ارشيف من :أخبار لبنانية

إسرائيل تسـعى لاحتواء الإهـانـة التركيـة: لا تـنـازل عـن العـلاقـات الاسـتراتيجـيـة

إسرائيل تسـعى لاحتواء الإهـانـة التركيـة: لا تـنـازل عـن العـلاقـات الاسـتراتيجـيـة

حلمي موسى، السفير

أشعل وزير الخارجية التركية احمد داود اوغلو، لهيب الأزمة مع إسرائيل، بإعلانه أن سبب عدم إشراك سلاح الجو الإسرائيلي في مناورة «نسر الأناضول»، ليس فنيا، وإنما سياسي يتعلق بالعدوان الاخير على غزة. لكن حكومة بنيامين نتنياهو آثرت السعي لإطفاء الحريق مع تركيا، وأعلن وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك، ان «العلاقات مع تركيا استراتيجية ومديدة»، في حين عقدت وزارة الخارجية الاسرائيلية مداولات طارئة ودعت إلى تدارك الموقف.

وحاول باراك منع تفاقم التوتر مع تركيا في أعقاب تعليقات إسرائيلية ضد الموقف التركي من منع مشاركة الدولة العبرية في مناورة «نسر الأناضول». وأبلغ مداولات مغلقة عقدت امس في وزارة الدفاع، أن إسرائيل تقر بمكانة تركيا المركزية في العلاقات الإقليمية. وقد جاءت هذه الأقوال بعد تصريحات أوغلو لقناة «سي ان ان» الأميركية، التي ربط فيها منع مشاركة سلاح الجو الإسرائيلي في المناورة بالحرب على غزة. وأوضح باراك أن «العلاقات مع تركيا إستراتيجية وقائمة على مر السنين. ورغم كل المد والجزر، فإن تركيا تبقى عنصرا مركزيا في منطقتنا. ولا مجال للانجرار وراء الحماسة في التصريحات ضدها».

وكان مصدر سياسي رفيع المستوى، قد يكون وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان، أعلن أن تركيا تقترب من المحور السوري الإيراني على حساب علاقاتها مع إسرائيل ودول الغرب. واتهم هذا المصدر رئيس الحكومة التركية طيب رجب اردوغان بأسلمة تركيا «بشكل هادئ». وأضاف أن تركيا «كانت حتى اليوم الأطروحة النقيض لإيران: دولة مسلمة علمانية، مع دستور متسامح، تتطلع لعضوية الاتحاد الأوروبي. لكن اردوغان يعمل ضد هذا التيار. وهو يخلق صيرورة يمكن أن تقرب تركيا من إيران. إنه يعمل لتحويل تركيا إلى دولة إسلامية أقرب الى إيران من دول أوروبا».

وكانت الأوساط العسكرية الإسرائيلية قد شعرت بالإهانة جراء الموقف التركي وأطلقت في الغرف المغلقة مواقف حادة، بل تهديدات. وقال ضباط من سلاح الجو إن الموقف التركي يشهد من دون شك على أن العلاقات بين الدولتين تضررت.

كما أن صحيفة «معاريف» نقلت عن مصدر أمني رفيع المستوى، قوله ان «تدهور العلاقات مع تركيا لم يبدأ اليوم، وإنما تجلى في تصريحات قادة الحكم التركي، في التظاهرات والاحتجاجات العلنية ضد إسرائيل، بما فيها أمام الرئيس شمعون بيريز. ينبغي للميل السلبي التركي هذا أن يقلقنا. ويجب علينا بالتأكيد إعادة النظر في بيع الجيش التركي منظومات متقدمة، حتى لا نكتشف ذات يوم أنها ستوجه ضدنا».

تجدر الإشارة إلى أن تركيا كانت حتى وقت قريب تصنف كحليف استراتيجي لإسرائيل، بل الحليف الأبرز لها في العالم بعد الولايات المتحدة. وقد بدأ هذا التحالف في مطلع الخمسينيات في إطار سياسة «دول الجوار» التي بلورها دافيد بن غوريون مع دول تحيط بالدول العربية وفي مقدمتها تركيا وإيران وأثيوبيا. وتهشمت هذه السياسة بسقوط نظام الشاه في إيران ونظام الامبراطور هيلاسيلاسي في أثيوبيا، وانهارت تماما بنجاح الإسلاميين في ترسيخ أقدامهم في تركيا.

والواقع أن تحالف تركيا مع إسرائيل وعلاقاتهما المشتركة، لم تقف عند حدود المناورات المشتركة، ولا حتى عند التنسيق السياسي. فهناك علاقات اقتصادية وسياحية كبيرة بين الدولتين. وإسرائيل بين الدول الأكثر استفادة من سبعة مليارات دولار تنفق سنويا على تحديث الجيش التركي وتزويده بمعدات جديدة. ولهذا، فإن الصناعات العسكرية الإسرائيلية تبدي قلقا إزاء الأزمة الراهنة، أكثر من أي جهة أخرى.

وقد أبرمت في السنوات الأخيرة صفقات عسكرية عديدة مع تركيا، بينها تحديث دبابات وتحديث طائرات «فانتوم» وسواها. ومع ذلك، فإن هناك من يقول أن «تركيا لا يمكنها الاستغناء عن السوق الإسرائيلية». غير أن الجيش الإسرائيلي يشدد على «أننا شهود على ميل متزايد لتعيين ضباط متدينين في الجيش التركي، وهو ما لم يكن قائما في الماضي. لذلك ينبغي لإسرائيل أن تفكر مرتين قبل أن تبيع ما تبيعه لتركيا».

ويبدو من التعليقات الإسرائيلية أن الأزمة الراهنة مع تركيا هي الأخطر، وأنها ليست عابرة. وكان معلقون إسرائيليون قد رأوا أنها ثمرة نجاح الإسلاميين في تطويع الجيش الذي كان رمز العلمانية والتوجه الغربي والعلاقة مع إسرائيل. لكن هذا الجيش، على الأقل في العام الأخير، تصادم علنا مع إسرائيل وصار أكثر تقبلا لميل الحكومة والشارع التركي الى الابتعاد عن إسرائيل.

ومع ذلك، فإن إسرائيل الرسمية تميل إلى عدم التنازل بسهولة عن العلاقات مع تركيا. لذلك فإن المسؤولين الإسرائيليين يركزون على أن تركيا سند استراتيجي يضمن الاستقرار في الشرق الأوسط، وتجب مواصلة النقاش معه. وقد عقد المدير العام لوزارة الخارجية الإسرائيلية يوسي غال، مداولات طارئة حول الأزمة مع تركيا. وبحسب مسؤول كبير في الوزارة، فإن هناك خشية من أن العلاقات الاستراتيجية مع تركيا «باتت في خطر فعلي».


2009-10-13