ارشيف من :أخبار لبنانية

ينتجعُ الشتاتَ حتى العودة

ينتجعُ الشتاتَ حتى العودة

عزمي بشارة - صحيفة السفير

يذكِّرُنا كما لو كان يعيِّرنا بما آلت إليه أحوالُنا. ولا نغلو الادعاء بأننا بالكاد نفصل الذكرى عن الحسرة. وما الحسرة إلا التنبه العاجز إلى ما كان ممكنا أن يكون.
وفلسطين ما فتئ يفجعها الفرق بين ما كان بأمثالِه ممكنا، وما آلت إليه.
هو من صار في سنيه الأخيرة شِلْوَ قلبٍ من رفاق دربٍ حلّوا على العملِ الوطني زرافات، ويغادروننا في هذه الأيّامِ وحدانا.

جسّدوا ما أمكن أن تكون عليه قضية ببعدها العربي وعمقها المدني. وكان بناءُ حركة التحرر كمدينة افتراضية هو الرد الأنسب من منظورهم على فقدان يافا وحيفا. ولم تكن هذه ممكنة إلا في قلب المدينة العربية الصاعدة.
حين تجمهرت وتريَّفت الأخيرة ريَّفتها. فحيل بينهم وعنهم. لم تستوعبهم المدن العربية حين لم تستوعب ذاتها.

وكان القرار الوطني المستقل الوجه الفلسطيني الآخر لمبدأ عربي رسمي جديد هو «الدولة القطرية أولا»، وهي لا تعني في الواقع سوى الطائفة أولا، والعشيرة أولا، حيث لبثت دول الاستبداد جسما خارجيا، قشرة لمجتمع حُرِمَ من بناء الأمة، وانكفأ على طوائفه وعشائره.
ثمة نظام عربي حوّل قضية فلسطين إلى مشكلة الفلسطينيين. وهو نفسُه جعلَ الفقرَ في بلاده ذاتِها مشكلةَ الفقراءِ وحدَهم، والمرض صيَّره مشكلةَ المرضى وذويهم، والتعليم مشكلة رماها في وجه الأهل فليتدبروا أمرَهم. من أسقط الأمة أسقط مجتمعَه من حسابِه. ومن أسقط مجتمعَه أسقطَ فلسطينَ أيضا. وبهذا تحوَّل إلى مشكلتِنا جميعا.

لم يخفّ ميزانُ شفيق للأمور، ولا خفَّ عقل وقلب هذه الكوكبة من رجال فلسطين. إذ كعادتهم نهضوا وناهضوا، قاموا وقاوموا اتفاقيات السلام العربية المنفرد إلى أن فجعوا بشرف رؤية بعض الرفاق وهم يصبحون رهينة السلطة و«الحل المنفرد». وما الحل الفلسطيني المنفرد إلا أحد الحلول العربية المنفردة، ولكنه يمسخها حين ينسخها، لأنه يجري بلا دولة، وفي ظل الاحتلال.

كان شبابَ البحرِ المنطلقَ، حُجّةَ يافا المرسلَة، وجهَ فلسطين المشرقَ. صار ثورتَها المُسدلَة.
ومضى إلى حيث مضى. واعترانا حنينُ جيلٍ كاملٍ إلى وهمِ الشباب.
ثمة شعب فينا يرنو إلى مرحلةٍ خَبِرَ نهايتَها، وأدرك إخفاقها. لكنه يرنو إلى الوهمِ الذي حملت، فقد كان في فمها بشرى. يتوق إلى القيم التي سادت. فقس على التوق هذا رداءةَ أحوالِنا!

وفلسطينُ، متعددة الاستخدامات. فهي باعثة الإبداع والثورة، ومستحضرة الفن والأدب. وفي الحالك من زمانها تستأجرها الأمة كأنها تستأجر ميتاً وندّابة برزمة واحدة لمأتم افتراضي، فتشتري في زمن التنزيلات مناسبةً شرعيةً لترثي لحالِها أحوالَها. فتجتمعُ الشعوبُ حول المسجّى لا لكي تبكيه وحده، بل لتبكيَ موتاها بالمناسبة.

كان شفيق الحوت سليل عائلة لبنانية هاجرت الى يافا، كمن يتنقل داخل الوطن، وذلك قبل أن نصدق كذبة الحدود المفروضة. ولو قبلنا التقسيم الاستعماري انتماء طوعيا في تعددية انتماءات وهويات، لكان ذلك أهون الشرين. لكنّا صرنا ألف «نا». وتعصبنا لـ«نا»ءاتنا الجديدة، وأرَّخنا لها تأريخا، وأصَّلنا لها تأصيلا، وشخّصنا فيها سجايا ومزايا وسماتٍ جوهرية، واكتشفنا تميّزا وتراتبا كيفا ونوعا ومنزلة. لم يردنا المماليك أن نصدق فرية الحدود فحسب، بل أن نتعصب لها بعضنا ضد بعض. فتشكَّلنا بموجبها.

حين قَدِمَِ لبنان عام ثمانية وأربعين كان يمكنه التظاهر على جاري هذه الأيام بمنطق السلالة والقرابة أنه عاد إلى وطنه. لكنه اختار اللجوء وطنا. انتجع الشتات حتى التحرر والعودة. وذلك ليس لأن الفلسطيني يفترض أن يكون غريبا في لبنان، أو في غيره. فلسان الحال أنه حتى يتحرر ذلك الجزء المحتل من الوطن العربي، كان الفلسطيني وما زال مواطنا عربيا فاعلا في وطنه العربي، لا هو ضيف، ولا هو عالة على أحد.

اختار الشتات في لبنان لأنه لبناني. وبحر يافا هو بحر بيروت. واللبناني غريب في لبنان، والسوري غريب في سوريا، والمصري غريب في مصر ما دامت فلسطين محتلة. كان شفيق الحوت لبنانيا فقط إذا كانت فلسطينُ جزءاً محتلا من لبنان، وسوريا فقط إذا كان أعز ما احتُلَّ منها فلسطين، ومصريا فقط إذا لم تقتصر الحرب والسلم على خلاف حدودي مع إسرائيل.

وإذا لم تكن فلسطين جزءاً محتلاً أو محررًا يبقى العرب غرباء عن عروبتهم، لاجئين في وطنهم العربيّ.
كان شفيق فلسطينيا، ليس ككائن مقاوم للتوطين، بل كان فلسطينيا لأنه عربي. كان فلسطينيا من أجل لقاء التحرير والتحرر في حق العودة.
حتى الرمق الأخير جسَّد شفيق الحوت قيما تعيلُ الوطنية والعدالة والوحدة العربية، وترفض الاستبداد. وتنفر من الشعار إذا كان غطاء للاستبداد، قيمًا أقبلت معه على الدنيا، وكان حسبها البعض قد انكفأت قيمًا مدبرة.

فهو علماني عقلاني، لا مباهاة ولا أيديولوجية، بل مسلكا وتسامحا. لم يكن علمانيا كي تكون له أداة يستخدمها ضد المقاومة في لبنان أو فلسطين.
ولا عرف معنى الطائفة والطائفية السياسية إلا بما يكفي لكي تثير فيه الرفض والتمرد.
قومي عروبيُّ الثقافة والروحِ والانتماء والممارسة، خلوٌ من الرواسم والشخصنة، ومن التعصب الذي يخلطه بعضنا بالصلابة والمبدئية.
ويساري، رأى في اليسار عدالة اجتماعية، وعدالة وطنية، وما هو أكثر من فرقة ذات عقيدة، وما هو أكثر من لغة تُستَحضرُ بعد إخفاق المشروع لصياغة الإعجاب بعلمانية وعقلانية وتنور الأعداء في مقابل ظلامية الخصوم الداخليين.
وشاء الله أن تكون قامة الرجل شبيهة بقوامه. وأن يكون كالبحر كنيته صوته.

شفيق الحوت ابن يافا، رجل الساحل السوري، ابن فلسطين وسليل لبنان. كاتب حاد الطبع والبصر حاضر البديهة جهوري مجاهر. وكأنه ولد كي يكون قائدا.
ولكن الفرد في بلادنا لا يولد للقيادة، بل إما أن تولد له القيادة أو يختطفها. ولم يسعفنا أو يسعفه أنه وُلِدَ لها، فهي لم تُولدْ له. ولم يكن آخذا أو خاطفا، بل كان مخطوفا ومأخوذا. كان مخطوفا لقضية مأخوذا بها.

خطوط الوجه ونبرات الصوت سينمائية، والمحيا سهل التهدج والسريع الانفعال عند أي عوج أو قلة استقامة، تطفئه دائما في النهاية روح الدعابة الدائمة، لتتجلى رومانسية وطنية لا شفاء منها. فمن يطابق سيرته مع مسار حركة تحرر مستحيلة فلا بد أن يكون عاطفيا غير قابل للعلاج، رومانسيا الى درجة رؤية الإيجابي في ياسر عرفات رغم خلافه معه، واختلافه المتطرف عنه، وتجعله لا ينطق بكلمة عن سلبيات جمال عبد الناصر وإخفاقاته.
ربما يتساءل شفيق الحوت وجورج حبش الآن: عم تبحث عندنا؟ قلنا لك مرارا إننا فشلنا، وتساءلنا معك سوية مرات عدة، لماذا فشلنا؟
كان لديكما قضيةٌ، ومشروع عام، وإحساس بالعموم. بحثتما عن اختتام التحرر بالوطن والاستقلال. لم تستبدلا الصراع للتخلص من الاحتلال بسلامٍ وَبِيلٍ معه. ولم تعيِّرانا بالتضحيات لتبرير الفساد.

يعيرنا هذا الواثق الخطى بالفهلوية السياسية وبالفساد والإفساد وبهدلة المؤسسات. إنه يمثّل بجدارة من تجرَّأوا على الدنيا بحلم، جامعا السؤالَ المحيِّر عن سبب التخلّف مع الإيمان بالتقدم والبحث عن العدالة لشعبة المشرَّدِ، بين المناقبية والعقلانية، بين النضال وبناء المؤسسات.
ورغم العواطف الجياشة تغمر مدينة بأسرها تسري العقلانية النقدية في قلمه وينتفض على الإشاعة ويسخر من الاعتقاد السائد والأفكار المسبقة.
كيف جمع هذا كله؟ الله أعلم. أعرف أنه جمعنا هنا سوية. وأحمد الله على ذلك.

رحم الله فقيدنا، وإنا لله وإنا إليه لراجعون.

2009-10-20