ارشيف من :أخبار لبنانية

النتائج المفترضة: كما تأثر لبنان بالسلبيات .. سيتأثر بالإيجابيات

النتائج المفترضة: كما تأثر لبنان بالسلبيات .. سيتأثر بالإيجابيات

نبيل هيثم - السفير

بدأت الفنادق السورية تضج بوسائل الإعلام العربية والأجنبية التي تتقاطر الى دمشق، مستبقة القمة المرتقبة بين الملك عبد الله بن عبد العزيز والرئيس بشار الأسد.

يؤشر هذا التهافت الإعلامي الى قرب انعقاد القمة، ويعكس الحضور المسبق لتلك الوسائل رغبتها في ألا تفوّت من مشهدية هذا الحدث شيئاً، في ظل تحضيرات يقال إنها غير مسبوقة، تتجه لجعل القمة حدثاً تاريخياً من حيث جدول البحث المشترك، واستثنائياً من حيث شكل الاستقبال وحجم الحفاوة بالملك الضيف، وعلى نحو يخرج من الاستقبال والحفاوة من كونهما عنوانين مظهريين أو شكليين، بل يجعلهما عنوانين جوهريين قابلين للتسييل سياسياً.
المعطيات المحيطة بالقمة الوشيكة، تؤشر الى غياب الملف اللبناني عن سلم أولويات جدول أعمال البحث بين عبد الله والأسد، وفي موازاة ذلك، يبدو الواقع المحلي في ظل الحراك الخارجي السوري السعودي عاطلاً عن العمل السياسي المجدي، مستغرقاً في استشارات نيابية مفتعلة لزوم ما لا يلزم، منتظراً أن تلفحه نسمات ترطب الجفاف السياسي القاتل وتحرك بوصلته الداخلية أكان في الاتجاه الإيجابي او السلبي.

المثير في هذا الانتظار، ان العين اللبنانية بشكل عام، ترصد الحدث الدمشقي بكل تفاصيله، وتصر على ان ترى ملف لبنان نقطة بحث مركزية بين الملك السعودي والرئيس السوري، متكئة بإصرارها على قاعدة تفيد بأنه حتى ولو أسقط الملف اللبناني بإرادة الطرفين السعودي والسوري من سلم اولويات القمة، فإن طبيعة تموضع لبنان في عمق سياسة البلدين قد لا تسمح لهذه القمة أن تتجاهل ملف لبنان أو أن تمر عليه مروراً عابراً. علماً بأن العين ذاتها، مرّت بتجربة سابقة لم يمض عليها الزمن، اذ انها في غياب أية معطيات حسِّية او ملموسة، افترضت وجود لبنان في قمة جدة الأخيرة ولقاء الساعتين بين عبد الله والأسد، وقررت ترقب إيجابيات عن اللقاء المذكور، وكان لهذا الترقب، الأثر الواضح في تراجع حدة الخطاب المتشنج، وبروز مرونة ملموسة في التعاطي السياسي تعمقت معها هدنة سياسية غير معلنة، ما زالت مستمرة.

وإذا كان الرصد الداخلي يتقاطع عند فرضية وجود لبنان بنداً لا بد منه في جدول أعمال القمة، فإنه يقوم بدوره على نظرات اربع:

الأولى: نظرة واقعية، تؤثر عدم الإفراط في التفاؤل او التشاؤم، وترى ضرورة الاستفادة من تجارب الماضي ومن ثم التعاطي مع النتائج بسلبياتها أو إيجابياتها إن ظهرت، خطوة خطوة. والأساس هنا قاعدة الفول والمكيول.

الثانية: نظرة متعجـِّلة أسيرة رغبات وتمنيات، تفترض ان مجرّد اللقاء السوري السعودي على هذا المستوى، يعني تمخض القمة عن قرار بالإفراج عن الحل اللبناني وإسقاطه على الحلفاء في لبنان.

الثالثة: نظرة قلقة من بلوغ القمة حد إنتاج صفقة تطيح بمكاسب وامتيازات اطراف تخاف أن تأتي الحلول على حسابها. ويحاول اصحاب هذه النظرة الاتكاء على فيتو اميركي يفترضون انه ما يزال موجوداً بعدم السماح بإعادة إنتاج «سين سين» في لبنان على الأقل في المدى المنظور.
الرابعة: تلقي نظرة شاملة على الحراك العام، السوري السعودي، السوري الأميركي، السوري الفرنسي، لتصل الى قناعة بسعي جدي لإنضاج « أمر ما»، وبالتالي لم تكن السعودية لتقوم بهذه الاندفاعة لو لم تتلق إيماءة ما او ضوءاً أخضر أميركياً بالتواصل المباشر مع سوريا.

واقعياً، يتوزع أصحاب النظرات الثلاث على مدى المساحة السياسية الداخلية، وتتقاطع جميعها كما هو واضح، عند افتراض نتائج لبنانية للقمة السورية السعودية، وكل منها تراها بحسب رغباتها او تمنياتها، ما يقود الى السؤال التالي: كيف ستتبدى نتائج القمة لبنانياً رغم ان لبنان ليس بنداً مباشراً فيها؟
يقرأ مرجع سياسي في القمة تحولاً جذرياً، فمجرد أن يزور الملك عبد الله سوريا ويحتفى به كما هو مقرر، فإنها تنقض عملياً، او تطوي مرحلة بدأت في 14 شباط 2005، أي منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، مع كل ما اعترى العلاقة بين البلدين من تشنجات والتباسات، وتأثيراتها المباشرة في الساحة اللبنانية. وبالتالي كما حصد لبنان في الماضي سلبيات تلك العلاقة، فليس ممكناً أن تحجب عنه الاستفادة من إيجابيات القمة. يقول المرجع السياسي المذكور إن القمة قد تؤدي الى إحداث انقلاب في الوعي العام، فعدو الأمس قد يصبح صديق الغد، ولننتظر.

ويفترض المرجع السياسي المذكور ارتدادات مباشرة على المسار الحكومي اللبناني، بما يعني العودة المباشرة الى إعادة إحياء «تفاهم دمشق» الذي حكم التكليف الاول لسعد الحريري، أي إعادة الحياة الى صيغة الـ15/10/5، على اساس الثوابت السياسية التي تم التفاهم حولها آنذاك، وبات من الصعب اعتماد صيغة بديلة، ولا سيما أن الـ15/10/5، شكلت اساس تفاهم دمشق آنذاك، على قاعدة انها الصيغة الأمثل التي يمكن ان ترعى التوازن الداخلي وتتحكم به.
وفي تقدير المرجع المذكور أن الارتدادات ستشمل كامل الطقم السياسي من دون استثناء، فالرئيس المكلف سعد الحريري، قد يكون أكثر المتأثرين (ليس بالمعنى السلبي)، اذ انه يقف حالياً على تخوم مرحلة جديدة قد تقوده الى دمشق، ليس زائراً لها فحسب، بل سياسياً ايضاً. ولا يقل عنه النائب وليد جنبلاط، الذي راهن على الحل السعودي السوري، وبنى عليه خياراته الاستراتيجية المقبلة، والأولوية بالنسبة اليه هي ان يذهب الحريري الى دمشق ، ويطوي صفحة السنوات الصدامية.

ولا شك، في رأي المرجع السياسي أن الإيجابيات من شأنها ان تولد حكماً مناخاً هادئاً وبارداً، وبالتالي أكثر من يستفيد في هذا الجو هي المقاومة، حيث يخرجها التوافق الداخلي المعطوف على الايجابيات من دائرة التصويب عليها وإقلاقها في امور سجالية. وأما في الجانب الموازي هنا، فإن اكثر المرتاحين من الإيجابيات إن تحققت، هو الرئيس نبيه بري، الذي يرى ان «السين سين» هي بحيرة المياه الطبيعية التي تسبح فيها الأسماك اللبنانية المتعطشة دائما للأوكسجين السوري السعودي.

وأما في الجانب المسيحي، كما يقول المرجع السياسي، فيبدو ان منطق رفع الصوت الذي بادر إليه سمير جعجع قبل أيام، ليس أكثر من محاولة هروب من أن يكون «الكبش « لهذه الزيارة أو أي تسوية تؤكد صدارة ميشال عون في الشارع المسيحي، وفي الحكومة المنوي تشكيلها... بعد حين.


2009-10-01