ارشيف من :أخبار لبنانية
خاص الانتقاد.نت: قطاف الزيتون في الجنوب حكايا القداسة والعطاء وطقوس الإلفة والمحبة العتيقة
غنوة ملحم
ها هي كعادتها كل عام تحمل الخير على أكتافها وتفترش الأرض بأغصانها وتمثل رمزا كبيرا للعطاء الواسع والقداسة أيضا بسبب ذكرها في القرآن الكريم, إنها شجرة الزيتون التي تحتل مكانة عالية في وجدان وقلوب الجنوبيين نظرا لما تمثله من ثروة وقيمة تراثية ارتبطت بالأرض قبل الإنسان، ولطالما اعتبر الجنوبيون موسم قطاف الزيتون موسم خير وبركة وتبادل المحبة والعطاء بين الأرض والإنسان, يعطون شجرة الزيتون قدرا كبيرا من العناية والاهتمام فتبادلهم العطاء بعطاء يكافئ جهدهم وطول انتظارهم.
حان موعد قطاف موسم الزيتون في منطقة صور وفي الجنوب عموما هذا العام باكراً، وانتظر المزارعون نهاية شهر رمضان المبارك لجمع الغلال وجني مصدر رزقهم, وأطلقت معاصر الزيتون العنان "لحجارتها" إيذانا ببدء موسم القطاف، فيما اعاد المزارعون الى حقولهم الحيوية، التي تتجدد مع بداية شهر تشرين الاول من كل عام.
أفراد العائلة بأكملها من الصغير إلى الكبير يتشاركون في قطاف الزيتون، ومن لا يقدر على ذلك، يستعين بالعمال من أجل انهاء القطاف قبل أواخر شهر تشرين الاول تمهيداً لعصر الزيتون وكبسه لموسم الشتاء، ومن كانت غلته وفيرة، فطبعاً سيصدّر فائضه للبيع، حيث يبلغ سعر 'تنكة الزيت" هذا العام مئتين وخمسين ألف ليرة لبنانية.
ويعتبر موسم الزيتون في قرى وبلدات منطقة صور الساحلية، واحدا من اهم مواسم الانتاج، بالنسبة للكثيرين من المواطنين في المنطقة، التي تتركز فيها زراعة الحمضيات والموز، وبينما يسجل المزارعون ارتياحهم لوفرة الانتاج، يؤكدون ضرورة واهمية ترشيد المزارعين وتقديم الدعم المطلوب من وزارة الزراعة لناحية تأمين الاسمدة اللازمة بهدف تحسين الانتاج.
لكن المزارعين لا يخفون المتطلبات المتزايدة لكلفة المواسم، ومنها موسم القطاف، وذلك لجهة ارتفاع اجرة العمال وبدلات عصر الزيتون وحراثة الارض، التي لا تتناسب مع الاسعار التي تتفاوت بين مئة وخمسين ألفاً الى مئتي الف ليرة لصفيحة الزيت، وبين اربعة وخمسة آلاف لكيلو الزيتون الاخضر، والتي بدورها لا تتماشى مع الاوضاع المادية للناس العاديين.
بدء موعد القطاف..
لم ينتظر الستيني ابو محمد ناصر(الرمادية) هطول زخات تشرين الدافئة لتغتسل اشجار الزيتون المعمرة في بستانه معلنة بدء موعد القطاف. فمنذ ساعات الصباح الباكرة يستيقظ الحاج ابو محمد محدقا انظاره بكرم الزيتون الممتد على مساحة 5 دونمات، متلهفا لجني ثمار اشجاره التي طالما حظيت برعايته منذ ان غرسها قبل اعوام طويلة. اما زوجته فلم تنس اعداد سلة من الطعام للعائلة من اجل اعانتهم على سد جوعهم وعطشهم خلال ساعات العمل في القطاف الممتدة منذ شروق الشمس الى غروبها.
تتجمع العائلة صغيرها وكبيرها لتبدأ حملة القطاف وبحوزتهم معدات القطاف من سلالم وفراش واكياس الخيش. يقول الحاج ابو محمد انه بدأ ترقب ثمار اشجاره منذ مطلع الشهر الحالي، منتظرا تلونها بالسواد، حتى يبدأ عملية القطاف، لافتا الى ان ما تم قطافه من ثمار منذ بداية الشهر الحالي تستخدمه العائلة للكبيس حيث تكون حبيبات الزيتون ما زالت مخضرة ونضرة. وتتضافر جهود العائلة منذ اليوم الاول من القطاف ولعدة ايام متتالية، وتتوزع الاعمال بين افراد الاسرة، ففي الوقت الذي يقطف فيه الصبيان ما تحمله الاغصان البعيدة من ثمار، تقوم الفتيات بقطف تلك التي تتدلى قريبا من الارض. وبعدها يأتي دور الاطفال بعد عودتهم من المدرسة لمشاركة الاهل في تجميع حبات الزيتون المتناثرة على الارض.
ويحرص الحاج ابو محمد على الانتهاء من القطاف خلال ايام معدودة حرصا منه على عصر الزيتون بعد القطاف مباشرة لضمان جودة ونوعية الزيت المستخرج. سرعة الانجاز تتطلب من العائلة العمل بنشاط مع الحرص على عدم الحاق الضرر بأغصان الشجر وتجنب استخدام العصا في عملية القطاف. وتصبح عملية القطاف لدى المزارعين اكثر سهولة ويسر مع فرش قطع من القماش تحت اشجار الزيتون لتحتضن الثمار التي تبدأ بالتساقط اثناء القطاف.
وتعتمد غالبية العائلات في بعض القرى الجنوبية على ما تنتجه كروم الزيتون من مادة الزيت لتسد به احتياجاتها المنزلية على مدار السنة، فيما يعرض الفائض من "تنكات الزيت" للمتاجرة. الى ذلك، تحرص العائلات على تحضير مونة المنزل من "الكبيس" بشكل يسد احتياجاتها السنوية، وخاصة ان طبق "الزيتون" يعد وجبة فطور اساسية لغالبية العائلات الجنوبية.
شجرة عطاء وإرث وطني
اما الحاج ابو جميل (الرمادية) فينتظر ما وصفها بـ "شتوة الغسلة" المتوقع هطول امطارها في نهاية الشهر الحالي للبدء بعملية القطاف، مشيرا الى انها تساهم في غسل اشجار كرمه لتزيل ما علق على أوراقها وثمارها من غبار يعيق عملية القطف ويتسبب بتحسس العيون.
ويضيف ابو جميل انه انتهى من جمع حبات الزيتون المتساقطة على الارض والتي تدعى بـ " الجوال " منذ مطلع الشهر الحالي، لافتا الى ان تساقطها يعود لاصابتها بالجفاف الامر الذي يجعل من الزيت المستخرج منها غير صالح للاستهلاك، نظرا لارتفاع نسبة الحموضة فيها. ويقوم ابو جميل كغيره من المزارعين بعصر " الجوال" في معاصر يدوية. ويقوم اخرون ببيع ما تنتجه الثمار الجافة من زيوت لمصانع مختصة بصناعة الصابون فيما يقوم البعض بعصرها مع ما تنتجه اشجاره من ثمار ناضجة الامر الذي يؤثر على نوعية الزيت المستخرج ويجعل من طعمه اكثر حموضة.
وفي الوقت الذي يجهل فيه مزارعون كيفية العناية بثمار الزيتون بعد قطافها، يقوم ابو جميل وعائلته بنثرها على سطح منزله في نهاية يوم القطاف لتعريضها الى أشعة الشمس مع حرصه على " تذريتها" من وقت الى اخر للتخلص من أوراق الزيتون وتجنب اصابتها بالرطوبة. وبعد ان تنتهي العائلة من عملية القطاف التي قد تستغرق اكثر من 4 ايام تتعاون الايادي في تفريغ الثمار بأكياس من الخيش استعدادا لارسالها للمعاصر.
وتحتفل العائلة مع وصول أول "تنكة" زيت من المعصرة بإعداد طبق "الكبة" او "الكمونة" الذي يعتمد في طعمته على كميات زيت الزيتون.
وتعد شجرة الزيتون بالنسبة للحاج ابو جميل وغيره من المزارعين شجرة عطاء وارثا وطنيا يحرص المواطنون على زراعته في مزارعهم وحدائق منازلهم الضيقة، حتى ان اصحاب القصور عمدوا في السنوات الاخيرة لشراء اشجار الزيتون المعمرة وغرسها في ساحات قصورهم للتباهي بها.
اهتمام يقابله مردود
ويلفت المزارع محمد زبد (المنصوري)، الى ان الموسم الحالي للزيتون مقبول، قياسا على الموسم السابق. ويضيف ان بلدتنا تعتبر من اكبر البلدات المنتجة للزيتون والزيت في المنطقة، وتضم اراضيها عشرات آلاف الاشجار، التي تشكل موردا فعليا للعائلات. وقال ان شجرة الزيتون تحتاج الى اهتمام كبير، كي تعطي انتاجا مميزا، على عكس "الرواية"الشائعة، بان الموسم يكون مختلفا بين سنة واخرى.
وحول الاسعار قال زبد: حتى الآن لم تستقر بورصة الاسعار، فهناك من بدأ يبيع صفيحة الزيت بمئة وخمسين الفا وآخرون يبيعونها بمئتي الف ليرة مع امكان ارتفاع السعر.
ويؤكد المزارع علي ابو خليل (القليلة) ان موسم الزيتون لهذه السنة جيد. ويضيف: صحيح ان الرزق من الله لكن المزروعات، ومنها الزيتون، تحتاج الى كل رعاية واهتمام لتحسين وزيادة المحصول، مؤكدا ان "الشتوة" الاخيرة جاءت مهمة جدا للزيتون ومن شأنها زيادة انتاج كميات الزيت، مطالبا الدولة بالالتفات الى المزارعين الذين لا يتمتعون بأي ضمانات صحية او اجتماعية.
ويشير محمد رومية (صاحب معصرة زيتون) الى ان المعاصر قد باشرت عملها بالتزامن مع انطلاق المزارعين الى حقولهم. ويقول "بحسب المزارعين الذين يترددون الى المعصرة يلفتون الى ان انتاجهم مقبول لهذا العام وكذلك الاسعار التي لم تحسم بشكل نهائي وخصوصا صفيحة الزيت".
طقوس تعيد التواصل بين العائلة
ويتشارك المزارعون في مثل هذا الوقت من كل سنة جملة من طقوس القطاف التي تعيد العائلة للتواصل مع الارض بعيدا عن مشاغل الحياة العملية ومظاهر الحضارة، فضلا عن احيائها لروابط الالفة والمحبة بين افراد الاسرة والجيران الذين يقضون معظم اوقاتهم في القطاف وسط اجواء تسودها الاحاديث المتبادلة.
وكما تجتمع العائلة على مائدة الافطار في شهر رمضان فإن موسم القطاف يجمع افراد العائلة على موائد الطعام التي تتخلل ساعات القطاف، حيث تفترش العائلات "الحصائر" ويتنادى افراد العائلة للتجمع على المائدة لتناول ما يعينهم على الاستمرار في العمل.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018