ارشيف من :أخبار عالمية

خارطة التحالفات الانتخابية في العراق.. خطوط وحدود وعناوين جديدة

خارطة التحالفات الانتخابية في العراق.. خطوط وحدود وعناوين جديدة
بغداد ـ عادل الجبوري
بين الرابع والعشرين من شهر آب/ أغسطس الماضي، وهو يوم الاعلان عن تشكيل كتلة الائتلاف الوطني العراقي، والاول من من تشرين الاول/ اكتوبر الجاري، وهو يوم الاعلان تشكيل كتلة ائتلاف دولة القانون، سبعة وثلاثون يوما، شهدت مفاوضات ماراثونية متواصلة بين المجلس الاعلى الاسلامي العراقي والقوى المؤتلفة معه من جهة، وحزب الدعوة الاسلامية بزعامة رئيس الوزراء نوري المالكي من جهة اخرى، للتوصل الى صيغة توافقية لضم حزب رئيس الوزراء وقوى وشخصيات قريبة منه الى الائتلاف الوطني، وحتى تداعيات رحيل رئيس المجلس الاعلى السيد عبد العزيز لم تعطل من الناحية العملية والواقعية مسيرة المفاوضات بالكامل، ان لم يكن قد بدا للبعض انها يمكن ان تكون قد فتحت افاقا لنتائج ايجابية ومثمرة.
وصباح يوم الخميس الماضي، الاول من تشرين الاول/ اكتوبر، شهد في الواقع اعلان الافتراق بين اكبر مكونين سياسيين (المجلس الاعلى وحزب الدعوة) في الكيان الشيعي، وبافتراقهما في مرحلة ما قبل الانتخابات البرلمانية المقبلة التي لم يتبق على موعد اجرائها سوى مئة يوم، تكون خارطة التحالفات الانتخابية (الشيعية) قد تبلورت وتوضحت، والتنافس الحقيقي فيها سيكون على اشدّه بين الائتلاف الوطني وائتلاف دولة القانون.
واذا كان الائتلاف الوطني العراقي قد ضم قوى سياسية تمتلك قواعد جماهيرية واسعة، مثل المجلس الاعلى الاسلامي العراقي، والتيار الصدري، وتيار الاصلاح الوطني بزعامة رئيس الوزراء السابق والقيادي السابق في حزب الدعوة ابراهيم الجعفري، ومكونات تركمانية وكردية فيلية، ومستقلين، وعناوين سنية، فان ائتلاف دولة القانون ضم الى جانب حزب الدعوة الاسلامية، عددا لا بأس به من الشخصيات الحكومية من بينهم وزراء ومستشارون مقربون من المالكي، اضافة الى مكونات تمثل اكثر من طيف اجتماعي.
بيد انه في ضوء القراءات الواقعية يبدو الائتلاف الوطني هو الاكثر ثقلا وشمولية من ائتلاف دولة القانون، الذي يستند ويعول على رئيس الوزراء لتحقيق نتائج ايجابية في الانتخابات البرلمانية المقبلة، كما حصل في انتخابات مجالس المحافظات نهاية يناير الماضي.
ومع ان فترة الشهور الثلاثة المقبلة قد تشهد اصطفافات وحالات استقطاب من قبل الائتلافين لقوى وشخصيات سياسية صغيرة، لم تحسم امرها حتى الان، وقد لا تتوافر امامها خيارات جيدة افضل من خيارات الانضمام لكتل وائتلافات كبيرة، فان الاطار العام لمساحة الوضع السياسي الشيعي في خارطة التحالفات الانتخابية، يبدو حتى هذه اللحظة الاكثر وضوحا وتبلورا من سواه، ولا يُتوقع حصول تغيرات وتحولات دراماتيكية كبيرة قبل الانتخابات، وما يمكن ان يحصل بعد الانتخابات سيبقى في كل الاحوال محكوما بطبيعة النتائج المتحققة.
في مقابل ذلك فان الارتباك هو السائد والمهيمن على مساحة الوضع السني في اطار خارطة التحالفات الانتخابية، فجبهة التوافق العراقية التي خاضت الانتخابات البرلمانية السابقة، ونجحت في حصد عدد جيد من مقاعد البرلمان (44 مقعدا)، باتت اليوم مفككة، حتى ان رئيس كتلة جبهة التوافق في مجلس النواب نفسه ظافر العاني قد صرح قبل بضعة اسابيع قائلا "لم يعد هناك شيئا اسمه جبهة التوافق".
ولعل هذا هو التقييم الاقرب الى الواقع، فمجلس الحوار الوطنى الذي يتزعمه خلف العليان، وكان احد الاطراف الرئيسية لجبهة التوافق عند تشكيلها الى جانب الحزب الاسلامي العراقي ومؤتمر اهل العراق، اعلن قبل عدة شهور انسحابه من الجبهة، والحزب الاسلامي صاحب الثقل والتأثير الاكبر، تعرض لتصدعات بفعل التغييرات في المواقع القيادية المتمثلة بإقصاء طارق الهاشمي عن رئاسة الحزب، الامر الذي دفعه الى الانسحاب وتشكيل كتلة سياسية انتخابية اطلق عليها "تجديد" نجح في استقطاب قيادات وكوادر مهمة من الحزب الاسلامي وعناوين عشائرية وعسكرية واكاديمية من المكون السني اليها.
اما الطرف الثالث لجبهة التوافق المتمثل بمؤتمر اهل العراق، بزعامة عدنان الدليمي فقد تعرض هو الاخر لتصدعات واهتزازات عنيفة بفعل عدة عوامل من بينها، ثبوت ضلوع قياداته الكبيرة بدعم ومساندة وتمويل الارهاب، وتبنيه لخطاب طائفي متشنج، ناهيك عن افتقاره الى شخصيات من الوسط السني تحظى بمقبولية وتتمتع بثقل شعبي وسياسي مناسب، ولعل هذا ما دفع زعيمه عدنان الدليمي الذي يعاني من مشاكل صحية بسبب التقدم في السن، والذي يقيم حاليا في العاصمة الارنية عمان، الى الاعلان من هناك عن تغيير اسم مؤتمر اهل العراق الى التجمع الوطني لاهل العراق، في محاولة لاستقطاب قوى وشخصيات من هنا وهناك، وتشكيل كتلة انتخابية يمكنها الحصول على شيء يعتد به.
ويبدو ان الحزب الاسلامي العراقي يتجه الى اعادة ترميم جبهة التوافق بالمقدار الممكن، وربما يحدث تعديلا في الاسم، ليخوض بها الانتخابات البرلمانية المقبلة، وقيادات الحزب على قناعة بأنه برغم خروج الهاشمي من الحزب فان الاخير يبقى الرقم الاصعب في المعادلات السياسية في الوضع السني، ولكن لا بد من الالتفات الى حقيقة ان انتخابات مجالس المحافظات الاخيرة اشارت بوضوح الى حصول تراجع للحزب لمصلحة قوى واحزاب وتنظيمات ذات توجهات علمانية مثل مجالس الصحوات العشائرية، والجبهة العربية للحوار الوطني بزعامة صالح المطلك، وقائمة الحدباء الوطنية في الموصل القريبة من اوساط حزب البعث المنحل.
في ذات الوقت فان الحزب الاسلامي قد يواجه صعوبات بضم تيارات وشخصيات سياسية سنية الى اي قائمة او كتلة يخوض بها الانتخابات المقبلة، لان بعض القوى والشخصيات السنية انضمت الى كتلتي الائتلاف الوطني العراقي، وائتلاف دولة القانون، وبعضها تبحث عن اطر وعناوين اخرى بسبب تقاطعها ايديولوجيا مع الحزب الاسلامي.
يبقى المشهد الكردي، الذي يعاني هو الاخر من الارتباك والغموض، وخصوصا بعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي جرت في الخامس والعشرين من شهر تموز/ يوليو الماضي، محاطا بقدر من الغموض، فخيار الدخول بقائمة موحدة تمثل المكون الكردي باطاره العام والواسع بات امرا غير ممكن، فالمعارضة المتمثلة بقائمة التغيير التي يتزعمها القيادي السابق في الاتحاد الوطني الكردستاني نوشيروان مصطفى اعلنت بوضوح انها ستخوض الانتخابات البرلمانية المقبلة بنفس المنهج والبرنامج الانتخابي لها، وانها لن تتحالف مع قوى اخرى، لا سيما الحزبين الكرديين الرئيسيين، الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البارزاني، والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال الطالباني.
وبما ان قائمة التغيير نجحت في الحصول على موطئ قدم جيد في البرلمان الكردي، فهذا يعني انها اصبحت رقما لا يستهان به، وهذا هو احد ابرز معالم ومؤشرات التغيرات والتحولات في المشهد الكردي، وهي ربما تنجح في ضم بعض القوى والتيارات الصغيرة اليها.
ولا شك ان مجمل تلك التحولات والمتغيرات يمكن ان تأتي ببرلمان وحكومة يختلفان بمقدار معين عن البرلمان والحكومة الحاليين، بيد ان التحولات والمتغيرات لن تكون بالتأكيد جذرية ولا شاملة.
2009-10-08