ارشيف من :أخبار لبنانية

خاص الانتقاد.نت: حالة تردّ استخباراتي لم يصل إليه الكيان الغاصب من قبل

خاص الانتقاد.نت: حالة تردّ استخباراتي لم يصل إليه الكيان الغاصب من قبل
صورة انهزام "اسرائيل" في ردها على انكشاف ادواتها التجسسية في حولا


جهاد حيدر


تبدو تعليقات الجيش الاسرائيلي، وردوده، حيال اخر واقعة مرتبطة به في لبنان، تعليقات غير ذات صلة. لم يجد الناطق بلسان جيش العدو ردا على واقعة اكتشاف اجهزة تجسس على الاراضي اللبنانية، بالقرب من بلدة حولا، الا ان يقول ان "حزب الله يعيش حالة من الضغط الداخلي، بنتيجة انفجار بلدة طيرفلسيه، ما يدفعه الى التغطية على ذلك". بمعنى اخر، يريد الجيش الاسرائيلي ان يقول ان واقعة محققة لا دخالة لحزب الله فيها، جرى التحقق منها من قبل الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل، وتشير الى خرق "اسرائيل" للسيادة اللبنانية وللقرارات الدولية، جاءت كي يغطي حزب الله على "انضغاط مزعوم" نتيجة واقعة "مزعومة" في طيرفلسيه، ثبت انها غير صحيحة.

تشبه "اسرائيل" في ذلك عرب عام 1967. في حينه كانت الجيوش العربية، بحسب اذاعات بعضها، قد وصلت بالفعل الى مشارف تل ابيب، وكان يبدو للمواطنين العرب ان "اسرائيل" تعكف على صياغة بيان استسلامها، في حين ان زعماء الدول العربية كانوا في صدمة هزيمة غير مسبوقة، لم يخرج بعضهم منها الى الان.. تشبه "اسرائيل" عام 2009، عرب عام 1967 وما تلاه، ويبدو ان هذا هو اسلوب قياسي لاي خاسر، ان يعمد الى الكذب والتعمية والالتفاف على الحقائق، خاصة في ظل فقدانه لادوات الاقناع، امام جمهوره قبل اعدائه.

بالطبع فان رواية "اسرائيل" الرسمية، المتمثلة في "انضغاط" حزب الله، التي لوحظ ان المراسلين العسكريين والسياسيين في الكيان الاسرائيلي قد تماشوا مع جيشهم في طرحها وتسويقها عبر الاعلام الاسرائيلي، لم تنطل في الساحة اللبنانية، لانها غير قادرة على ذلك، حتى مع اولئك الذي "يتقاطعون" مع "اسرائيل" في مصلحة النيل والاضرار من المقاومة.. لكن من جهة اخرى فان المتلقي الاسرائيلي يأخذ بالرواية الاسرائيلية كما ترد على لسان الناطق بلسان الجيش، وكما يرددها مراسلو الشؤون العسكرية.. ولا يبحث فيها كثيرا، رغم ان هناك انفلاتا ما ينطق به هؤلاء المراسلون، بشكل عفوي، يشير الى حقائق واضحة يريد الاسرائيلي ان يخفيها ان يتغاضى عنها.

خاص الانتقاد.نت: حالة تردّ استخباراتي لم يصل إليه الكيان الغاصب من قبلمراسل القناة العاشرة للشؤون العسكرية، اور هيلر، اشار في اطار تقريره عن "عبوات واجهزة مزعومة في لبنان"، انه لو صح هذا الحديث الآتي من الاراضي اللبناني، فان "ذلك مثير للقلق والخشية"، خاصة ان الاجهزة الامنية اللبنانية، والكلام دائما للمراسل نفسه، "قد كشفت اربع شبكات تجسس اسرائيلية في الاونة الاخيرة". بينما رأى مراسل اخر ان "ما يقال في لبنان يشير الى مواصلة الحرب الاستخبارية بين اسرائيل وحزب الله".

قبل ايام من ذلك، وفي اعقاب انكشاف زيف ادعاء "اسرائيل" في مشاهدها المصورة عن وجود مخزن سلاح في طيرفلسيه، قالت مصادر في قيادة الجبهة الشمالية في الجيش الاسرائيلي، ردا على الشريط المصور من قبل حزب الله، وبحضور وفد من اليونيفيل، ان "المكان هو مخزن للصواريخ، وبعيدا عن المشاهد المصورة، لدينا معلومات استخبارية تؤكد انه مخزن للصواريخ"، وكي تنفلت المصادر من الاسئلة التي تتبع عادة تأكيدات مماثلة، اضافت ان "المعلومات الاستخبارية تؤكد ذلك، لكن لا يمكننا ان نخوض كثيرا في التفاصيل، لان المصلحة الامنية تمنعنا من ذلك".

معنى ذلك، بصورة غير مباشرة، ان "اسرائيل" حاولت تمرير صور، او تفسيرات لصور، كي تظهر ان حزب الله يخرق القرار 1701، لكن في حال ظهر عدم صحة هذه التفسيرات، فان الجيش الاسرائيلي لديه تأكيدات دامغة بان المكان عبارة عن مخزن لصواريخ، لكن لا يمكن الخوض في تفاصيل المعلومات ومصادرها، وكأنهم يقولون "عليكم ان تأخذوا تأكيداتنا كما ترد، بلا اسئلة"، رغم ان تأكيدات "اسرائيل" المصورة كانت مغلوطة، فكيف بالتأكيدات غير المصورة.

على اي حال، في حادثة وادي حولا، يظهر ان لجوء "اسرائيل" الى اساليب التجسس عن بعد، اشارة الى تردي وضعها الاستخباري في لبنان، بعد سلسلة من الضربات التي تلقتها اخيرا، وهي حالة لم تصل اليها استخبارات "اسرائيل" من قبل، خاصة في الساحة اللبنانية التي تعتبر "سهلة"، بحسب تعبير بعض المعلقين الاسرائيليين، في السابق.

حافظت "اسرائيل" على هالة استخباراتها، وقدرتها الفائقة على تقفي واستعلام ومعرفة كل ما يجري لدى اعدائها، بل وصورت نفسها على انها تعلم بالنوايا واسرار قلوب اعدائها، اما من ناحية اعدائها نفسهم فقد تماشوا مع الادعاء الاسرائيلي وبنوا اساطير غير مسبوقة عن قدرات "اسرائيل"، الى درجة لم تكن "اسرائيل" نفسها لتحلم بها.. فالدونية العربية والتفوق الاسرائيلي، كان محفورا جيدا في الوعي العربي، الى حد الفساد المسبق اي محاولة لترميم هذه الصورة واعادة الثقة بالنفس العربية.

تعتبر حرب تموز/ يوليو 2006، احدى المحطات الاساسية والمهمة جدا في اعادة تكوين الوعي العربي، كما تعتبر حرب الاستخبارات وكشف شبكات التجسس عام 2009، حرب تموز جديدة، من ناحية استخبارية هذه المرة، وتساهم بالفعل في ترميم وعي العرب واعادة اعتبار مفقود منذ سنوات.

في الوقت الذي يشدد زعماء بعض الدول العربية على مواقفهم المتخاذلة، والعمل على ترسيخ صورة العدو المتفوقة التي صدأت وبان صدأها في اعقاب حرب تموز/يوليو وما تلاها من وقائع مظهرة لفساد الصورة، تبدو "اسرائيل" امام نفسها، على الاقل، وامام اعدائها الحقيقيين في الجانب الاخر، على الاقل ايضا، بصورة المتراجعة عن مكانة فقدتها، وتعمل على ترميمها من خلال اكاذيب والتفاف على حقائق ورفض للتعليق، تماما كما حدث في انكشاف تجسسها في وادي حولا، وقبله ايضا الكثير.

2009-10-19