ارشيف من :أخبار لبنانية
ابتهاج نتنياهو وليبرمان بإنجازات تأجيل العدالة الدولية ونجاح محاولات دفنها
حلمي موسى، السفير
أظهر رئيس الحكومة الأشد يمينية في تاريخ إسرائيل, بنيامين نتنياهو ووزير خارجيته, أفيغدور ليبرمان أنه خلافاً للتقديرات المتسرعة التي راجت في البداية, يمكن لحكومتهما أن تحقق إنجازات دولية. فقد قيل الكثير وكتب الكثير عن «الضغط الأميركي» لوقف الاستيطان ولتحريك العملية السياسية, ولكن «الصمود» الذي أبداه نتنياهو وليبرمان آتى أكله وتراجعت إدارة أوباما وعقدت القمة الثلاثية بالشروط الإسرائيلية.
ولأن الولايات المتحدة هي «الملعب البيتي» للفريق الإسرائيلي من أي لون كان لم يثر التراجع بل وانزياح «الضغط الأميركي» نحو الجانب الفلسطيني كثير استغراب. فالحكومة الإسرائيلية تلعب في أميركا «على ملعبها وبين جمهورها» وتستطيع أن تمنح نفسها ترف التمنع والدلال. ولكن ليس هذا حال إسرائيل في المحافل الدولية، خصوصاً الأمم المتحدة ومؤسساتها. فهناك تشعر إسرائيل بأحاسيس غربة كبيرة جراء اختلاف موازين القوى ورغم الهيمنة الأميركية. ويمكن القول إن حكومات إسرائيل المتعاقبة تبارت في إبداء السخط والازدراء للمؤسسات الدولية وقراراتها, مما سهل في الغالب تحولها إلى «ملعب بيتي» للعرب والفلسطينيين.
ومن الجلي أن الطرف الفلسطيني الرسمي الذي يفاوض إسرائيل تعامل منذ بدء العملية السياسية وفق رؤية تفيد بأن المحافل الدولية هي ورقة القوة في هذه المفاوضات. ولهذا أصر العرب والفلسطينيون في كثير من الأوقات على عدم تسهيل استفراد إسرائيل بهم مع أميركا وطالبوا على الدوام بحضور أممي ولو رمزي. بل إن السلطة الفلسطينية تخلت تقريباً عن كل أوراق القوة لديها مكتفية بورقة الشرعية الدولية.
ويبدو أن هذه الورقة في طريقها للضياع بعد أن تبنت حكومة اليمين المتشدد في إسرائيل سياسة ابتزازية واضحة. ففي سبيل منح شركة الاتصالات «الوطنية» موجات أثير لتفعيل شبكة الهاتف الخلوي الثانية ليس مطلوبا من الفلسطينيين سوى سحب شكاويهم ضد جرائم الحرب الإسرائيلية أمام المحكمة الجنائية الدولية. وفي الأيام الأخيرة أضيف إلى ذلك تهديد بأن إقرار تقرير غولدستون وتحويله إما إلى مجلس الأمن الدولي أو إلى المحكمة الدولية يقضي على فرص تحقيق السلام في المنطقة.
ولا ريب في انه بحساب النتائج تبين أن العناد والابتزاز الإسرائيلي مجديان. وبوسع نتنياهو وليبرمان الاحتفال ليس فقط بتحقيقهما إنجازا سياسيا من الدرجة الأولى ينفع درساً للأجيال المقبلة وإنما, وهذا هو الأهم, أن الفلسطينيين والعرب يفقدون ورقة القوة الأخيرة لديهم في المحافل الدولية. فإذا كان المسؤولون الفلسطينيون على استعداد للمتاجرة أو المناورة بدماء ضحايا غزة فلماذا ينبغي لطيبي القلوب في العالم أن يدافعوا عن هؤلاء الضحايا.
ويتسم حساب الجدوى هذا بأهمية خاصة في ضوء تغييرات تجري في العالم وتتأثر بها إسرائيل. فالفصل بين السلطات, والذي كان شائعا على الصعيد المحلي في الدول التي تحترم نفسها, صار يفرض نفسه في الحلبة الدولية ليس فقط في المحافل الأممية وإنما أيضا في أخذ دساتير عدد متزايد من الدول بقواعد العدالة الكونية.
وهكذا نجد أنه في الوقت الذي صدر فيه تقرير غولدستون نشب السجال في النخبة الإسرائيلية بين المتغطرسين والواقعيين. ورأى المتغطرسون, وبينهم الكثير من القادة السياسيين والعسكريين, أن بالوسع دفن التقرير بقليل من الجهد. وبالمقابل فإن عددا من الواقعيين, وبينهم رجال قانون وسياسة, أن التقرير سيشق طريقه إلى الرأي العام العالمي ليشكل إدانة صارخة لإسرائيل وسلوكها السياسي. وطلب الأخيرون من الحكومة أن تبادر إلى تشكيل لجنة تحقيق رسمية أو لجنة فحص تظهر للعالم أن إسرائيل تحاسب نفسها وتراجع أخطاءها.
بل إن عددا من افتتاحيات الصحف الإسرائيلية طالبت بتشكيل لجنة فحص أو تحقيق كهذه. وجرت مناقشة رئيس المحكمة العليا الإسرائيلية السابق أهرون باراك في أمر ترؤس مثل هذه اللجنة. ولم يكن خافياً على أحد أن السجال الجاري لا يدور فعلاً حول ما حدث وإنما أصلاً حول ما سيحدث.
فالجيش الإسرائيلي, وبمنطق لوائحه الأخلاقية التي بلورها له خبراء عسكريون وقانونيون, يركز اليوم أكثر من أي وقت مضى على تراتبية من نوع جديد. فالأولوية هي لتحقيق هدف إنجاز المهمة, تليها المحافظة على أرواح الجنود وفي المقام الثالث تأتي حماية المدنيين. وبنظرة بسيطة يتبين أنه من أجل تحقيق المهمة في ما بات يعرف بـ«القتال غير المتماثل» أي «ضد قوى غير نظامية» «مندمجة بين السكان» لا قيمة لأرواح المدنيين. والمهم أن لا يصاب الجنود الإسرائيليون بأي أذى وفق مبدأ «صفر إصابات» أو ما شابه.
ولهذا السبب فإن نجاح إسرائيل في لي ذراع المحافل الدولية في كل ما يتعلق بتقرير غولدستون ينطوي على أثر مستقبلي. فمن لم يفلح في معاقبة إسرائيل على جرائمها في حرب لبنان الثانية وعجز عن معاقبتها في حرب غزة سوف يصعب عليه في الحرب القادمة العثور على من يقف إلى جانبه في الدعوة لمعاقبة إسرائيل. لقد شاءت الظروف أن توفر للعرب والفلسطينيين, عبر تقرير غولدستون, أهم لائحة اتهام صارخة ضد إسرائيل وجرائمها عبر قاض يهودي جريء ونزيه وجرى تضييع الفرصة. تقول منظمات حقوق الإنسان إن تأخير العدالة إنكار لها. وتكون الطامة الكبرى عندما تطلب الضحية تأجيل العدالة. فقد تكون استطابت الدور وآلامه.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018