ارشيف من :أخبار لبنانية

حادث طيرفلسيه يعرّي سياسة نتنياهو التصعيدية أمام المحافل الدولية

حادث طيرفلسيه يعرّي سياسة نتنياهو التصعيدية أمام المحافل الدولية

جورج علم - السفير

اعتمد التحرّك الإسرائيلي على أسلوب «اقتناص الفرص» إن وجدت في مجلس الأمن للتشهير بـ«حزب الله» وسلاحه على خلفيّة حادث طيرفلسيه، إلاّ أن النصيحة الأميركيّة لم تكن مشجّعة، ولم تخدم مرامي حكومة بنيامين نتنياهو، لأن المجال الجنوبي تحوّل الى مجال مخابراتي لاكتشاف نوعيّة السلاح، قبل أن يأتي اليوم الذي يسمح باختبار فاعليته.

وقفت روسيا والصين بداية، موقف اللامكترث، ثم غير المشجّع لعقد جلسة طارئة للمجلس، لأن حكومة نتنياهو كانت بحاجة الى أوراق ثبوتيّة دامغة، لم تكن متوافرة لدعم عناصر الشكوى، فضلا عن أنها لم تتمكن من تقديم شهادة حسن سلوك في التعاطي مع الملف الفلسطيني بعد حربها على غزّة، في ضوء تقرير لجنة غولدستون، وإصرارها على المضي قدما في سياسة الاستيطان، ضاربة بعرض الحائط كلّ المطالب الأميركيّة والدوليّة الداعية للحدّ منها.

وفي زحمة هذه التطورات، يجري اليوم نائب وزير الخارجيّة الروسي الكسندر سلطانوف محادثات معمّقة في بيروت، على وقع «الكباش» الإعلامي ـ الدبلوماسي بين لبنان وإسرائيل على خلفية ما جرى في طيرفلسيه، ومدى ارتباطه بـ«الكباش» السياسي في الداخل بين فريقي الأكثريّة والأقليّة حول الملف الحكومي.
ويذخّر سلطانوف جولته هذه المرّة بملفين كبيرين متقاطعين: النجاح الذي حققته مفاوضات جنيف بين الإيرانيين ودول (5+1)، واختيار موسكو لإعادة تخصيب اليورانيوم الإيراني لأغراض سلميّة، وما يمكن أن يفتح هذا من أبواب مغلفة أمام الروس للتباحث مع الإيرانيين في سبل التعاون لمواجهة ملفات كثيرة في الشرق الأوسط والصراع العربي ـ الإسرائيلي، والزيارة السريّة التي قام بها بنيامين نتنياهو الى موسكو لثنيها عن بيع سوريا وإيران أسلحة صاروخية متطوّرة، وقادرة على اصطياد الطائرات الحربيّة الإسرائيليّة؟!

ويبدأ سلطانوف لقاءاته الرسميّة صباح اليوم باجتماع عمل مع وزير الخارجيّة والمغتربين فوزي صلوخ ناقلا تهنئة بلاده لانتخاب لبنان عضواً في مجلس الأمن الدولي. فيما يستقبل بالترحاب والامتنان على الأداء الدبلوماسي الروسي منذ انفجار خربة سلم ولغاية الانفجار الذي حصل في طيرفلسيه، وفي هذا الملف نوافذ مضيئة عدّة أبرزها وقوف موسكو بحزم ضد محاولات التشهير والاستغلال السياسي والإعلامي الإسرائيلي الهادف الى النيل من هيبة لبنان وصدقيّة مؤسساته.

وكانت إدارة الرئيس باراك أوباما قد وقفت بداية ضدّ نقل معركة «سباق التسلّح» الى الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، كي لا يفتح ذلك الأبواب على مصراعيها أمام العديد من الملفات الأخرى الساخنة في المنطقة، لكنها عادت ورضخت لإرادة نتنياهو وحكومته بالموافقة على طرح خيار تغيير قواعد الاشتباك لقوات «اليونيفيل» قيد البحث والتشاور وراء الكواليس المقفلة في المنظمة الدوليّة، إلاّ أن موسكو بالتنسيق والتعاون مع العديد من عواصم الدول المشاركة في القوات الدولية قد رفضت، وكان قرار مجلس الأمن انتصارا لتوجهها كونه أوصى بتمديد مهمّة «اليونيفيل» من دون أي تغيير في قواعد الاشتباك.
 
غير أن الولايات المتحدة، واستنادا الى المواقف المنسوبة للسفير جيفري فيلتمان، عادت الى نغمة الحكومة التي تحترم نتائج الانتخابات، والمغزى حكومة من الأكثريين مع استبعاد للأقلوييّن، وفي طليعتهم «حزب الله» الذي لا يزال يشكّل ـ بنظره ـ «رأس الحربة الإيرانيّة في الجنوب، والمصنف في خانة الإرهاب».
ويخدم هذا التصنيف الأميركي أغراض حكومة بنيامين نتنياهو الى أبعد الحدود، وهي التي كانت السبّاقة في وضع «الفيتو» على توزير «حزب الله» منذ اليوم الأول الذي باشر فيه الرئيس المكلّف سعد الحريري استشارات التأليف، وهي التي أعادت الكرّة بعد حادث طيرفلسيه لجهة التشهير بـ«الحزب» واستعداداته الدفاعيّة.
وبمعزل عمّا إذا كانت العقبات التي تعترض قيام حكومة وحدة وطنيّة جديّة، أو أنها من النوع التقني الذي تمكن معالجته في غضون الأيام القليلة المقبلة، فإن المؤشرات الوافدة من نيويورك مقلقة، بمعنى أن التحرّك الذي باشرته فرنسا قبل انعقاد قمة س. س. والذي يستكمله وزير الخارجيّة برنار كوشنير في 23 الجاري، معطوفا على التحرّك الإسباني الذي يقوده رئيس الوزراء خوسيه لويس ثاباتيرو، معطوفا على تحرّك الروسي سلطانوف، يهدف أولا الى عدم تمكين إسرائيل من تفريغ المؤتمر الدولي للسلام من مضمونه قبل التفاهم النهائي على مكان انعقاده وزمانه، وأيضا الى عدم تحويل لبنان الى خط ساخن بين جبهتين وخيارين، وبين من يريد جرّه الى حكومة اللون الواحد، وبين من يريد حكومة وحدة وطنيّة تستطيع أن تملأ الفراغ المؤسساتي في السلطة والقرار، وان تدفع بلبنان لاجتياز المرحلة الانتقاليّة ريثما تتضح معالم الخيارات المطروحة لتسوية الأوضاع في المنطقة، انطلاقا من غزّة مرورا بجنوب لبنان، وصولا الى إيران؟!


2009-10-17