ارشيف من :أخبار لبنانية

سورية تركيا إيران... باتجاه شرق أوسط جديد لعالمٍ أكثر أمناً

سورية تركيا إيران... باتجاه شرق أوسط جديد لعالمٍ أكثر أمناً
إلياس غصن إبراهيم - صحيفة الوطن السورية


عندما بدأت سورية جرة القلم الأولى لرسم ملامح شرق أوسط جديد ابتداء من اليوم الأول لإعلان الثورة الإيرانية بالاعتراف بالثورة ووضع إمكانيات سورية في خدمة تثبيت قواعدها، وقف البعض مذهولاً بمشهد صدور الإيرانيين تغلق الطرقات أمام دبابات الشاه، وتضييق الخناق على قواعد السافاك لينهار الهرم الإمبراطوري بما يمثل من قاعدة متقدمة للهيمنة الإمبريالية في الشرق الأوسط بزمنٍ قياسي.
بعض هذا البعض أحس أن مركز الزلزال في إيران والاهتزاز يحيط به، والبعض الآخر قرأه بدقة أكثر لكونه بداية لتغيير جذري في المنطقة لن يكون أثره أقل من القراءة السابقة.

منذ ذلك الوقت بدأ العالم يلمح تكون نظام دولي جديد يغيب الاتحاد السوفييتي تدريجياً عنه لانشغال القيادة السوفييتية بأزمتها الداخلية منذ موت آخر العمالقة السوفييت أندروبوف أوائل ثمانينيات القرن الماضي.

بعد تفكك الاتحاد السوفييتي وتفرد الإدارة الأميركية بما يعرف عنها بالسعي للهيمنة على السياسة الدولية بما تملك من تفوق عسكري واقتصادي شكلت على وقع أحداث الحادي عشر من أيلول حالة ائتلاف دولي تحت راية الحرب على الإرهاب مرتهناً بشعار من ليس معنا فهو ضدنا. وضع إيران وسورية في مركز الهدف المقبل، فصارا عضوين رئيسيين في أكثر من لائحة اتهام، محور الشر، ودول راعية الإرهاب، وغيرها من التهم التي تستحق العقوبة المقبلة.
جاءت أحداث الحادي عشر من أيلول موقوتةً مع بدايات عهد المحافظين الجدد لتسرع الخطا لإعادة بناء العالم الجديد بعد أن تأكد غياب الاتحاد السوفييتي من الكفة الثانية لميزان التوازن الدولي، وانكماش الدور الروسي في النظام الدولي الراهن، فلم تكتفِ أميركا بإطلاق قواتها في أكثر من اتجاه وإلى أكثر من موقع في العالم، بل تجاوز الصلف الأميركي حدود المعقول في السياسة الدولية ليتجاوز ذلك في إعلان الحرب على الإسلام وهو ما خطط له منظرو البنتاغون ليكون هدفاً أخيراً وفق نظرية صدام الحضارات المطلوبة لاحقاً. هذا ما وضع المتعاطفين مع ضحايا الحادي عشر من أيلول حتى من القوى الغربية في حرجٍ كبير لكونهم متطوعين للحرب على الإرهاب الذي لا ينتمي إلى عقيدة بعينها أو دين بذاته. ومن الطبيعي أن يوقظ ذلك منظومة العالم الإسلامي التي يعمل معظم أقطابها في سياق سياسةٍ دولية تؤمن بحوار الحضارات لا صدامها، ومن الطبيعي أن تكون تركيا العلمانية في مقدمة هذه الدول التي لا يغير من علمانيتها هوية الحزب الحاكم إسلامياً كان أم يسارياً أم محافظاً بأي اتجاه.

رغم الاجتهادات التعليمية التي انهالت على تلميذ السياسة الدولية الصاعد جورج بوش بتصحيح خطأٍ قاتل على أنه زلة لسان، إلا أن مسار الحرب على الأرض أكدت أن زلة اللسان هذه ليست سوى سقطة سياسية لسرٍّ مبطن.
أدركت تركيا بخبرتها التاريخية في العلاقة مع الغرب أنها في دائرة الهدف، وأنها ليست أقرب إلى قلب أميركا من ما قبل الشاه، وأيقنت أن علاقاتها التاريخية مع الغرب وضعتها وعلى مدى سنواتٍ طويلة في موقعها الخطأ في العلاقات البينية ضمن محيطها الإقليمي بارتباطها بالسياسة الاسرائيلية دون أي مكاسب لتركيا الدولة أو المجتمع مقابل هذا الانحياز المدان.

من هنا كان إدراك الحكومات التركية المتعاقبة بعد أحداث أيلول بضرورة إعادة قراءة مستقبل الدور التركي، وبأي مكانٍ يجب أن يكون لتعود تركيا دولةً محورية في السياسة الدولية بما يناسب حجمها الجغرافي والسكاني والحضاري. ولم تتأخر قراءتها هذه كثيراً بل بدأت ترسم طريقاً آخر بدءاً من الإعلان عن عدم رضاها عن غزو العراق، ورفضها ضرب العراق من القواعد الموجودة على أرضها بموجب اتفاقيات دولية سابقة، وتعميق هذا الخط الجديد بضبط علاقاتها الموروثة مع الكيان الصهيوني وفق قواعد لا تخالف عرف العلاقات الدولية، وتقونن مواقفها من السلوك العدواني الإسرائيلي وفق الوقائع بحيادٍ أخلاقي نحو الحق الصريح والواضح دوماً للقضية الفلسطينية والفلسطينيين.

سورية وتركيا وإيران زوايا ثلاث لها من القوة ما يكفي لبناء الشرق الأوسط الجديد بمقوماته الوطنية الإقليمية، يتسع لكل دول الشرق الأوسط التي تدين العدوان الإسرائيلي على الشعب والأرض الفلسطينية، وتسعى لشرقٍ يتظلل بالسلم والأمن المهدد دوماً بإسرائيل، ويعمل نحو تكامل اقتصادي وثقافي واجتماعي، ويسعى لعودة التوازن في العلاقات الدولية وعقلنتها.

2009-10-20