ارشيف من :أخبار لبنانية
الحرب الإسرائيلية ـ التركية تشتعل إعلامياً: تحولات عميقة في أنقرة... والسبب أردوغان
حلمي موسى - السفير
من قرأ الصحف الإسرائيلية، أمس، وجد نفسه كأنه يقرأ صحفا من عالم آخر، فالعناوين الرئيسية في «يديعوت أحرونوت»، مثلا، هتفت صارخة: «لا سامية على النمط التركي»، و«التحريض التركي»، و«42 في المئة من الأتراك لا يريدون جارا يهودياً». وفي «معاريف» كان العنوان الرئيسي «كراهية مصورة». أما صحيفة «إسرائيل اليوم» فاختارت لنفسها عنوانا رئيسيا لا يقل عن «فرية الدم التركية»، و«فيلم تركي سيئ».
ويحسب المرء للحظة أن الحرب أعلنت في اليوم السابق بين تركيا وإسرائيل، وأن هذه هي ردود الفعل الإعلامية في الصحافة الإسرائيلية التي أكثرت من نشر التعليقات والتحليلات حول ما جرى وسيجري. لكن الجميع كان بانتظار ما ستقوله وزارة الخارجية الإسرائيلية للسفير التركي في تل أبيب بعد ما تقرر توجيه توبيخ لأنقرة واحتجاج على بث مسلسل الوداع. فوزير الخارجية أفيغدور ليبرمان يرفض الخنوع لتركيا واستجداء أفضالها.
والواقع أن تركيا تجنبت بشكل ما حدة التوبيخ بأن أوفدت للخارجية الإسرائيلية القائمة بأعمال السفير. وأبلغ نائب رئيس شعبة أوروبا في الخارجية الإسرائيلية ناؤور غالئون القائمة بأعمال السفير التركي في إسرائيل طشلان أوزن غضب إسرائيل من بث المسلسل. وقال غالئون لأوزن إنه «رغم اهتمام إسرائيل الشديد بالعلاقات مع تركيا، فإننا لا نستطيع التزام الصمت إزاء التحريض الفظ ضدنا وضد جنودنا، وهذا ما قد يؤدي إلى المساس ماديا باليهود والإسرائيليين». وأضاف ان «الجنود المزعوم تصويرهم كأنهم يقتلون بدم بارد، هم أنفسهم الجنود الذين قدموا يد العون للمواطنين الأتراك في الهزة الأرضية عام 1999».
وأبدى المسؤول الإسرائيلي احتجاجه على المسلسل واعتبره جزءا من التحريض الذي سوف يمس أيضا بالسياح الإسرائيليين الكثر في تركيا. ويقال ان حكومة إسرائيل لم تطلب منع بث المسلسل خشية تحويل ذلك إلى قضية رأي عام، وبسبب الإدراك أن تركيا سوف ترفض الطلب.
وما لا ريب فيه أن الكاتب دان مرغليت في صحيفة «إسرائيل اليوم» التي أنشأها صاحبها، الملياردير رون لاودر لخدمة صديقه بنيامين نتنياهو، يعبر عن المزاج السائد في حكومة اليمين الإسرائيلية. واعتبر مرغليت أن «لحظة جنون تصيب تركيا بقيادة رجب طيب اردوغان. وهو يتصرف كالمدمن، ويحتاج الى كميات متزايدة من المخدر ذي الرائحة اللاسامية. كل يوم يجلب معه توسيع وباء التحريض، ليس بمعدلات حسابية يعنى بالناقص والزائد، وإنما بمعدلات هندسية، متضاعفة». وأشار إلى أن «اسرائيل هي كبش الفداء. التشهير بجنودها كما عرض أمس في قناة التلفزيون الرسمية يشكل اداة مركزية في يد الحكم في أنقرة. يبدو أن اردوغان يضغط باتجاه قطع العلاقات بين تركيا واسرائيل، ومعني بان يتخذ القرار في القدس».
واعتبر المعلق السياسي في «معاريف» بن كسبيت أنه على إسرائيل أن تعترف بواقع التغييرات التي تطرأ على تركيا، وأن «التغيير جوهري، عميق، واستراتيجي. هذا ليس جيدا، لكن يمكن التعايش معه». وفي رأيه، فإن «مراكز القوة التقليدية في تركيا تضعف بالتدريج. فالجيش لم يعد يتحكم بالدولة كما في الماضي. كما أن النخبة الدبلوماسية حشرت في الزاوية. وبدلا من ذلك احتل الإسلام المكانة المركزية، كما تطل معه العثمانية الجديدة، التي تتحدث عن استعادة أمجاد الماضي، والاهتمام بالداخل، والتركيز على شرقي المتوسط ودول الإسلام المجاورة، على حساب الغرب وأوروبا».
وشدد كسبيت على أن «التغيير اجتماعي، عميق، وحقيقي. فالمتدينون يزدادون قوة على حساب النظريات التي تأسست عليها الجمهورية التركية الحديثة، وفي الأساس كمالية أتاتورك. وبالمناسبة، من الزاوية التركية، يحدث في إسرائيل الشيء ذاته بالضبط: جهات دينية متطرفة تحتل مكان اليسار، معسكر السلام يختفي، اليمين يسيطر على الحكم. كل شيء بحسب الزاوية التي ترى منها الأمور».
وقد تعاملت إسرائيل الرسمية بنوع من الصدمة مع بث مسلسل الوداع. وكتبت «إسرائيل اليوم» أن المسلسل أثار الصدمة في إسرائيل لأنه يبث في أبرز أوقات المشاهدة وعلى القناة الرسمية للتلفزيون التركي. ويعرض المسلسل مشاهد تمثل جنودا إسرائيليين يطلقون النار على أطفال ورضع ويعدمون الناس في الشوارع فضلا عن أشكال تنكيل أخرى بالفلسطينيين.
وكان ليبرمان قد أعلن يوم أمس أن «بث هذا المسلسل هو تحريض من النوع الأخطر وهو يجري برعاية رسمية». وقال ليبرمان ان نوع التحريض المعادي هذا لا يبث حتى من جانب الأعداء.
وتشهد العلاقات الإسرائيلية التركية تدهورا متزايدا وقد انتقلت بشكل سريع نسبيا من التحالف الاستراتيجي إلى الوساطة ثم العداء. وشكلت الحرب الإسرائيلية على غزة نقطة الذروة في تغيير الموقف التركي من إسرائيل، الذي أدى إلى منع إسرائيل من المشاركة في مناورات «نسر الأناضول».
ويذهب كثير من المتخصصين الإسرائيليين إلى حد اعتبار ان ما يجري في تركيا هو بسبب رجل واحد هو رجب طيب أردوغان الذي يحرض الحكومة والمجتمع والإعلام على معاداة إسرائيل. غير أن هناك من يرى أن الأمر أعمق من ذلك وأنه تعبير عما يعتمل في نفوس الأتراك عموما بسبب موقف أوروبا منهم من ناحية وبسبب تعاظم ظاهرة الأسلمة من ناحية أخرى.
وأبدى قنصل إسرائيل السابق في تركيا موتي عميحاي تقديره بأن التوتر مع إسرائيل ينبع من تزايد التقدير في تركيا بتضاؤل فرص قبولها عضوا في الاتحاد الأوروبي. وفي مداولات استراتيجية عقدت يوم أمس الأول مع وفد بريطاني في الخارجية الإسرائيلية قال القنصل السابق ان الأتراك يخشون معارضة كل من مستشارة ألمانيا أنغيلا ميركل والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي.
غير أن بعدا آخر طرح في هذه المداولات وهو أن الجيش التركي يشهد هو الآخر تغييرا كبيرا يخرجه من دور «عامل التوازن» حيث دخلت إلى قيادته العليا شخصيات متدينة. وقيل إن ظاهرة الأسلمة في تركيا والتقارب مع سوريا هي أيضا ثمرة إحساس حكومة أردوغان بصعوبة لعب دور الوسيط بين إسرائيل وكل من السوريين والفلسطينيين.
وتأمل إسرائيل أن تسارع الدول الغربية للضغط على تركيا لتغيير الميل القائم فيها الآن والحيلولة دون المزيد من التدهور في العلاقات.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018