ارشيف من :أخبار لبنانية
تحذير غربي من فتنة او عدوان اسرائيلي !... لماذا ؟
العميد الدكتور امين محمد حطيط
بات المشهد اللبناني محكوماً في صورته الاخيرة باتجاهين متناقضين ، اتجاه فيه الايجابيات الظاهرة و توحي باقتراب تشكيل الحكومة اللبنانية التي تعثر انجازها منذ نيف و 15 اسبوعاً ، و اتجاه فيه السلبيات الباطنة و الظاهرة على السواء التي تمنع عملية التشكيل هذه لان التأخير الذي فرض اصلاً لم يستنفذ غاياته بعد . و لكن الجديد في الامر ان الذين منعوا تشكيل الحكومة حتى الان ، بدأوا يلمسون محدودية مفاعيل العراقيل التي اطلقوها بوجه تشكيل الحكومة منذ ان انطلقت عجلته . و هنا يتشكل " الخطر " الذي يبرر السؤال : هل ان اميركا و من معها ستضطر و من اجل تأخير خسارتها للقرار في لبنان ، او منعها اصلا ً ستضطر الى اللجوء الى العمل العسكري باحد نوعيه او بالوجهين معا؟ خاصة وان العاملين وفق اشارتها بدأوا يرددون ذلك ؟
نطرح السؤال لاننا نختزن في الذاكرة امور مشابهة .ففي العام 2006 عندما احرج الفريق الاميركي على طاولة الحوار، لدى مناقشة موضوع سلاح المقاومة و بعد ان استطاع السيد حسن نصرالله تحويل النقاش من "كيفية نزع سلاح المقاومة " الى البحث في استراتيجية دفاعية تحمي لبنان "، كان القرار الاميركي بالحرب التي استهدفت السلاح و حامليه لتستغني عن الحوار و اهله ، و في العام 2008 و عندما تيقن الفريق الاميركي من طول صبر المعارضة و قدرتها على انتظار انتخابات 2009 ، عمدوا لاستفزازها بقرارات تظهر النية بالبدء بتزع سلاح المقاومة من باب "تعطيل سلاح الاشارة " عبر ما سمي يومها بتفكيك شبكة الاتصالات لدى حزب الله ، و و اجبرت المقاومة على رد دفاعي اجهز الخطة و الزم اميركا و تابعيها بالقبول بصيغة الشراكة في الحكم اللبناني . و اليوم ترفض اميركا دخول حزب الله في الحكومة مع فريق المعارضة وترفض امتلاك هذه المعارضة القدرة على فرض التوازن في القرار الوطني السيادي لانها ترفض استمرار مفاعيل اتفاق الدوحة "الظرفي" الذي منع اميركا من الاستئثار بالقرار اللبناني . انها تريد العودة الى "عهد فيلتمان" الذي اسقط في 7ايار 2008 ، و ووضع اليد على لبنان لاستعماله في معالجة ملفاتها في المنطقة فان لم تستطع فانها ستناور و تداور حتى تؤخر وقوع الخسارة بشكل نهائي .
و في الواقع نجحت اميركا في خطتها التأخيرية نجاحاً بينناً و منعت تشكيل الحكومة قبل تشرين الاول الحالي الموعد الذي حدد لبدء التفاوض حول الملف النووي الايراني ، و لكن يبدو ا ن تسارع الاحداث في غير مصلحة اميركا في المنطقة بدأ يزعجها ، و باتت تخشى ان يفلت زمام الامر من يدها و تفاجأ بصدور مراسيم حكومة "ائتلاف وطني" يحفظ المعارضة في ثلث ضمني ضامن للتوازن الوطني ، مراسيم تكون بمثابة نعي لمرحلة اميركية دامت لنيف و اربعة سنوات خلت . و هنا يكوان التساؤل حول ردة الفعل الاميركية الاستباقية ،أ و اللاحقة.
يبدو ان اميركا باتت على شبه قناعة اليوم ، بان استمرار "عهد فليتمان " في لبنان بات صعباً ان لم يكن مستحيلاً ، و لهذا فانها اعتمدت استراتيجية تأخير التغيير في هذا البلد ،للفترة التي تلزمها لاستعمال لبنان اداة ضغط في ملفات اخرى ، كما وانتظار المتغيرات المستقبلية عساها تحمل ما يريح اميركا في المنطقة رغم ان الارهاصات الاولية تشير بعكس ذلك .
و لكن وسائل التأخير العادية استنفدت كما يبدو ، بدءاً من مماطلة في مقاربة موضوع التشكيل الى سياحة مصطنعة للمكلف بتشكيل الحكومة ، الى اختراع موانع داخلية لا تمت الى الدستور او العرف الدستوري بصلة من قبيل عدم توزير الراسبين في الانتخابات، الى مناورة تشكيل حكومة خارج الاعراف و النصوص الدستورية الى الاعتذار ، ثم المماطلة في الاستشارات بعد التكليف الثاني للمعتذر. كلها اوراق استنفدت صلاحياتها ، و بات اصحاب الشأن امام واقع جلي لا يمكنهم من الاستمرار في التسويف ، و جاءت التطورات الاقليمية لتزيد من انكشاف الخطة وتضع المعرقلين الحقيقين امام التحدي الكبير : هل يذعنون ؟ و تكون الهزيمة ؟ ام يخترعون اوراق تعطيل جديدة و يؤخرون التشكيل عبرها .
و اذا كان اذعانهم اليوم و قبولهم بتشكيل الحكومة في لبنان وفقاً لمقتضيات العيش المشترك و العدالة و الساواة الدستورية (المختلفة عن العدالة و المساواة الحقيقية) امر غير محتمل الحصول قبل الاسبوعين المقبلين (تاريخ الاجتماع الثاني لمؤتمر خمسة زائد واحد مع ايران ) فاننا نخشى من لجوئهم الى الاسلوب الاخر في العرقلة، و الذي فيه اللجوء الى السلاح . و هذا ما يفتح مجال الاسئلة عن كيفية التنفيذ ، او الاسلوب الذي لا يعدو واحد من اثنين او الاثنين معاً . :فاما حرب اسرائيلية تهدف الى قلب الطاولة و تغيير المشهد اللبناني ، او فتنة داخلية تعطل الحراك و عندها تشكل الحكومة بعد اخماد الفتنة و على ضوء نتائجها الميدانية .
اما عن الحرب الاسرائيلية فاننا ، و رغم التهويل و الترويج الاعلامي لها من قبل وسائل الاعلام المسيرة اميركياً (لبنانية او عربية كانت ام غربية ) فاننا لا زلنا عند قناعتنا بان اسرائيل التي تريد هذ الحرب انتقاما لهزيمتها ، اسرائيل هذه لم تجهز بعد للدخول فيها ، لذلك لا نرى بان اللجوء الى الحرب سيكون سلوكاً معتمداً ، و سيبقى التهديد بها اجوفاً و نظرياً الا اذا شاءت اميركا ان تفاقم المأزق الاسرائيلي و ان تراكم انتصارات حزب الله ، و هذا ما لا يمكن ان يتصور احد صدوره عن اميركا .
اما الفتنة الداخلية و الحرب الاهلية التي تخرج اميركا من احراجها ، فلا يبدو ان بالمقدور اضرام نارها و جعلها في مساحة كافية من لبنان تتعطل معها الحركة السياسية اللازمة لتشكيل الحكومة ، لا بل بالعكس قيد يكون مثل هذا التفجير عاملاً ضاغطاً على المنفذين المحليين يجردهم من اقنعتهم و يلزمهم بالتشكيل وأداً للفتنة و الا تحملوا مسؤوليتها .
و لكن يبقى في الجعبة ورقة لا يمكن استبعاد استعمالها ، و تتمثل بحركة اغتيالات نوعية منتقاة ، او حرائق موضعية متنقلة ، تعطي كل منها مهلة ايام تصل الى الاسبوع للمما طلة و التأجيل المطلوب اميركياً ، ورقة يبدو ان اللجوء اليها غير مستبعد خاصة مع تصاعد الحديث عن اصوليين عرب استقدموا الى لبنان و "اختفوا فيه " ، او تنظيمات محلية شرعت باستعادة تاريخها المليشياوي .
و مع هذه المخاطر الامنية تطرح مسؤولية المعنيين المباشرين بتشكيل الحكومة الذين يعرفون او عليهم ان يعرفوا بان المعارضة و في حضنها المقاومة لن تسمح بترك قرار لبنان لتستأثر به فئة او جهة محلية او خارجية ، كما انها ليست بوارد الانجرار الى فتنة داخلية و لكن لن تسلم رقبتها لمن يريد رأسها ، و اما الحرب فاذا شنتها اسرائيل فان المقاومة هي الان في جهوزية افضل و افعل مما كانت عليه في العام 2006 و لن يستفيد المماطلون خاصة المحليين من نتائجها لا بل العكس قد يكون تماماً بالنسبة لهم ، و اذا كانت اميركا تنظر الى لبنان و تقول " لنا او للنار" فهل يرد المسؤولون في لبنان بالقول "لبنان لنا و نريده نعيماً لابنائنا " ؟ نتمنى.....
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018