ارشيف من :أخبار لبنانية
الرئيس لا ينام على الجنب المريح
حسن عليق - الاخبار
يُروى أن أحد رؤساء الجمهورية السابقين وصف السنوات الست التي يمضيها أي رئيس للجمهورية في منصب الرئاسة الأولى بالآتي: «في أول سنتين، يكون إمبراطوراً. وفي السنتين الثانيتين، يمضي وقته في صدّ الضربات التي يتلقاها. أما السنتان الأخيرتان من عهده، فلا يمون فيهما على مرافقيه». التعبير المجازي المنسوب إلى رئيس راحل لا ينطبق على رئيس الجمهورية الحالي ميشال سليمان، الذي انقضى من عهده أكثر من 16 شهراً، من دون أن يكون حاكماً فعلياً في ظل الشكوى الدائمة ـــــ الصادرة من فريقه ـــــ من الصلاحيات المنقوصة لرئاسة الجمهورية منذ اتفاق الطائف.
فالأخير تسلّم قيادة البلاد بوصفه رئيساً توافقياً، لكن من دون أن يكون مرشح أيّ من طرفَي الانقسام السياسي في البلاد. فلا قوى 14آذار تقف خلفه، ولا المعارضة. وبحسب أحد المقربين منه، فإن كل طرف يريد أن يكون الرئيس في صفه، إلا أن أياً منهما لا يدعمه فعلياً. ومنذ وصوله إلى قصر بعبدا، يعاني سليمان من أزمة تشكيك في صفته التوافقية، وخاصة في فترة الانتخابات النيابية، التي خاض فيها مستشاره السابق ناظم الخوري المعركة الانتخابية على لائحة منافسة للتيار الوطني الحر. وقد نظر قسم كبير من المعارضة بعين الريبة إلى أداء الرئيس الذي اتُّهم «بالتحالف مع قوى 14 آذار لكسر زعامة العماد ميشال عون المسيحية»، وبأنه سخّر فريق عمله، وخاصة الأمني، لهذه الغاية. ورغم ذلك، بقي سليمان بمثابة الحاجة للطرفين، وخاصة أنه الوحيد الذي تمكنا، مع حلفائهما في الخارج، من التوافق على وصوله إلى كرسي قصر بعبدا، بعد فراغ في المنصب الأول في البلاد وما تلاه من أحداث دامية في الأسابيع الثلاثة السابقة لانتخابه.
لكن قوى 14آذار، منذ وصول سليمان إلى سدة الرئاسة، ما انفكت تكرّر لازمة «دعم الرئيس وموقعه»، لكن من دون أن يتعدى ذلك الإطار الكلامي. فكلما طُرح أمر الصلاحيات، لاذ هذا الفريق بالصمت، بحسب ما يقول أحد المطّلعين على ما يدور في بعبدا. أما في الجهة الثانية، فلم يبدِ فريق المعارضة حماسة مشابهة لمواقف رئيس الجمهورية، باستثناء محافظة رئيس مجلس النواب نبيه بري على علاقة خاصة به، من دون أن تلامس الحد الذي تميّزت به علاقة بري بالرئيس الأسبق الياس الهراوي، كما يصف الأمر مصدر مطلع على أوضاع بعبدا. ولا يمكن إغفال تأثير عدم ارتياح قسم كبير من قوى المعارضة إلى وزير الدفاع الياس المر، الذي أصر سليمان على توزيره في الحكومة الأولى لعهده.
ومنذ بدء مشاورات تأليف الحكومة، وجهت أوساط معارضة اتهامات عدة إلى رئيس الجمهورية بأنه لا يمارس صلاحياته، وأنه لم يتدخل لمحاولة إخراج الوضع السياسي من المعضلة التي وقع فيها. وقد بقيت قوى 14 آذار متمترسة حول موقف منسوب إلى سليمان، يتحدث عن وضع فيتو على توزير الراسبين، وهو البند الذي حمّلته قوى الأكثرية النيابية ثوب عرقلة الاستشارات الحكومية. ولم يصدر عن رئيس الجمهورية أي موقف ينفي فيه ما تنسبه قوى 14 آذار إليه. وما زاد الطين الرئاسي بلة هو ما تنسبه إليه بعض الأوساط المعارضة لناحية رفضه التدخل في المفاوضات الدائرة بين الطرفين، وبالتحديد عندما زاره الثلاثي علي حسن خليل وجبران باسيل وحسين الخليل في بيت الدين. وتشير هذه الأوساط إلى أن رئيس الجمهورية قال لوفد المعارضة حينها إن عليهم حلّ مشكلتهم مع الرئيس المكلف تأليف الحكومة سعد الحريري مباشرة. وكذلك أخذت الأوساط ذاتها على الرئيس عدم قدرته على «المونة» على الحريري لإرجاء اعتذاره عن التأليف الأول أياماً قليلة لإفساح المجال أمام تشاور إضافي.
بقيت الأمور على حالها، إلى أن أطلق سليمان موقفه في نهاية الأسبوع الفائت، قائلاً إن سوريا وإيران لا تتدخلان سلباً في الشؤون اللبنانية، وإن عدم توزير الراسبين ليس دستوراً، وإنه إذا كان عرفاً فقد خرق أكثر من مرة. انقلبت الآية. قوى المعارضة رحبت بـ«الموقف الصحيح لرئيس الجمهورية» بحسب العماد ميشال عون. أما قوى 14آذار، فلاذ معظمها بالصمت، قبل أن يخرج عدد كبير من سياسييها لإعادة تأكيد الموقف الرافض لتوزير الراسبين، لكن من دون توجيه أي انتقاد إلى رئيس الجمهورية. وبحسب نائب القوات اللبنانية، أنطوان زهرا، فإن رئيس الجمهورية «فوق السجالات. ونحن نحترم رأيه، رغم أن اقتناعنا هو عكس ما قاله في شأن توزير الراسبين». وقد ذهب بعض قوى 14 آذار أبعد من ذلك، إذ أعطى النائب السابق مصطفى علوش بعداً إيجابياً لكلام سليمان، عبر القول إن موقف الأخير يهدف إلى إيجاد مخارج للأزمة الحالية. وفي الوقت عينه، أكدت قوى 14 آذار تميزها عن موقف رئيس الجمهورية من التدخل الإيراني ـــــ السوري، إذ صبّت جام غضبها عليه، مركزة على ما تنشره الصحف السورية في لبنان بوصفه «تدخلاً سافراً في الشؤون اللبنانية».
إلا أن ذلك لم يؤدّ إلى نفي الانزعاج الكبير الموجود عند هذه القوى، وبالتحديد عند الحريري والقوات اللبنانية. وبحسب أحد المقربين من الحريري، فإن الأخير تدخل عند نواب تيار المستقبل ومسؤوليه لعدم الرد على موقف سليمان أو انتقاده. أضاف المصدر أن انزعاج الحريري من موقف سليمان «لا يتعدى الإطار الشكلي. فالرئيس المكلف كان يفضّل أن يتبلغ هذا الموقف من رئيس الجمهورية مباشرة، لا عبر وسائل الإعلام». في المقابل، وبحسب أحد زوار القصر الجمهوري الدائمين، فإن سعد الحريري لا يزال «منزعجاً من موقف الرئيس سليمان، رغم أن هذا الموقف يعفي الحريري من الإحراج الذي ستسببه له مستقبلاً إعادة توزير جبران باسيل. ففي هذه الحالة، يمكن الحريري القول إنه بقي رافضاً لتوزير باسيل، وإنه وافق نزولاً عند رغبة رئيس الجمهورية في ذلك». هذه الحادثة يعطيها المقرّب من سليمان دليلاً على خطأ كل الاتهامات التي كانت توجه إلى الأخير، بخصوص موقفه المنحاز إلى قوى 14 آذار أو استهداف التيار الوطني الحر. وفي النقطة الأخيرة «لم يكن سليمان بحاجة إلى هذا الموقف لنفي خصومته مع العماد عون. فعلى حد قول المصدر ذاته، «كان رئيس الجمهورية في مجلس الوزراء أبرز الداعمين لمعظم ما طرحه الوزير جبران باسيل بشأن وزارة الاتصالات. وكان هذا الدعم يقدّم فوق الطاولة لا تحتها». وسليمان، بحسب المقرب منه، «لديه نمط غير اعتيادي من التعامل مع الأمور المطروحة للنقاش. فهو يستشير عدداً كبيراً من المساعدين المقربين، ويستمزج آراءً مختلفة قبل اتخاذ أي موقف. وحتى اليوم، ثبت أن مواقفه كانت دوماً صائبة، رغم أنها لم تكن دوماً شعبية. ويضرب المصدر مثلاً خطاب الرئيس في قمة قطر التي أقيمت خلال العدوان الإسرائيلي على غزة، أو موقفه الأخير بشأن التدخل الإيراني والسوري».
ويؤكد المصدر أن مواقف سليمان تكون «دوماً مبنية على معطيات لا تكون بالضرورة متوافرة عند طرفي النزاع، اللذين يتخذ كل منهما موقفه بناءً على مصالحه». وما هي هذه المعطيات التي دفعت سليمان إلى اتخاذ موقف رأت فيه المعارضة انتصاراً لها؟ لا ينفي المصدر وجود معطيات تشير إلى التفاؤل بقرب الاتفاق على تأليف الحكومة. إلا أن الموقف مستند بالدرجة الأولى «إلى الهدف الذي يسعى إليه رئيس الجمهورية، أي تأليف حكومة وحدة وطنية، وهو ما دفعه إلى تأكيد أنه لن يوقع سوى مرسوم حكومة وحدة وطنية. وقد وازن الرئيس بين كفتين. في الأولى حكومة الوحدة الوطنية، وفي الثانية رفض توزير الراسبين، فرجح الأولى». لكن لماذا لم يتدخل سليمان بجدية لإنهاء المعضلة الحكومية؟ يعود المصدر مباشرة إلى الحديث عن الصلاحيات المنقوصة للرئيس من ناحية، لافتاً إلى ضرورة القيام بورشة تشريعية على الصعيد الدستوري. أما من الناحية الثانية، يختم المصدر، فإن سليمان «يقيس الوقت بميزان خاص به. ومَن قال إن وقت الحسم قد حان؟».
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018