ارشيف من :أخبار لبنانية

لعنة لبنان والحرب المقبلة مع "إسرائيل"

لعنة لبنان والحرب المقبلة مع "إسرائيل"

يحيى دبوق، الاخبار

أثارت دراسة رئيس فرع التطبيقات في سلاح البحرية الإسرائيلي، روبي سندمان، المنشورة في مجلة «معرخوت» الإسرائيلية، التي عرضت «الأخبار» مضمونها قبل أيام، انتقادات في إسرائيل، لأنها تمكّن الأعداء من استخدامها في الحملة المتواصلة لإظهار فشل إسرائيل. في الوقت ذاته، أثارت تساؤلات في الجانب الآخر، فـ«كيف للجيش الإسرائيلي أن يسمح بإصدار دراسة تشير إلى إخفاقاته وفشله، وتعظّم قدرة أعدائه وأدائهم في الحروب؟».

رغم أن الدراسة أثارت سجالاً إسرائيلياً وحفيظة عدد من المسؤولين الإسرائيليين، إلا أن السجال عاد ليتراجع سريعاً، فلا مصلحة للجيش الإسرائيلي بإشراك جمهوره وأعدائه في نقاشات عسكرية مهنية تظهر فشله، وتنظر في سيناريوات مفترضة للحرب المقبلة وسبل مواجهتها، وخصوصاً أن الدراسة تُقر بعدم وجود ردود على جملة من السيناريوات المتطرفة، الممكنة الوقوع في حروب إسرائيل المستقبلية.

سبق الانتقادات الإسرائيلية حديث لرئيس أركان الجيش الإسرائيلي، غابي أشكنازي، حمل معاني مختلفة في أكثر من اتجاه، إذ قال: «الجيش الإسرائيلي جيش يحرص على مبدأ الانتقاد والانتقاد الذاتي، ويحرص على تصحيح الأخطاء التي يقع بها، ويتحدث عنها بوضوح وصراحة، فنحن لسنا مثل أعدائنا الذين يبحثون أمورهم في الخفاء، ونادراً ما يصدر عنهم انتقاد ذاتي».

في حديث أشكنازي وتأكيده للانتقاد الذاتي، إضافة إلى تنويهه بمضمون الدراسة ونتائجها، اعتراف غير مباشر بما ورد فيها. أي إنه يُقرّ بتفوق حزب الله في ميادين عديدة، منها الميدان الاستخباري والاستراتيجي والعقيدة القتالية وغيرها من الميادين... علماً بأن الدراسة وإقرار أشكنازي بنتائجها، لا يجب أن يفاجئا أحداً، إن في إسرائيل أو لدى أعدائها، إذ إن لجان التحقيق العسكرية الإسرائيلية، التي زادت على أربعين لجنة تحقيق منذ انتهاء الحرب، وفي مقدمها لجنة فينوغراد، أقرت في خلاصاتها بهذه النتائج وغيرها. وتالياً، تصطفّ هذه الدراسة إلى جانب لجان التحقيق المختلفة، في إقرارها بتفوق حزب الله على الجيش الإسرائيلي، في حرب عام 2006.

الجديد الذي أثارته الدراسة، يتعلق بسيناريوات الحرب المقبلة مع حزب الله، بوصفها سيناريوات نظرية ممكنة، مع حديث عن عجز إسرائيل عن مواجهة عدد منها... ومن ناحية نظرية، لا يمكن الجيش الإسرائيلي أن يستبعد، نتيجة مفاجآت عام 2006، أياً من السيناريوات، ومن ضمنها سيناريو «المجموعات الصغيرة» وقدرتها على «اجتياح» شمال إسرائيل. أما من ناحية عملية، فتبقى السيناريوات المسماة «متطرفة»، مسألة تحتاج إلى عناية أهل الاختصاص من العسكريين ودراستهم لمعرفة إمكان تحققها، شرط أنيتوافر لديهم معرفة جيدة بإمكانات العدو وإمكانات المقاومة، وهي مسائل قد تكون، بل هي، مستعصية على الاستكشاف، أقله لجهة المقاومة، الأمر الذي يصعّب على المختصين إيجاد إجابات قاطعة، ومنها، بالتأكيد، رفض إمكان تحقق هذه السيناريوات.

وسواء أكان سيناريو المجموعات الصغيرة متطرفاً أم غير متطرف، واقعياً أم غير واقعي، فإن إثارته من مسؤول رفيع المستوى في الجيش الإسرائيلي، مختص بالنظرية القتالية وتطبيقاتها، بمشاركة من أربعة وعشرين ضابطاً آخرين، تشير إلى المكان الذي يحتله تهديد حزب الله في الوعي الإسرائيلي، ومدى الجهد الذي يستهلكه العمل على مواجهته وإيجاد الردود عليه.

يشير أحد القارئين جيداً لإسرائيل وما يحدث ويتفاعل فيها، إلى أن صدمة الفشل عام 2006، أمام آلاف عدة من المقاتلين في جنوب لبنان، رغم القدرة والإمكانات الواسعة التي يتحلى بها الجيش الإسرائيلي إلى درجة الغطرسة، لم تكن صدمة من تلك الصدمات التي يمكن تجاوزها بسهولة... فمنذ ما يزيد على ثلاث سنوات، يواصل المسؤولون العسكريون في إسرائيل حديثهم عن التدريبات وعمليات التأهيل والتزود بأحدث الوسائل القتالية، كي يكونوا على استعداد لحسم الحرب إذا وقعت مع حزب الله... ويخيّل لمن يسمع أحاديث المسؤولين الإسرائيليين أن الدولة العبرية تستعدّ لمواجهة جيش الولايات المتحدة وجيش الاتحاد السوفياتي السابق مجتمعَين، علماً بأن كارثة إسرائيل قد تتحقق، رغم تواصل تحضيراتها العسكرية وغير العسكرية للمواجهة، ذلك أن السيناريوات المتطرفة والممكنة الوقوع من أعدائها كثيرة جداً، ومن غير الممكن إحاطتها والحيلولة دونها... مع «كامل الاحترام» لإبداع مبلوري السياسة العسكرية في إسرائيل.

يقول غابي أشكنازي، في مقابلة نشرتها صحيفة «معاريف» قبل أيام: «سترافقنا ذكريات عن البلدات اللبنانية والقرى المجاورة، عن الهضاب والنباتات التي أمضينا خلفها ليالي طويلة ومخيفة. سترافقنا هذه الذكريات جميعاً حتى آخر يوم في حياتنا... بوصفي مقاتلاً وقائداً في قيادة المنطقة الشمالية على مدى أكثر من جيل كامل، عرفت لبنان، هذا البلد الجميل والملعون، المرتوي بدماء أصدقائي وأبناء جيلي». يبدو أن أشكنازي يعرف لبنان جيداً، ولا يغيب عنه ما فيه من قدرة على مواجهة المعتدين والمحتلين، ما يرسّخ صورة البلد الملعون في وعيه. وليأمل جنود الجيش الإسرائيلي أن تبقى هذه الصورة راسخة، كي تردع أشكنازي عن المغامرة في الساحة اللبنانية مجدداً.


2009-10-05