ارشيف من :أخبار لبنانية

فضل الله: شعوب أمتنا التي ذاقت مرارة الاحتلال والقتل والتشريد وسلب الحرية لم تجد إلاّ خياراً واحداً هو المقاومة

فضل الله:  شعوب أمتنا التي ذاقت مرارة الاحتلال والقتل والتشريد وسلب الحرية  لم تجد إلاّ خياراً واحداً هو المقاومة
أكد عضو كتلة الوفاء للمقاومة النائب الدكتور حسن فضل الله  إن عالمنا العربي والإسلامي يتعرض لهجمة دولية متواصلة تتوسّل كلَّ أسلوبٍ ممكن، من الغزو بقوة السلاح والمال، والتكنولوجيا، إلى محاولة فرض منظومة قيم اجتماعية والنفاد إلى مفاهيمه التربوية والأخلاقية لتحوير وجهته الثقافية والروحية. كل ذلك بهدف السيطرة على مقدراته ، ونهب ثرواته ، واستلاب هويته، بعدما تمكنت تلك الهجمة من انتزاع فلسطين من قلب الأمة وزرع الكيان الصهيوني ، ثم تكررت على رقعة بلادنا الإسلامية بواسطة هذا الكيان وهو ما رأيناه في بلدنا لبنان أو بأيد أمريكية مباشرة كما هو الحال في العراق وأفغانستان.
ألقى النائب  فضل الله في الجمعية العامة الثالثة لاتحاد الإذاعات الإسلامية المنعقد في طهران محاضرة حول المقاومة وإنجازاتها في لبنان والمنطقة ، جاء فيها :
   إن عالمنا العربي والإسلامي يتعرض لهجمة دولية متواصلة تتوسّل كلَّ أسلوبٍ ممكن، من الغزو بقوة السلاح والمال، والتكنولوجيا، إلى محاولة فرض منظومة قيم اجتماعية والنفاد إلى مفاهيمه التربوية والأخلاقية لتحوير وجهته الثقافية والروحية. كل ذلك بهدف السيطرة على مقدراته ، ونهب ثرواته ، واستلاب هويته، بعدما تمكنت تلك الهجمة من انتزاع فلسطين من قلب الأمة وزرع الكيان الصهيوني ، ثم تكررت على رقعة بلادنا الإسلامية بواسطة هذا الكيان وهو ما رأيناه في بلدنا لبنان أو بأيد أمريكية مباشرة كما هو الحال في العراق وأفغانستان.
   إن مواجهة هذه الهجمة بأبعادها العسكرية والثقافية والاقتصادية ، كانت تتطلب استنفار طاقات الأمة في الميادين المختلفة، واعتماد خيار المواجهة من خلال الانتظام في مقاومة جادة ومخلصة ومسؤولة، للدفاع عن وجودها وكرامتها ومقدساتها ، استنفار للطاقات في الميدان العلمي والتكنولوجي أيضاً ، وبالمناسبة هنا فإن محاولة الغرب احتكار التكنولوجيا النووية هو جزء من مشروعه لإبقاء هيمنته، لذلك يحاول حرمان دولة مثل إيران من حقها الطبيعي في الاستفادة من الطاقة النووية السلمية .
   إن شعوب أمتنا التي ذاقت مرارة الاحتلال والقتل والتشريد وسلب الحرية والاستقلال ، لم تجد إلاّ خياراً واحداً هو المقاومة، فانبثقت في كل أرضٍ محتلة انتفاضة ومقاومة وممانعة، هذا هو حال الشعب الفلسطيني اليوم الذي منذ عقود يقدم التضحيات حتى تمكن من استعادة غزة ، ويقف في ساحات المسجد الأقصى مدافعاً عن مقدساته ، ولو تخلّى العالم كله عنه بل وتواطَئَ بعضه عليه بما فيه بعض ذوي القربى.
   نحن في لبنان اعتمدنا هذا الخيار، أي المقاومة المسلحة القوية المصممة على تحرير الأرض ودرء العدوان ، وقد أمكن لها أن تحرر معظم الأرض اللبنانية ، وأن تحميها في مواجهة الحروب الإسرائيلية المتكررة ، وهي اليوم بعد حرب تموز صيف 2006 وباحتضان شعبها تقف على خط النّار الأمامي أكثر تصميماً على مواصلة دربها ، تمتلك الإرادة والعزم والإمكانات المتراكمة للقيام بمسؤولياتها في تحرير الأرض وحمايتها .
   هذه المقاومة أرست معادلة جديدة من عناوينها : أنّ الغزوَ العسكري الإسرائيلي ، لإحتلال الأرض والسيطرة عليها، لم يعد خياراً متاحاً بعد التجربة اللبنانية ، فالمقاومة بانجازاتها لا تحمي الأرض اللبنانية فقط ، إنما انتزعت من العقل الإسرائيلي وهْمَ القوة القادرة على ضم أراضٍ جديدة، فحمت كل أرض محلّ طمع إسرائيل ، إن عدونا يطلق بين الحين والآخر التهديد والوعيد لكنه يدرك أنه لم يعد مطلق اليدين في اتخاذ قرار العدوان ، وأن بلداً مثل لبنان لم يعد يؤخذ بالتهويل ما دام فيه مقاومة قوية متيقظة قرارها الدائم التصدي لأي عدوان وإلحاق الهزيمة به، لقد بتنا نسمع ضجيجاً إسرائيلياً أكبر بكثير من الفعل ، وعملاً مقاوماً دؤوباً ،لكن بصمت ، لا تظهر مفاجآته إلاّ في ساحات الميدان.
    من وهج هذه المقاومة وإنجازاتها تستلهم شعوب وحركات تحرر تجربتها ، فهي مدرسة جهادية أرست قواعد جديدة للعمل المقاوم.
   نحن اليوم في مرحلة مواجهة هذه الهجمة الدولية والبدء بإلحاق الهزائم بها ، وكلما هزمناها في موضع ، أو أحبطنا أسلوباً من أساليبها ، سيشتد أوارها خشية السقوط الكامل ، لذلك نراها تطل علينا بأوجه أخرى ، من بينها إثارة الاختلافات والنعرات والفتن بين الأديان والمذاهب والقوميات والأعراق، وإشغال كل شعب بهمومه ومشاكله وصراعاته الداخلية ، ومحاولة إملاء نمط حياة عليه ، يخالف ثقافته وقيمه ، وأخطر الوسائل المستخدمة في هذه الهجمة الجديدة محاولة النفادِ إلى العقل والوجدان من خلال الضخ الإعلامي المكثّف ، بعدما أدرك الغزاة الدوليون استحالة هزيمة الإرادة الممتلئة أصالة وانتماء ، وهنا تكمن المسؤولية الكبرى الملقاة على عاتقنا لجهة ردّ هذه الهجمة بتثبيت مبدأ الوحدة في مواجهة التفرقة ، والتكاتف في مواجهة الانقسام ، ورصّ الصفوف في مواجهة الفتن.
   لئن ألقيت على عاتق المقاومين مهمة درء العدوان العسكري وأمكن لمقاومتنا أن تنجح بنسب كبيرة في هذه المهمة ، مستفيدة فضلاً عن الأبعاد الروحية من القوة العسكرية ومن التقنيات الحديثة، فإن درء الهجمة الجديدة من مهمات وسائل إعلامنا ، ونحن انطلاقاً من تجربة المقاومة في لبنان نستطيع القول أننا تمكنّا من توظيف الوسائل المختلفة لمواجهة الحروب الإسرائيلية ، وخضنا صراع عقول ووعي ، فحتى الصورة كانت شريكة البندقية في إنجاز الانتصارات ، والكلمة كانت جنباً إلى جنب مع الرصاصة ، لأن المقاومة ليست فعلاً عسكرياً محضاً ، بل هي إيمان وجهاد وتضحية وثقافة وفن وكلمة وصورة ، هي قائد ، ومقاوم ، وشهيد ، وأم ، وزوجة ، وأولاد ، وأسرة ، هي مجتمع متكامل.
   لنأخذ من واقع التجربة، ما قدّمته المقاومة حتى في الميدان الإعلامي، لقد كان يسيطر على الوعي العربي منذ نشأة الكيان الإسرائيلي، وهم القوة الإسرائيلية الذي صنعته الدعاية الصهيونية ( المجتمع الإسرائيلي المظلوم، والجندي الإسرائيلي القوي المدجج بالسلاح ، والجيش صاحب الهيبة والسطوة، مقابل الجندي العربي البائس الفار مهزوماً، جزء من هذه الصورة مركب ) .
   الذي صنعته المقاومة هو الصورة الحقيقية، وعكستها في الإعلام، فكانت تمارس الحرب النفسية بصور واقعية مأخوذة من الميدان، فبان الجندي الإسرائيلي خائفاً مرعوباً يفر من المعركة، والمقاوم شامخ أمامه النصر أو الاستشهاد، هذه هي الصورة التي رأيتموها في حرب تموز 2006 .
   يُشكّل هذا المؤتمر فرصة مهمة لإيجاد إطار عام للتلاقي والتعاون تستفيد منه وسائل الإعلام ، إذ لدينا مخزون هائل من التراث العربي والإسلامي، مخزون من القيم ، من الثقافة من العادات الأصيلة، من المشتركات في مجتمعاتنا الإسلامية ،ما نحتاج إليه هو تقديم هذا المخزون بقوالب فنيّة جذابة ، تعيد تأصيل الفكر ، وبعث القيم ، ومخاطبة جمهورنا الواسع بلغة قادرة على الوصول إلى العقل والوجدان ، وربما نستطيع القول أن لدينا نجاحات باهرة كما في النتاجات الدينية والاجتماعية التي قدمها الإنتاج الإيراني بشهادات عالمية ، أي لدينا ما نقدمه لمجتمعاتنا وللآخرين ويلقى قبولاً عالمياً . بموازاة مخاطبة جمهورنا نحن معنيون أن نصل إلى الأخر أيضاً فلا نظل المتلقي لهذا التدفق الكبير للنتاج الغربي الموجه والمبرمج، حيث  توغل الفضاءات الأخرى في ضخ ما لديها في شريان حياتنا اليومية .
   إعلامنا الإسلامي يفترض في هذا المجال أن يتبادر إلى أذهاننا سؤال وهو :
   من يفرض العناوين السياسية والثقافية والاجتماعية على مجتمعاتنا ، ومن يحدد أولويات هذه العناوين ؟ أليس الإعلام الغربي ،أو ذلك المستتبع له ، ألا نستطيع نحن أن نحدّد القضايا والموضوعات التي تحتاج إلى معالجة ، ونجعلها المادة اليومية للأطفال وللأسرة وللمجتمع .
   إنهم يحاولون صناعة عقولنا وإنتاج ثقافتنا وعاداتنا وقيمنا وفق قوالبهم . . يحاولون بث الفرقة ونشر الفوضى والفتن . من مسؤولياتنا التصدي لذلك .
   نحن لسنا بحاجة إلى المخيلة لصناعة الإعلام أو تركيب الوقائع لغرس المفاهيم لدينا الكثير الكثير لنقدمه لأنفسنا وللآخرين
2009-10-04