ارشيف من :أخبار لبنانية
قال مسؤول سوري لزوّاره: ترقّّبوا هذا المساء
نتائج قمة دمشق، وترجمتها بيروتياً، تشبه إلى حد كبير مشهد القراءات المتناقضة للرسالة الموجهة إلى شخصية لا تحسن القراءة في إحدى المسرحيات الرحبانية. حيث يصير النص الواحد خطابات عدة، لا قاسم مشتركاً بينها، إلا تماهيها مع رغبات القارئ ومصلحته.
يوم أول من أمس، كان أحد المسؤولين السوريين المتابعن للملف اللبناني، يبلغ زواره بترقب حدث إيجابي حاسم ذلك المساء. لم يصحّ التوقع. غير أن ظهر اليوم التالي عوَّض الفارق الزمني البسيط، في التقدير. صعد الحريري إلى الرابية في خطوة حرص السوريون على الإيحاء أنهم كانوا في أجوائها، وأنهم كانوا قد أُبلغوا بحصولها، وحتى بموعدها، قبل أن تتأجل بضع ساعات. والإيحاء السوري المذكور، أراد التلميح أن اتفاقاً على خريطة طريق لبنانية، كان قد أُنجز في قمة دمشق، وأن المسؤولين السعوديين أوعزوا إلى رئيس الحكومة المكلف باستئناف مشاوراته عبر خطوة تعكس نيات طيبة، بزيارة الرابية. وأفادوا المسؤولين السوريين كذلك بأنهم أعطوا «تمنياتهم» تلك إلى المعنيين في بيروت.
في هذا السياق، يؤكد زوار دمشق أن كلاماً صريحاً لا يزال يُردَّد في العاصمة السورية، حيال موقع المعارضة اللبنانية وموقفها، مفاده أن سوريا لا يمكن أن تضغط على أصدقائها في لبنان، وهي لا تملك القدرة ولا القرار للتأثير على ميشال عون خصوصاً. لا بل أكثر من ذلك، هي تثق بتقديره للأمور، وتنصح أصدقاءها جميعاً بتبني وجهة نظره في المسائل المطروحة، وحتى حين يكون هناك أكثر من وجهة نظر، فإن سوريا تتبنى موقف عون، وتدعو إلى تبنيه.
في المقابل، في قراءة ثانية للرسالة الدمشقية نفسها، تقول أوساط فريق الأكثرية، إن أي اتفاق جدي وفعلي، لم ينتج من القمة، وما بقي مجرد تسويق إعلامي وخطابات تبريرية وتسويغية بدليل التباين الشهير في بياني كل من العاصمتين. وبدليل أن أي ضغوط فعلية لم تصل إلى مركز القرار في الأكثرية، وهو ما سمح لبعض الأصوات الحريرية بالاستمرار في تصعيدها من جهة، ومن جهة أخرى اقتضى تحرك وليد جنبلاط لزيادة الضغط غير الكافي حتى اللحظة ـــــ على حليفه الوحيد في الأكثرية، سعد الدين الحريري.
وتشير الأوساط نفسها إلى أن زيارة جنبلاط للضاحية تصبّ في هذا السياق. كذلك تكشف عن «رسالة» جنبلاطية مشفرة أخرى كانت قد سبقتها، وتمثلت في لقاء عقده جنبلاط مع نجيب ميقاتي، في اليوم السابق مباشرة لزيارته السيد حسن نصر الله. وفك أحجية تلك الرسالة الجنبلاطية هو ممارسة فريدة من الضغط على الحريري، من طريق الغمز من احتمال اعتماده «خيارات» رئاسية أخرى. وتستنتج الأوساط الأكثرية نفسها، أنه لو كانت نتائج قمة دمشق حماسية، لما كان جنبلاط مضطراً إلى اللجوء إلى تلك الرسائل.
تبقى قراءة ثالثة للرسالة نفسها، هي تلك التي تعطيها أوساط قريبة من رئاسة الجمهورية. إذ تؤكد هذه الأخيرة أن معلوماتها تفيد بأن المسؤولين السوريين أبلغوا نظراءهم السعوديين بأن هامش حركتهم في لبنان يقتصر على أمر واحد، وهو دعم رئيس الجمهورية ميشال سليمان، وذلك تطبيقاً للمطلب الذي رفع في وجه سوريا منذ خمسة أعوام ماضية، بضرورة التعاطي بين البلدين، عبر مؤسساتهما الدستورية حصراً. وتالياً، تضيف الأوساط القريبة من بعبدا، إن قمة دمشق انتهت إلى الاتفاق على تعزيز دور الرئاسة وتمكينها من أداء دور الحكم القادر والفعَّال، واعتمادها سبيلاً وحيداً لتجاوز عقدة وزارة الاتصالات، أي البحث عن وزير من حصة الرئاسة، يكون أهلاً لتولي هذه الحقيبة، بما يضمن الحفاظ على ماء وجه الأكثرية من جهة، وطمأنة الأقلية لجهة المحاذير الأمنية المرتبطة بهذه الحقيبة، من جهة أخرى. لتخلص هذه الأوساط الثلاثة إلى الاعتقاد بأن التشكيلة الحكومية العتيدة ستكون ناجزة، فور العثور على هذا الوزير الرئاسي المنشود.
ثلاث قراءات لرسالة دمشقية واحدة. فهل قصدت صياغتها بلغة ملتبسة حمالة أوجه، أم المشكلة في فهم أصحاب «التفكير حسب التمني»؟ أم أنّ العجز لا يزال يسيطر على الجميع؟
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018