ارشيف من :أخبار لبنانية
ماذا يعني تمسـُّك الحريري بحكومة تراعي نتائج الانتخابات؟
نبيل هيثم - صحيفة السفير
كاد المشهد الداخلي يغرق بـ«الايجابيات» التي ضخّها اللقاء الاخير بين الرئيس المكلف سعد الحريري والعماد ميشال عون. وبات المراقب يحار أين.. وكيف سيتم صرف مخزونها الذي بدأ في الساعات الماضية يفيض بود وتودّد متبادلين على جانبي حركة اتصالات الرئيس المكلف.
وقد شجع هذا المناخ العاطفي, على الاعتقاد بإمكان بلورة متمِّمات سريعة لتلك الايجابيات, آيلة الى تحقيق الاختراق المنتظر في جدار أزمة التأليف المتعثّر, حتى ان بعض الزوايا السياسية, أطلقت العد التنازلي لقرب انتهاء فترة الفراغ الحكومي. ولاسيما ان كل من يلتقي الرئيس المكلف يقف على خليط من ليونة وانفتاح وهدوء وعواطف وايجابيات ويخرج بانطباع ان تشكيل الحكومة بات مسألة ايام.
فجأة طفا على سطح ذاك المشهد, بيان لكتلة تيار المستقبل, يلاقي المناخ الايجابي العاطفي في توقيت مثير, وفي مضمون يوجب التوقف عنده واخضاعه للمحاكمة, ومحاولة البحث في حناياه عن مصبه الحقيقي, فهل يصب في خدمة حركة الرئيس المكلف ام انه يصب في مكان آخر؟
الملاحظة الأولى حول بيان كتلة المستقبل: هي تضمـُّنه ترحيبا متأخرًا أسبوعا فقط بما صدر عن قمة دمشق بين الملك عبدالله بن عبد العزيز والرئيس السوري بشار الاسد. الامر الذي بدا أنه ترحيب استلحاقي, جرى التعبير عنه بصياغة عامة حصرت الترحيب في «ما يتعلق بشأن تعزيز استقرار لبنان», وتجنبت الاشارة صراحة الى حكومة الوحدة الوطنية التي اكد عليها الملك عبدالله والرئيس الاسد. وثمة من يلاحظ هنا ان حكومة الوحدة كما معادلة 15/10/5 , لم تردا بعد على لسان الرئيس المكلف , منذ انتهاء اعمال القمة.
الملاحظة الثانية: اعتماد البيان منطقا تذكيريا بنتائج الانتخابات النيابية من خلال تكرار الاشارة الى وجود اكثرية واقلية نيابية. يشاورهما الرئيس المكلف على خط التأليف.
الملاحظة الثالثة: تحديد البيان «القاعدة» التي يرتكز اليها الحريري في حركة التأليف, والتأكيد على ان المشاورات التي يجريها منطلقة من «قناعة» رئيس الحكومة المكلف بضرورة التأليف تحت مظلة الدستور والنظام الديموقراطي واحترام نتائج الانتخابات.
المثير في هذه «القناعة» انها غامضة, وقابلة للصرف في اكثر من مكانين, ولاسيما ان مقولة «حكومة تراعي نتائج الانتخابات», لها اكثر من مرادف بحسب الترجمة اللبنانية, فيمكن ترجمتها على النحو الذي يسقطها على قاعدة التوافق القائمة على معادلة 15/10/5, والتي تعكس بوضوح نتائج الانتخابات النيابية, فتظهر الاكثرية الوزارية للفريق الفائز في الانتخابات, كما تظهر الاقلية الوزارية للفريق الخاسر, لكن الاساس هنا هو الشراكة.
واما المرادف الثاني, بحسب الترجمة اللبنانية, فإن مقولة حكومة تراعي نتائج الانتخابات, هي اسم حركي لـ«حكومة اكثرية», وسبق للعديد من قادة الاكثرية ان تسلحوا بهذا الشعار في الترويج لحكومة اكثرية تعكس نتائج الانتخابات على اساس فريق رابح وفريق خاسر.
مع الاشارة الى ان «القناعة» من هذه الزاوية, لا تتفق او تنسجم مع الجهد الرامي الى تشكيل حكومة وحدة وطنية, بل تبدو اقرب الى منطق آخر عبرت عنه السفيرة الاميركية ميشيل سيسون قبل ايام , وايضا مساعد وزير الخارجية الاميركية جيفري فيلتمان الذي افتعل مقابلة تلفزيونية مؤخرا ليدعو فقط الى حكومة لبنانية وفق الدستور وتراعي نتائج الانتخابات.. أي حكومة اكثرية لا تقوم على معادلة 15/10/5 التي عكست السفيرة الاميركية ميشيل سيسون الرفض الاميركي لها, بل حكومة اكثرية من لون واحد.
الملاحظة الرابعة: تضمين البيان دعوة حكومة تصريف الاعمال الى بذل المزيد من الجهود لمتابعة القضايا المعيشية والحياتية الى حين تشكيل الحكومة الجديدة.
يحمل هذا التوجه المباشر الى حكومة تصريف الاعمال, وايلاؤها مسؤولية التصدي المعيشي والاجتماعي, اكثر من علامة استفهام حول الغاية والموجبات.
فمن ناحية, يأتي هذا التوجه المثير في ذروة مناخ ايجابي قد تذهب ترجمته بحكومة تصريف الاعمال في أي وقت, وفي اقرب وقت, وينهي فترة مستمرة منذ ما يزيد عن اربعة اشهر, قدمت فيها حكومة السنيورة المستقيلة أقصى طاقتها المسموح بها في الاطار الضيق لتصريف الاعمال, وما تزال.
ومن ناحية ثانية, يبدو هذا التوجه, كأنه نابع من شعور حقيقي في مكان ما ضمن هذا الفريق, بعمر مديد لفترة تصريف الاعمال, قائم ربما, على فرضية الفشل المسبق لمخاض التأليف, وعدم التعويل على الحراك الجاري. وبالتالي تقديم حكومة تصريف الاعمال الحالية على انها على جهوزية تامة لملء الفراغ الحالي وتغطية مساحته ايا كانت, وانها ما تزال تملك القدرة على ان تستمر في ادارة البلد.. وعلى ما يقال في بعض المجالس السياسية: «... وابشر بطول تصريف يا فؤاد».
يقود ما تقدم الى افتراض ان البيان في بعض جوانبه, يحاول ان يقدم «شيئا مشفـّرا», يتطلب الغوص عميقا فيه لمحاولة فك «الشيفرة» ورموزها. ارتكازا على السؤال التالي: هل يعبر البيان عن منطق باطني لا يراد المجاهرة به علنا بل مواربة, ويراد من خلاله ارسال رسائل متعددة في اتجاهات معيّنة في الداخل والخارج.. ام ان «الغموض» محصور في الاطار اللغوي المتصل بالصياغة فقط, ولا ينطوي على نوايا خفية؟
قد تقرأ الاجابة الاولية في وسائل الاعلام الخاضعة للحريري, التي ظهـّرت بوضوح «القناعة» التي ينطلق منها الرئيس المكلف لتشكيل حكومة «تحت مظلة الدستور والنظام الديموقراطي واحترام نتائج الانتخابات». انما الاجابات الحاسمة والنهائية سيحددها المسار السياسي العام, والمآل الذي سيميل إليه حراك التأليف القائم.
ولكن ما ينبغي ملاحظته هنا, هو ان الحركة المرئية للرئيس المكلف لا تشي بسلوكه مسارا تعقيديا او مخالفا للمناخ الايجابي الشائع, بل انها تشي, كما يقول معنيون مباشرة بملف تشكيل الحكومة, بأنه اختار, في ما يبدو, استغلال فرصة التأليف المتاحة له, وتجنّب البقاء فترة طويلة إضافية في فراغ قاتل من شأنه بالحد الادنى ان ينهش ما تبقى من حيويات ومن قوة ومن عضلات سياسية راكمها مسار الأربع سنوات وعززتها نتائج الانتخابات النيابية.
وبحسب المعنيين المذكورين, فإن بيان كتلة الحريري, وخصوصا في الشق المتعلق بتظهير «قناعة» الحريري, التي ينطلق فيها نحو حكومة تراعي نتائج الانتخابات, من شأنه ان يلقي ظلالا من الشك حول حقيقة النوايا, وهنا تقع عليه مسؤولية تبديد تلك الظلال, وخصوصا ان لمقولة «حكومة تراعي نتائج الانتخابات» مجموعة مرادفات بحسب الترجمة اللبنانية, اولها «حكومة اكثرية».
وهنا, كان لافتا للانتباه بالامس, التحذير المتجدد للنائب وليد جنبلاط من حكومة اكثرية, وسبق له ان اعتبرها خيارا انتحاريا. وقد يكون التحذير المتجدد لجنبلاط نابعا من معطيات يملكها حول تداول جدي بهذا الطرح في مكان ما, علما انه رفض في الآونة الاخيرة ان يماشي السفيرة الاميركية في حملتها على حكومة الوحدة الوطنية وصيغة 15/10/5.
يبقى ان الايجابيات النظرية تتراكم.. ودخان التفاؤل يتصاعد.. والمتفائلون كثر, والحذرون ايضا, ومن بينهم سياسي بارز يقول انه ما يزال يبحث عما يطمئنه وسط هذا المناخ, فقمة دمشق انعقدت, ودمشق تريد تأسيسا عليها ان تتشكل حكومة تفرض من خلالها ميزان قوى جديدا في لبنان, فيما تريد الرياض ان تفتح الباب لسعد الحريري ان يشكل حكومة تعكس الى حد ما نتائج الانتخابات النيابية.. واما التوفيق بين المنطقين فيحتاج الى وصفة سحرية لم تتوفر بعد.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018