ارشيف من :أخبار لبنانية
تكليف الشهر الخامس: رهانات الحريري ورهانات دمشق
نقولا ناصيف - الاخبار
قدّم استمرار تعثّر تأليف حكومة الوحدة الوطنية دليلاً على رهان جزئي على القمّة السعودية ـــــ السورية، التي أوحى انعقادها أنها مفتاح حلّ الأزمة الحكومية. لكن القمة أعطت دليلاً ملموساً آخر على عدم استعجال الرياض ودمشق التدخّل في لبنان، وربْط القول بالفعل عبر ترك سياسييه ينتزعون أشواكهم بأيديهم. دعمت تأليف حكومة وحدة وطنية وفق قاعدة 15+10+5، وأبرَزَت أن هذا الدعم لا يعني بالضرورة أن التأليف حتمي وقريب. قرنت الدولتان القول بالفعل كذلك عندما أثبتت كل منهما أنها ليست في وارد الضغط على حلفائها اللبنانيين لحملهم على تقديم تنازل سياسي.
هكذا لم تشفِ جرعة قمّة دمشق غليل الأزمة الدستورية اللبنانية. تشبّث أفرقاؤها بشروطهم تحت سقف ما أكدته قمّة دمشق بعد قمّة جدّة، وهو تأليف حكومة وحدة وطنية.
في ظلّ هذا المأزق، تبدو الأزمة مرشحة إلى أبعد من الشهر الخامس، وخصوصاً أن التقدّم الوحيد الجدّي الذي طرأ على التأليف منذ أول تكليف للنائب سعد الحريري في 27 حزيران هو اتفاق الموالاة والمعارضة على معادلة 15+10+5 لتحديد توازن القوى في مجلس الوزراء. مذ ذاك، مروراً بالاعتذار الأول فالتكليف الثاني، لم تعدُ مشاورات التأليف كونها عرض عضلات من هذا الفريق أو ذاك بطرح شروط، والردّ عليها بأخرى. لم تكن موافقة الرئيس المكلف على توزير خاسرين إلا مناورة غير مجدية استغرقت أسابيع، غير أنها لم تفضِ إلى ما رمى إليه وقوى 14 آذار، عبر مقايضة توزير الخاسر بحقيبة الاتصالات. تدحرجت تباعاً شروط الموالاة، ولم تتزحزح المعارضة عن مطالبها. في التكليف الثاني قال الحريري إنه سيضع قواعد جديدة للتفاوض مع المعارضة، رافضاً الرضوخ لشروط مسبقة. بيد أنه سلّم أولاً بحكومة وحدة وطنية، ثم بمعادلة 15+10+5، ثم بتوزير خاسرين، وهو على أهبة القبول بآخر شروط المعارضة ربما، إذا كان ثمّة آخر لها. عاد على أبواب الشهر الخامس من التأليف إلى حيث كان التفاوض في التكليف الأول.
لكن المأزق الحكومي يشير إلى ملاحظات منها:
1ـــــ سعي دمشق والمعارضة إلى إنهاك الرئيس المكلّف قبل نجاحه في ترؤس الحكومة، بحيث يفقد من داخلها الهيبة التي كان سيتيحها له تأليف سهل لأول حكومة يترأسها. وهو بذلك أقرب إلى معاناة الرئيس فؤاد السنيورة في حكومته الثانية عام 2008، منه إليه في حكومته الأولى عام 2005، عندما بدا رئيس الحكومة أقوى من كل وزرائه، ومن الرئيس إميل لحود الذي كان يواجه عزلة خانقة حملته على الانكفاء. في الحكومة الثانية ترأس السنيورة سلطة إجرائية صنعها له اتفاق الدوحة لا نتائج انتخابات 2005. في حكومته الأولى يجد الحريري نفسه على رأس سلطة إجرائية تصنعها له سوريا والمعارضة. وهو سبب كاف للاعتقاد بأن مقدرته على الحكم، داخل حكومته وخارجها، تتطلّب مساعدة دمشق والمعارضة على السواء.
2ـــــ لا حكومة أمام الحريري إلا حكومة الوحدة الوطنية، بعدما انضم حليفه النائب وليد جنبلاط إلى الرئيس ميشال سليمان والمعارضة في رفض حكومة الغالبية. كانت الرياض ودمشق سبّاقتين إلى هذا الرفض عندما أيّدتا حكومة وحدة وطنية،وعدّتاها عاملاً رئيسياً للاستقرار. وكانت معلومات قد تحدّثت عن مكالمة هاتفية تلقاها الرئيس المكلف من مساعد وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى جيفري فيلتمان حضّه فيها على عدم القبول بمعادلة 15+10+5 التي تناقض نتائج انتخابات 7 حزيران، وتعزّز نفوذ المعارضة في الحكم. كان ردّ الحريري أن لا بديل من المعادلة، مؤيداً الاتفاق السعودي ـــــ السوري في شأنها. في المقابل، اكتفى فيلتمان بطلب الرفض من دون تقديم بدائل محتملة، سوى احترام نتائج الانتخابات.
3ـــــ لم توحِ سوريا حتى الآن أنها على استعداد لتوجيه إشارة مباشرة إلى الرئيس ميشال عون، أو غير مباشرة عبر حلفائها الذين هم حلفاؤه، لحمله على التخلي عن بعض شروطه لتسهيل مهمة الحريري في التأليف. إذ لا تزال دمشق تعتقد أن حكومة برئاسة الحريري ينبغي لها تقويض نتائج الانتخابات وإرساء توازن قوى غير منبثق من هذه النتائج، بل تكون استمراراً للواقع الذي أفضت إليه أحداث 7 أيار 2008 وجاء اتفاق الدوحة يثبت مخارجها السياسية.
4ـــــ للحريري أكثر من رهان على نجاحه في التأليف:
أولاً تأكيد زعامته لطائفته والغالبية النيابية.
وثانياً ترؤسه حكومة وحدة وطنية لا حكومة غالبية، ما يجعله أمام امتحان مزدوج، هو المحافظة على تماسك هذا النمط المعقد والشاق من إدارة سلطة إجرائية، وفي الوقت نفسه المحافظة على تماسك الغالبية التي يترأسها رغم معرفته سلفاً بامتعاضها من حصتها المرتقبة فيها، وذلك كي يتفادى هزّة مشابهة لخروج جنبلاط من قوى 14 آذار.
وثالثاً أنه سيقود الحكومة إلى انتخابات بلدية ربيع 2010 ستعبّر بدورها عن سخونة المواجهة المفتوحة في الشارع بين قوى 8 و14 آذار منذ ما قبل انتخابات 7 حزيران.
ورابعاً تحديد علاقته بسوريا بعدما تعهّد زيارتها بعد التأليف. إلا أن عليه أيضاً التيقّن ممّا سيطلبه من دمشق وما يتوقع منها استجابته، أضف الالتزامات السياسية الجديدة التي ربما حُمِل على اتخاذ قرارات في شأنها. وتكمن أهمية الزيارة في أنه لا أحد يرغم الحريري عليها، بعدما كان قد رفض القيام بها بوصفه زعيماً للغالبية، ثم رئيساً مكلفاً.
قدّم استمرار تعثّر تأليف حكومة الوحدة الوطنية دليلاً على رهان جزئي على القمّة السعودية ـــــ السورية، التي أوحى انعقادها أنها مفتاح حلّ الأزمة الحكومية. لكن القمة أعطت دليلاً ملموساً آخر على عدم استعجال الرياض ودمشق التدخّل في لبنان، وربْط القول بالفعل عبر ترك سياسييه ينتزعون أشواكهم بأيديهم. دعمت تأليف حكومة وحدة وطنية وفق قاعدة 15+10+5، وأبرَزَت أن هذا الدعم لا يعني بالضرورة أن التأليف حتمي وقريب. قرنت الدولتان القول بالفعل كذلك عندما أثبتت كل منهما أنها ليست في وارد الضغط على حلفائها اللبنانيين لحملهم على تقديم تنازل سياسي.
هكذا لم تشفِ جرعة قمّة دمشق غليل الأزمة الدستورية اللبنانية. تشبّث أفرقاؤها بشروطهم تحت سقف ما أكدته قمّة دمشق بعد قمّة جدّة، وهو تأليف حكومة وحدة وطنية.
في ظلّ هذا المأزق، تبدو الأزمة مرشحة إلى أبعد من الشهر الخامس، وخصوصاً أن التقدّم الوحيد الجدّي الذي طرأ على التأليف منذ أول تكليف للنائب سعد الحريري في 27 حزيران هو اتفاق الموالاة والمعارضة على معادلة 15+10+5 لتحديد توازن القوى في مجلس الوزراء. مذ ذاك، مروراً بالاعتذار الأول فالتكليف الثاني، لم تعدُ مشاورات التأليف كونها عرض عضلات من هذا الفريق أو ذاك بطرح شروط، والردّ عليها بأخرى. لم تكن موافقة الرئيس المكلف على توزير خاسرين إلا مناورة غير مجدية استغرقت أسابيع، غير أنها لم تفضِ إلى ما رمى إليه وقوى 14 آذار، عبر مقايضة توزير الخاسر بحقيبة الاتصالات. تدحرجت تباعاً شروط الموالاة، ولم تتزحزح المعارضة عن مطالبها. في التكليف الثاني قال الحريري إنه سيضع قواعد جديدة للتفاوض مع المعارضة، رافضاً الرضوخ لشروط مسبقة. بيد أنه سلّم أولاً بحكومة وحدة وطنية، ثم بمعادلة 15+10+5، ثم بتوزير خاسرين، وهو على أهبة القبول بآخر شروط المعارضة ربما، إذا كان ثمّة آخر لها. عاد على أبواب الشهر الخامس من التأليف إلى حيث كان التفاوض في التكليف الأول.
لكن المأزق الحكومي يشير إلى ملاحظات منها:
1ـــــ سعي دمشق والمعارضة إلى إنهاك الرئيس المكلّف قبل نجاحه في ترؤس الحكومة، بحيث يفقد من داخلها الهيبة التي كان سيتيحها له تأليف سهل لأول حكومة يترأسها. وهو بذلك أقرب إلى معاناة الرئيس فؤاد السنيورة في حكومته الثانية عام 2008، منه إليه في حكومته الأولى عام 2005، عندما بدا رئيس الحكومة أقوى من كل وزرائه، ومن الرئيس إميل لحود الذي كان يواجه عزلة خانقة حملته على الانكفاء. في الحكومة الثانية ترأس السنيورة سلطة إجرائية صنعها له اتفاق الدوحة لا نتائج انتخابات 2005. في حكومته الأولى يجد الحريري نفسه على رأس سلطة إجرائية تصنعها له سوريا والمعارضة. وهو سبب كاف للاعتقاد بأن مقدرته على الحكم، داخل حكومته وخارجها، تتطلّب مساعدة دمشق والمعارضة على السواء.
2ـــــ لا حكومة أمام الحريري إلا حكومة الوحدة الوطنية، بعدما انضم حليفه النائب وليد جنبلاط إلى الرئيس ميشال سليمان والمعارضة في رفض حكومة الغالبية. كانت الرياض ودمشق سبّاقتين إلى هذا الرفض عندما أيّدتا حكومة وحدة وطنية،وعدّتاها عاملاً رئيسياً للاستقرار. وكانت معلومات قد تحدّثت عن مكالمة هاتفية تلقاها الرئيس المكلف من مساعد وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى جيفري فيلتمان حضّه فيها على عدم القبول بمعادلة 15+10+5 التي تناقض نتائج انتخابات 7 حزيران، وتعزّز نفوذ المعارضة في الحكم. كان ردّ الحريري أن لا بديل من المعادلة، مؤيداً الاتفاق السعودي ـــــ السوري في شأنها. في المقابل، اكتفى فيلتمان بطلب الرفض من دون تقديم بدائل محتملة، سوى احترام نتائج الانتخابات.
3ـــــ لم توحِ سوريا حتى الآن أنها على استعداد لتوجيه إشارة مباشرة إلى الرئيس ميشال عون، أو غير مباشرة عبر حلفائها الذين هم حلفاؤه، لحمله على التخلي عن بعض شروطه لتسهيل مهمة الحريري في التأليف. إذ لا تزال دمشق تعتقد أن حكومة برئاسة الحريري ينبغي لها تقويض نتائج الانتخابات وإرساء توازن قوى غير منبثق من هذه النتائج، بل تكون استمراراً للواقع الذي أفضت إليه أحداث 7 أيار 2008 وجاء اتفاق الدوحة يثبت مخارجها السياسية.
4ـــــ للحريري أكثر من رهان على نجاحه في التأليف:
أولاً تأكيد زعامته لطائفته والغالبية النيابية.
وثانياً ترؤسه حكومة وحدة وطنية لا حكومة غالبية، ما يجعله أمام امتحان مزدوج، هو المحافظة على تماسك هذا النمط المعقد والشاق من إدارة سلطة إجرائية، وفي الوقت نفسه المحافظة على تماسك الغالبية التي يترأسها رغم معرفته سلفاً بامتعاضها من حصتها المرتقبة فيها، وذلك كي يتفادى هزّة مشابهة لخروج جنبلاط من قوى 14 آذار.
وثالثاً أنه سيقود الحكومة إلى انتخابات بلدية ربيع 2010 ستعبّر بدورها عن سخونة المواجهة المفتوحة في الشارع بين قوى 8 و14 آذار منذ ما قبل انتخابات 7 حزيران.
ورابعاً تحديد علاقته بسوريا بعدما تعهّد زيارتها بعد التأليف. إلا أن عليه أيضاً التيقّن ممّا سيطلبه من دمشق وما يتوقع منها استجابته، أضف الالتزامات السياسية الجديدة التي ربما حُمِل على اتخاذ قرارات في شأنها. وتكمن أهمية الزيارة في أنه لا أحد يرغم الحريري عليها، بعدما كان قد رفض القيام بها بوصفه زعيماً للغالبية، ثم رئيساً مكلفاً.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018