ارشيف من :أخبار لبنانية

على الحكومة ان تقوم بجهد من اجل الاستفادة من التحسن الاقتصادي وتحسين وضع المالية العامة

على الحكومة ان تقوم بجهد من اجل الاستفادة من التحسن الاقتصادي وتحسين وضع المالية العامة
رئيس المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق عبد الحليم فضل الله  لـ"الانتقاد":
الوضع الاقتصادي مستقر، وتقدير معدلات النمو معقول وعادي


مصعب قشمر

يعتبر رئيس المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق عبد الحليم فضل الله ان لبنان يعيش حالة من الاستقرار الاقتصادي، لكن هذا الوضع مربوط بحسن استخدام الموارد المتاحة، ويرى ان نسبة النمو المقدرة بـ7% هو رقم معقول، لكنه يرى فيه نموا غير متين، لارتباطه بمجموعة ظواهر، وإذ يدعو الحكومة الى الاستفادة من تحسن الوضع الاقتصادي فانه يدعو الى عملية تكامل بين السياسات النقدية والمالية والاقتصادية، وان لا تقتصر الأولوية على السياسة النقدية، كما انه يدعو الحكومة الى العمل على توسيع قاعدة المستفيدين من نهضة النمو، وان لا تقتصر فقط على قاعدة ضيقة من مكتتبي سندات الخزينة والعاملين في قطاعي السياحة والعقارات.
"الانتقاد" التقت الخبير الاقتصادي فضل الله وأجرت معه حوارا شاملا عن الوضع الاقتصادي والمالي والنقدي في لبنان، وهنا نص المقابلة:

على الحكومة ان تقوم بجهد من اجل الاستفادة من التحسن الاقتصادي وتحسين وضع المالية العامةـ هناك تقديرات بان النمو في لبنان سيبلغ 7% هذا العام، ما هو سب هذا التفاؤل وما هي دلائله؟

هذا الرقم معقول وعادي، نوعيا اذا قسنا هذا الرقم مع المعدلات السابقة من التسعين حتى اليوم هو من الأرقام النادرة، هذا نعتبره نموا ايجابيا غير متين ومرتبط بمجوعة ظواهر، بعضها نتائجه لن تكون ايجابية طوال الوقت، السبب الأول هو الموسم السياحي كان ايجابي، وهذا شيء جيد، الموسم السياحي ساعد على تدفق أموال تحولت مباشرة الى مداخيل.
الموضوع الثاني وهو لا يخفى على احد وهو المال الانتخابي الذي لا توجد تقديرات رسمية حوله، لكن كان هناك ضخ انتخابي هائل كبير جدا، ساعد على تحريك الدورة الاقتصادية، وهذا الضخ الانتخابي تحول الى موجة استهلاك عالية، لانه تم توزيعه على عدد كبير من الناس واستفاد منه عدد كبير من الناس.
الموضوع الثالث هو استمرار تدفق الأموال من الخارج وهي في جزء منها تحويلات وجزء آخر ودائع، وهذا مرتبط بمجموعة عناصر منها انه حتى اليوم، وهذا لحسن الحظ ان المغتربين اللبنانيين والمهاجرين اللبنانيين لم يتضرروا ولم تلحق بهم اضرارا جسيمة جراء الازمة العالمية. وبقيت قدرتهم على إرسال الأموال الى لبنان، كما ان نسبة البطالة التي أصابتهم هي نسبة اقل من معدلات البطالة العالمية التي تسببت فيها الازمة العالمية.
هذه هي الأسباب التي تشجع وتؤدي الى تحسين المناخ الداخلي في لبنان، وبيئة لبنان هي مقصد للاستثمارات، رغم ان كمية الاستثمارات في لبنان تراجعت قليلا لكن اقل من انكماش الاستثمار العادي، الانكماش المباشر في العالم كان حوالي 20% بينما في لبنان بقي الاستثمار المباشر ومعظمه في القطاع العقاري بحدوده السابقة أو تراجع قليلا، كل هذه المناخات ساعدت على تحقيق نسب النمو هذه.

ــ  في حال تحقق هذا النمو، من هي الفئات التي ستستفيد منه، وما هو تأثيره على الخزينة وعلى خفض مستوى الدين العام؟
بالنسبة لخفض الدين العام هو طموح كبير جدا، لكنه يساعد، لانه هناك علاقة عكسية ما بين النمو والدين العام، نمو الدين العام ليس نموا يدخل في الأرقام المطلقة ، نموه نسبة للناتج وهذا النمو يكون اقل نسبيا بالنسبة للناتج، كلما كانت معدلات النمو أعلى من معدلات الاستدانة، كلما كانت معدلات الاستدانة أدنى من معدلات النمو الاقتصادي كلما يكون نسبة الدين للناتج تتباطأ وتتراجع. وهذا ممكن ان يحصل اذا صار فيه معدل نمو على هذا الشكل (7%).
الشيء الثاني، على الحكومة ان تقوم بجهد، ليس فقط ان نقول بات لدينا نسبة نمو عالية، بل على الحكومة ان تقوم بجهد من أجل الاستفادة من التحسن الاقتصادي وتحسين وضع المالية العامة .
اما الفئات المستفيدة وهذا شيء سلبي، فهي قاعدة ضيقة من القطاعات الاقتصادية والوحدات الاقتصادية، وعدد قليل من المستفيدين أفرادا أو عائلات داخل البلد، يعني ان جزء من الأموال تأتي من الخارج يتم استيعابها في قطاعين: القطاع الأول هو القطاع العقاري والمجال الثاني هو سندات الخزينة، وبالتالي فان 95% من سندات الخزينة  يحملها اقل من 2و3 % من الأشخاص.
امر اخر هو ان القطاعات التي استفادت من النمو العقاري والسياحي لا زالت قاعدتها ضيقة غير منتشرة مناطقيا ولا تخترق الطبقات الاجتماعية المختلفة، وهذا ليس له علاقة بالقطاع نفسه، المشكلة ليست في القطاع بل المشكلة في السياسات الحكومية التي لا تسمح لهذه القطاعات ان يكون لها دور ايجابي او ان تكون قطاعات واعدة  وقدراتها تتسع لتشمل مناطق مختلفة وشرائح مختلفة ايضا.
يعني اليوم تبتعد عن بيروت مسافة عشرين كلم بعدها لا يوجد أوتيل، ومن المعروف ان مناطق الاصطياف والسياحية لا تقتصر على بيروت، أبعد عن بيروت بشعاع عشرين كلم لا ترى اوتيل لا توجد بنية تحتية سياحية حتى الخدمات العامة. في مناطق كثيرة هي سياحية او اصطياف لا توجد طرقات مناسبة للوصول إليها، مثل إقليم التفاح، وهذا ليس ادانة للقطاع السياحي بل إدانة للسياسات الحكومية التي عملت البنية التحتية او سمحت ان تكون البنية التحتية متمركزة في منطقة معينة.

على الحكومة ان تقوم بجهد من اجل الاستفادة من التحسن الاقتصادي وتحسين وضع المالية العامةــ هناك ودائع  في لبنان وصلت الى 18 مليار دولار، كيف يمكن الاستفادة منها، وما هي سلبياتها وايجابياتها، اذا لم يتم الاستفادة منها، وهل يمكن الاستفادة من هذه الودائع لتحسين الوضع الاقتصادي او في دعم الخزينة وخفض الدين العام؟
بمعزل عن الرقم الذي تحدث عنه حاكم البنك المركزي في لبنان ، فان الكلام هو 12 مليار دولار في بداية العام ، ما نريد ان نقوله هو ان الودائع التي تأتي الى البلد هي مديونية، يعني هو شكل من أشكال الاستدانة، كلما تدخل وديعة على القطاع المصرفي هو دين على القطاع المصرفي ويرتب فوائد، ليس معنى ذلك ان الودائع سلبية، سلبية او ايجابية بحسب استعمالها، لو دخل مئات مليارات الدولارات على البلد ولم يتم استيعابها بالطريقة الصحيحة يتحول الى عبء، لانه عبء على الاقتصاد وعبء على القطاع المصرفي ومن ثم عبء على البنك المركزي لانه مضطر ان يقف الى جانب المصارف لمساعدتها على تمويل هذه الكمية من الودائع.
اما في مجالات الاستثمار في الداخل فان السياسة المصرفية والسياسة النقدية في لبنان لا تشجع على توسيع دائرة المقترضين والمستفدين من الخدمات المصرفية ومن الائتمان المصرفي، اذا لم يعمل جهد في هذا الاتجاه سيتحول هذا الكم الهائل من الودائع من فرصة الى خطر، من عامل ايجابي الى عامل سلبي لانه سيتحول الى كلفة صرف، كلفة مطلقة بينما اليوم لا يوجد لدينا مجالات هائلة للاستفادة منها من تمويل القطاعات الإنتاجية، الذي توجد هناك عوائق تحول دون استفادة القطاعات الإنتاجية المختلفة من الائتمان المصرفي، مثل تشجيع وإعادة تنظيم مصارف الاستثمار، لا يمكن ان نكتفي  بالمصارف التجارية لأنها لا تستطيع ان تقرض على المدى البعيد، يجب ان نشجع ونعيد تنظيم مصارف الاستثمار، اليوم يوجد مصارف الاستثمار لكن هي ليست مصارف استثمارية بمعنى الكلمة ، الحكومة يجب ان تكون وسيط أي عليها ان تلعب دور محفز للمصارف من اجل توسيع دائرة استفادتها.
اليوم عبر "كفالات"، الحكومة تكفل نوعية من القروض لكن حتى اليوم قاعدة المستفيدين قلائل، يجب ان نوسع إمكانية الاستفادة من دعم القروض حتى تشمل شرائح أوسع بكثير من الشرائح المستفيدة حاليا.

ـ هل من الممكن ان يتم الاستفادة من الودائع في خفض الدين العام ودعم الخزينة؟
حتى اليوم ليس كثيرا لان الوعاء الضريبي في لبنان لا زال مربوط بقطاعات محددة، مربوط بقطاع النقل وبالموظفين الذين يدفعون الضرائب بصورة مباشرة ومربوط بالاستهلاك الداخلي أي القيمة المضافة، لكنه ليس مربوطا بالقاعدة الأوسع للاقتصاد اللبناني التي تشكل التحويلات جزء أساسي، الاقتصاد اليوم في لبنان هو بحدود 27 الى 29 مليار دولار التحويلات تشكل حوالي 7 مليار دولار إضافية يعني أنها تشكل ربع الناتج لكنها ليست جزءا من الناتج . بينما الوعاء الضريبي لا زال مقتصرا على النشاط الاقتصادي التقليدي، حتى تستفيد الحكومة والخزينة تستفيد ينبغي إعادة النظر بالنظام الضريبي بحيث يلحظ هذه التحويلات وبحيث تستفيد الخزينة من هذه التحويلات، حتى اليوم لا توجد ضريبة على الودائع لكن لا يوجد اختراع ضريبة على الفوائد التي يستفيد منها المكتتبون بسندات الخزينة التي تشكل جزءا كبيرا من الاستعمالات المصرفية . يعني اليوم أي شخص يستفيد من سندات الخزينة ليست مفروضة عليه الضريبة. يجب يتم تطوير النظام الضريبي بحيث ياخذ بعين الاعتبار ان هذا البلد لا يعتاش فقط  على حركة الإنتاج وإنما يعتاش على التحويلات ويستند الى تدفق الأموال والودائع من الخارج.

ــ  يقال ان نسبة الودائع المرتفعة في لبنان تعود الى السياسة النقدية الناجحة في لبنان، ما الفرق بين السياسة النقدية والسياسة المالية والاقتصادية؟
السياسة النقدية هي السياسة التي  يرسمها عادة المصرف المركزي بأي دولة  في العالم، والتي تركز على كيفية الحد من التضخم في ارتفاع الأسعار، وكيفية التحكم في وضع سياسات للفوائد وكيفية امتصاص السيولة  داخل السوق او زيادة السيولة داخل السوق، بينما السياسة المالية هي سياسة حكومية لها علاقة بالموازنة العامة، لها علاقة بالإيرادات والنفقات والعجز والدين العام، اما السياسة الاقتصادية فهي المنظور الشامل الذي تعتمده الدولة في تنمية وتطوير وتحسين القطاعات الاقتصادية المختلفة، لان أي بلد تكون سياسته رشيدة يجب ان يكون هناك تكامل بين هذه السياسات الثلاثة. يعني السياسة النقدية والسياسة المالية والسياسة الاقتصادية ينبغي ان تكون متكاملة، ليس كل سياسة تُرسم على حدا.
اليوم في لبنان بدل ان تكون السياسة المالية  والسياسة النقدية مسخرة لخدمة السياسة التنموية، نرى العكس نرى السياسة الاقتصادية والسياسية والمالية في خدمة السياسة النقدية، وهذا امر خاطئ وغير صحي، يعني ان الأولوية هي للسياسة النقدية مثل استقرار اسعار الصرف، نحن لسنا ضده بل نؤيده، عن سياسات امتصاص السيولة وكبح التضخم والتحكم بأسعار الفائدة، لأسباب ليس لها علاقة بمتطلبات النمو الاقتصادي لها علاقة اما بتثبيت النقد، اما بتأمين اموال كافية للحكومة من اجل تمويل الدين العام، هذا امر خاطئ وغير صحي.   
   
على الحكومة ان تقوم بجهد من اجل الاستفادة من التحسن الاقتصادي وتحسين وضع المالية العامةــ  برأيك لماذا السياسة النقدية في لبنان ناجحة أكثر من السياسة الاقتصادية؟
السياسة النقدية هي سياسة مباشرة، يعني ممكن التحكم فيها بصورة ميكانيكية، اول شيء لان في البد ارتسم شيء غلط من بداية التسعينات، عندما وضعت أولوية واحدة بالبلد هو الحفاظ على استقرار اسعار الصرف، وهذا ليس غلط، هذه أولوية لا تكفي لوحدها بل يجب ان تكون أولوية ضمن منظومة أولويات متساوية، يعني إستقرار أسعار الصرف، الهدف منه استقرار اجتماعي أو الهدف منه تحقيق معدلات النمو. لا يكفي أن تكون الأولوية في استقرار الصرف ونقطة على السطر، بل يجب ان يكون ضمن اولويات متجانسة ومترابطة ومتساوية، الذي حصل الآن تم الاقتصار على سياسة واحدة وهدف مركزي هو استقرار سعر الصرف، بالنهاية نحن استطعنا شكليا ان نحافظ على استقرار أسعار الصرف، لكن بدون ما نحقق مترتباته، أي الأهداف الأخرى المرتبطة بهذا الموضوع مثل النمو وغيره. عندما وضعت أولوية أخذت جانب أساسي من اهتمام السياسيين وراسمي السياسات، يعني ان راسمي السياسات في البلد تعاطوا باهتمام مكثف مع هذه الأولوية واهملوا الاولويات الأخرى، من اجل ذلك كان هناك نجاح لهذه السياسة، وفشل السياسات الأخرى. الشيء الاخر هو ان السياسة النقدية ميكانيكية، يعني مجرد ان يؤخذ قرار بموضوع معين فإنه من الممكن تطويره. اذا اردنا ان نحفظ التضخم نسحب السيولة من السوق، واذا اردنا ان نحافظ على مستوى سعر الصرف يمكن ان يتدخل المصرف المركزي، اما بشراء الليرة او الدولار من اجل الحفاظ على الاستقرار يمكن ان يتحكم بصورة شبه ميكانيكية بأسعار الفائدة، ما يسمى بسعر الحسم، الذي يحدده مصرف لبنان. بينما السياسات الاقتصادية تحتاج الى جهود معقدة أكثر ومركبة أكثر، وتحتاج الى سياسات تتابع بدقة وتحتاج الى شراكة وطنية وقرارات سياسية يمكن تنفيذها، وهذا امر لا يتم ميكانيكيا او بلحظة زمنية واحدة، فهي تحتاج الى مسار ورؤية واضحة، وهاتين الاثنتين لم تكونا موجودتين عند السياسيين، السياسيون لم يعطوا هذا الموضوع الأولوية المناسبة، عدا عن انه حتى كان يُظن ان هذا الموضوع يُعطى الأولوية لم تكن السياسات ملائمة ايضا، وهنا نستطع ان نراه في الموازنة العامة، فقد تُعطى بعض الوزارات التي ترعى الأمور الإنتاجية، يمكن ان نراه في توزيع الاستثمارات من عشر سنين الى خمسة عشر سنة الى الآن، وكم حصة المناطق الإنتاجية المختلفة .

ــ  أين هي مكامن القوة ومكامن الضعف في الاقتصاد اللبناني؟
مكامن الضعف في الاقتصاد اللبناني أولا في انخفاض الإنتاجية، الاقتصاد اللبناني إنتاجيته منخفظة، وهذا عطب تاريخي في الاقتصاد، وليست جديدة، حتى قبل الحرب الأهلية كانت الإنتاجية منخفظة في لبنان.
مكمن الضعف الثاني انه لا يوجد توازن في توزيع الموارد ما بين القطاعات المختلفة، هناك قطاعات تأخذ اهتمام ورعاية أكثر من قطاعات أخرى. قبل الحرب كانوا يقولون ان في لبنان هناك اهتمام بالخدمات ولا يوجد اهتمام بالزراعة، بعد الحرب صارت الأمور أصعب، صار حتى الاهتمام بالخدمات غير موجود عدا قطاعات محددة والتي هي مثل السياسة في بعض المناطق، بعض الخدمات في الوساطة المالية وغيرها، بينما خدمات أخرى كان لبنان متميز بها، تتراجع مثل التعليم والصحة مثل الخدمات الاستشارية الكمية والهندسية وغيرها.
مكمن الضعف الثالث هو في نزف الموارد البشرية، للاسف لبنان يصدر موارد بشرية او عمالة ماهرة ويستورد العمالة غير الماهرة، هذا يؤثر سلبا على الاقتصاد اللبناني.
رابع ضعف يمثل في الاستثمار في القطاعات، ضعف الاستثمار في الاقتصاد اللبناني، الاستثمارات هي غير موزعة بطريقة كفوءة، وفي نفس الوقت حجم الاستثمار الدائم في لبنان هو اقل من اللازم، يعني اقل من مستوى النمو في لبنان. من الامور التي قلناها، لا يوجد اقتصاد ينمو ويعمل قفزة الى الامام من دون ان يكون هناك اهتمام بالصناعة، كل الاقتصادات التي عملت نهضة وخصوصا في أسيا، لم تعمل نهضة من خلال الخدمات، قطاع الخدمات اولا هش وغير مرن ولا يستطيع ان يتكيف مع الظروف الصعبة. زائد على ذلك انه لا يشغّل اعدادا كبيرة من العمالة  المتنوعة، يعني عمالة ماهرة وغير ماهرة عمالة فنية وغير فنية، يشّغل نوعية محددة فقط في الخدمات، بينما الصناعة تشغل اكبر مروحة ممكنة من العمالة الماهرة وغير الماهرة، تجد المهندس والإداري والفني وغيره، كذلك الموظفون الاداريون والعمال، فهو قاعدة أساسية للتطوير ويحفز على تطوير البحث العلمي، وهذه واحدة من نقاط الضعف، أي موضوع البحث العلمي في لبنان. لبنان ينبغي ان يعتمد على القطاعات التي تستوعب العمالة الماهرة التي تقوم على القيمة المضافة العلمية، للاسف هذا غير موجود لان معدلات نسبة الإنفاق على البحث العلمي في القطاع العام والقطاع الخاص منخفظة جدا، من المشاكل الأساسية  هي في انحراف بنية التكاليف، أي ان التكلفة مرتفعة جدا قياسا لكل الدول المحيطة . فلبنان وموقعه التنافسي ضعيف، فقدرته على التصدير منخفظة وقدرته على المنافسة الإقليمية منخفظة، واحدة من اسبابها هو ارتفاع الأسعار، أي اليد العاملة المرتفعة( التكاليف المرتفعة) لكن اكثر من ذلك هناك الخدمات التي يستفيد منها المنتجون مرتفعة ، البنى التحتية كلفة استعمالها مرتفعة، مدخلات الإنتاج مثل الكهرباء شديدة الارتفاع، ارتفاع الأسعار مسألة غير قدرية في لبنان لها علاقة بالسياسات الحكومية، مثلا سياسة الفائدة المرتفعة، ارتفاع اسعار الفوائد من اجل خدمة الدين العام ودعم الليرة، أدى الى ارتفاع التكاليف، مثلا اليوم الإيجارات وكلفة استئجار الأمكنة مرتفعة جدا، الطاقة أسعارها مرتفعة، جزء منه له علاقة بالسياسة الحكومية وجزء منه له علاقة بالبنية الاحتكارية، في الاقتصاد اللبناني، البنية الاقتصادية في الاقتصاد اللبناني بنيته احتكارية، كلما كان الاحتكار شديد الحضور في مكان معين كلما كانت الكلفة مرتفعة، ويصبح التحكم بالأسعار من قبل قلة.
اما مكامن القوة في الاقتصاد اللبناني، قدرته على التكيف مع الظروف الصعبة، يعني في لبنان بالرغم من العدوان الإسرائيلي عام 2006 في نفس السنة كان متوقع للبنان ان تكون نسبة النمو عنده ما دون الصفر، أي خمسة بالمئة تحت الصفر، في نفس السنة التي كان يتوقع فيها لبنان ان يتراجع فيه النمو الى هذا الحد اعطى نسب نمو متواضعة واستطاع ان يزيد من صادراته، يعني ان لديه حصانة ما تجاه الاستهداف الخارجي. عندما  يكون هناك عدوان إسرائيلي يترك أزمة في اللحظة التي يكون فيها العدوان، لكن يستطيع الاقتصاد اللبناني ان يتكيف بسرعة مع نتائج العدوان بفترة زمنية قصيرة، بينما الاضطراب السياسي والأمني الداخلي تكون سلبياته اكبر. ومن مكامن القوة ايضا ان لديه مهارات بشرية ممتازة ولديه موارد بشرية ومادية جيدة وبمعدلات جيدة، لكن لا يستفيد منها للاسف، لديه موارد بشرية وعمالة ماهرة ونسب تعليم اعلى من الدول المحيطة الأخرى، إضافة الى قدرته على اجتذاب الأموال من الخارج، وهذه لو احسن استعمالها لكانت ادت الى نتائج ايجابية.

على الحكومة ان تقوم بجهد من اجل الاستفادة من التحسن الاقتصادي وتحسين وضع المالية العامةـ الى متى سيبقى لبنان مستمرا في سياسة الدين وكيف يمكن وقف هذا النزيف او تخفيضه؟
هذا السؤال صعب، شديد الصعوبة الرد عليه، خصوصا في هذه المرحلة المتأخرة التي استفحل فيها الدين، مع ان هذه السنة يتكلمون عن نسبة تراجع الدين للناتج، أنا اشك بهذه الأرقام، لان صندوق النقد الدولي يقول ذلك ووزارة المالية يقولون بانخفاض معدل الدين للناتج الى 153%  من 163% ، اشكك بهذه الأرقام لان هناك مبالغة بتقدير الناتج، وبنفس الوقت لا توجد شفافية بالإفصاح عن الأرقام عن الدين العام، نحن نعرف الحد الأدنى من الدين العام، لكن هناك دين عام غير معلن مثل اموال المتعهدين والمستشفيات، مثل عملية السواب بين دين واخر من دون ان تكون واضحة كم هو حجم الدين الفعلي. حتى لو اخذنا بهذا الرقم المتواضع 153% وأعود واكرر بان هذا الرقم ليس حقيقي  وهو رقم عال جدا، والبلد صغير والاقتصاد صغير لا يستطيع ان يتكيف معه ببساطة خصوصا انه مرشح للاستمرار. حتى يقدر ان يتجاوز ويخفف من نمو الدين العام، يجب ان يعمل لبنان 3 او 4 سياسات متوازية فيما بينها. السياسة الأولى هي السياسة الاقتصادية، يعني يجب ان يكون هناك شغل على نمو اقتصادي ثابت ودائم، اذا استطعنا ان نسجل لفترة 10 او 15 سنة متواصلة نسبة 7 او 8 % مثل ما تفعل بعض الدول الآسيوية ، فاننا نجعل نمو الناتج اسرع من نمو الدين، هذه واحدة من الامور التي تبطئ نمو الدين في لبنان.
في لبنان الامر الثاني، هي اننا بحاجة الى إعادة نظر بنظام الضريبة، نظام الضريبة حتى اليوم يركز على شرائح وقطاعات، التي هي قطاعات صارت منهكة بالضريبة، لم تعد تستطيع تتحمل اكثر من ذلك، يجب ان نذهب على القطاعات الأخرى التي يحصل فيها تهرّب ضريبي واسع النطاق فيها، يجب ان نوسع قاعدة الضريبة، حتى تشمل أماكن قادرة تتحمل الضريبة، وقادرة ان تؤمن وفرا جيدا للخزينة، الامر الثالث هو انه يجب على القطاع المصرفي ان يكون شريكا بعملية التخفيف من كلفة الدين مع ان هناك موارد وافرة في القطاع المصرفي وهائلة ايضا وتفيض عن حاجته، مع ان القطاع المصرفي اليوم نسبة السيولة فيه تصل الى اعلى نسبة في المنطقة كلها، وعنده كمية كبيرة من الاموال غير المستخدمة، من الممكن ان تدخل الدولة باتفاق مع المصارف من اجل الاستفادة من هذه السيولة الفائضة لتمويل الدين العام بتكلفة منخفضة جدا، هذا يؤدي الى انخفاض التكاليف، ويؤدي ايضا الى انخفاض كلفة الدين العام، وهذا امر مكن الوصول اليه . الان تُطرح الخصخصة، برأي انه فات الأوان حتى يمكن الاستفادة من الخصخصة لتخفيض الدين العام.

ـ  كيف تصف الوضع الاقتصادي في لبنان، هل هو مستقر، منتعش أم في حالة ركود؟
في لبنان اليوم الوضع الاقتصادي اذا أخذناه بالأرقام المطلقة أي الأرقام التي يتم تداولها عادة هو وضع مستقر، اذا اعتبرنا الاستقرار هو عدم وجود انخفاض حاد بنمو الناتج، اذا اعتبرنا الاستقرار هو قدرة الدولة على تمويل الدين العام نحن نعتبر ان هناك استقرار. 
اما اذا اعتبرنا الاستقرار له علاقة بالنمو المتوازي، او له علاقة بتوزيع اكثر عدالة بالدخل، او له علاقة بتخفيض معدلات البطالة، او له علاقة بتحسين ايجاد فرص عمل اضافية وحقيقية للوافدين الجدد على سقف العمل، اذا اعتبرنا هو استقرار معقول باستمرار الخدمات الأساسية في لبنان، فان لبنان هو غير مستقر.
الوضع الراهن مهما كانت معدلات النمو هذا شيء ايجابي ان يكون لدينا معدلات نمو، مهما كان مستوى تدفق الودائع والتحويلات من الخارج كبير، هذا شيء ايجابي وليس سلبيا، هذا لا يكفي حتى ننظر بتفاؤل لمستقبل الوضع الاقتصادي في لبنان.
الوضع الاقتصادي ليس مربوطا بتوفر الموارد، بل مربوط بتحسن استخدام الموارد المتاحة. 

2009-10-06