبنان وعضو في العديد من الجمعيات البيئية، فيرى ان مشكلة جبل النفايات هي الاخطر على الاطلاق "حيث ان النفايات بمختلف اشكالها وانواعها تصل من مصادر على الشاطئ الى اعماق البحار وتغطي كافة المغاور المرجانية، اما اخطر انواع النفايات فهي النفايات الطبية في صيدا حيث انها لا تقتصر على النفايات الصلبة فقط، بل الاخطر منها النفايات السائلة، ناهيك عن الصرف الصحي ونفايات الدباغة وغيرها من مصادر ملوثة".
لم تتغير الصورة بالنسبة لاهالي صيدا اذ انهم، وككل عام، يمارسون نشاطاتهم البحرية مع عائلاتهم والفرحة تملأ القلوب، اما اذا سألتهم عن حال البحر والتلوث، فان معظمهم لا يجد اي تلوث مشيرا الى ان"البحر ينظف نفسه بنفسه".
ويرى الدكتور البزري: "ان الناس في لبنان كما يتصرفون في السياسة يتصرفون في المحافظة على البيئة، فكل يوم ترى مشهدا ولا اروع من الناس مجتمعين على الشاطئ، يقضون أجمل الاوقات، ولكن بعد غياب الشمس تأسف لهول ما تراه، فلا أحد يأخذ نفاياته معه، ليصبح الشاطئ مكبا مقصودا للنفايات".
وحول التوعية يقول السارجي ان الشعب اللبناني تنقصه التوعية البيئية حيث لا وجود للتربية البيئية في المدارس، ومع هذا فاننا كجمعيات بيئية لم نستسلم ابدا، بل قمنا وككل عام ببرنامج توعية وتثقيف بيئي في معظم المدارس، ووجدنا تجاوبا كبيرا معنا من خلال انشاء نواد بيئية، أو القيام بحملات تنظيف او تشجير".
ومهما كثر الكلام فان جبل النفايات ما زال يقف شامخا يتساقط من اعلاه ما لم يعد يستطيع حمله بانتظار ايجاد حلٍ، يناشد المختصين ويسأل أين البيئة من برامج اللوائح الفائزة؟
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018