ارشيف من :أخبار لبنانية

ماذا تريد أمريكا من سوريا ولها؟

ماذا تريد أمريكا من سوريا ولها؟

يتفاءل المتفائلون بالفطرة بزيارة نائب وزير الخارجية السوري فيصل المقداد لواشنطن ويتعجّلون الاستنتاج بأن أمريكا “عَفَت”، أخيراً، عن سوريا وأدخلتها في نعيم رضاها. يقولون إنها هي من دعا المقداد إلى زيارتها، الأمر الذي يؤكد طي صفحة الماضي غير التليد. ثم يجمح بهؤلاء الخيال فيتصورن دوراً مفتاحياً تعتزم واشنطن إسناده إلى دمشق في المنطقة.


التفاؤل مستحب، لكن حذار من الإفراط به. ثمة حاجة لدى أمريكا إلى خفض العداء لسوريا بعد صعود إيران ووصول علاقاتها (وعلاقات أوروبا) معها إلى مفترق حاسم، فقد تعجز أمريكا وأوروبا في محادثات جنيف عن تطويع إيران ما يستوجب تشديد العزلة عليها وصولاً إلى حصار أشد وعقوبات أقسى. ما تريده أمريكا، في هذه الحال، ألاّ يبقى لإيران في عالم العرب حليف أو صديق أو متنفس. يقولون: إذا كانت سوريا غير موافقة على فك تحالفها مع إيران، فلتفكّر في ما قد يصيبها من أذى في حال توسيع الحصار على إيران ليشمل حلفاءها أيضا. فلتفكر في ما يمكن أن يصيبها من خسارة سياسية وربما عسكرية إذا ما قررت “إسرائيل”، بضوء أخضر من واشنطن، استهداف حزب الله بحرب جديدة قد تمتد إلى قلب سوريا.


باختصار، أمريكا تريد تحييد سوريا في الصراع، التحييد لا يتعلّق بموقف سوريا من إيران فقط، بل بموقف سوريا من “إسرائيل” أيضاً. ذلك أن ما يهم أمريكا، بالدرجة الأولى، ان تتوقف دمشق عن احتضان تنظيمات المقاومة الفلسطينية والمقاومة اللبنانية. وهي تظنّ أن دمشق تستثمر علاقاتها الجيدة مع إيران من أجل دعم تنظيمات المقاومة.


إلى ذلك، ظنّ كثيرون أن تأجيل زيارة عاهل السعودية إلى دمشق سببه خلاف بين البلدين حول تأليف الحكومة اللبنانية الجديدة، هذا غير صحيح. سبب الخلاف أو التباين موقفُ سوريا المؤيد لتنظيمات المقاومة الفلسطينية الذي فسره الأمريكيون بأنه معادٍ لمبادرة أوباما ومحبط للمفاوضات المراد إجراؤها بين الفلسطينيين و”الإسرائيليين”. الرياض أرجأت، وقتها، تطبيع العلاقات مع دمشق لئلا تتهمها واشنطن بأنها تتحفظ، هي الأخرى، ولو بصورة غير مباشرة على المفاوضات. لكن، بعد إخفاق أوباما في إلزام “إسرائيل” بوقف الاستيطان وبولوج المفاوضات على أساس مرجعية “خريطة الطريق” وبالتالي مبادرة السلام العربية، فقد راجعت الرياض موقفها وقررت انتهاج سياسة مغايرة قوامها ترفيع التضامن العربي في وجه “إسرائيل” لحملها على تعديل موقفها. في هذا السياق دعت الرياض الرئيس بشار الأسد إلى افتتاح جامعة جدة المتقدمة وقررت إحياء زيارة عاهلها لسوريا.


فلسطين هي، إذاً، السبب الرئيس لخلاف واشنطن مع دمشق. ذلك أن فلسطين هي بوصلة السياسة السورية في المنطقة. فالتفاهم الاستراتيجي مع إيران مسوّغه الاستقواء بها لعدم تمكين أمريكا، ومن ورائها “إسرائيل”، من ليِّ ذراعها للتخلي عن دعم تنظيمات المقاومة في فلسطين ولبنان.


إلى فلسطين، ثمة بوصلة أخرى لسوريا: العراق. فالولايات المتحدة ما زالت جاثمة على صدر العراق، وهي لن تخرج منه إلاّ بعد توليف طاقم سياسي حاكم موالٍ لها وقادر على الصمود عقب انسحاب قواتها. غير أن لسوريا في العراق هدفاً آخر. انه تسريع خروج الأمريكيين لتمكين القوى الوطنية من التلاقي على إقامة نظام سياسي مستقل عن إرادة واشنطن وصديق لسوريا ولجميع دول الجوار.


حاولت أمريكا مراراً، بالضغط وبالإغراء، إقناع سوريا بأن تساعدها داخل العراق لإقامة نظام موالٍ لها قادر على الصمود. سوريا رفضت. فكان أن اتهمتها واشنطن مجدداً بأنها تسمح لعناصر إسلامية سلفية بالتسلل إلى العراق، وبأنها تحتضن أيضاً تنظيماً لمجموعة كبيرة من الضباط العراقيين المعادين للاحتلال ولحكومة المالكي. كل هذه الضغوط لم تنجح مع دمشق التي بقيت على مسافة غير ضيقة من واشنطن.


حدثان وقعا أخيراً حملا الولايات المتحدة على تعديل موقفها من سوريا، تعثّر مبادرة أوباما بسبب تعنت حكومة بنيامين نتنياهو، وإعلان إيران عن بناء منشأة جديدة لتخصيب اليورانيوم ونجاحها في إطلاق صواريخ باليستية بعيدة المدى. كلا الحدثين جعلا لإيرن في حسابات أمريكا وأوروبا أولوية على ما عداها من قضايا وتحديات إقليمية. ومع ان أوباما يفضل طريق الدبلوماسية والتفاوض في معالجة الأزمة مع إيران، إلا أنه لوّح بأن عدم الوصول إلى نتائج إيجابية على هذا الصعيد سيؤدي إلى سلوك طرق أخرى بينها العقوبات الصارمة، وربما استعمال القوة.


من هنا تنبع مجدداً الحاجة إلى سوريا، فأمريكا تريد من سوريا أن يكون لها دور مساعد ومهدئ مع الفلسطينيين ومع المقاومة في العراق ولبنان. شعار أمريكا المرحلي، “لتكن سوريا صديقة لإيران ولكن حذار أن تكون عدائية تجاه أمريكا و”إسرائيل” في هذه المرحلة العصيبة”. هذا محور النقاش بين واشنطن ودمشق في هذه الآونة.


قيل أيضاً إن واشنطن ضاعفت من إغراءاتها وتهديداتها. الإغراءات، إلى كثرتها، تبقى غير مجزية. غير أن التهديدات تبدو خطيرة، فقد تردد أن واشنطن حذرت دمشق من أن استمرار تعاونها الاستراتيجي مع إيران قد يدفع “إسرائيل”، في حال فرض عقوبات جديدة قاسية على الجمهورية الإسلامية، إلى أن تنتهز الفرصة وتهاجم حزب الله والمقاومة اللبنانية وحتى سوريا نفسها.


من المبكر، بعدُ، ان يتفاءل المتفائلون بالفطرة.
 
"الخليج" - عصام نعمان
 

2009-10-03