ارشيف من :أخبار عالمية
الأحد الدامي بعد الاربعاء الدامي .. أين يكمن الخلل؟
بغداد ـ عادل الجبوري
يوم دام آخر في بغداد، ولكنه ليس الاربعاء هذه المرة بل الاحد، مع ذلك فان الصورة الدموية لصباح الاحد الماضي، لم تختلف كثيرا عن الصورة الدموية لصباح الاربعاء قبل اكثر من شهرين، وتحديدا في التاسع عشر من آب/ أغسطس الماضي.
أوجه شبه كثيرة تربط بين الاربعاء الدامي والاحد الدامي، تعيد من جانب ذات التساؤلات والاثارات والاستفهامات السابقة، ومن جانب اخر يمكن ان تشير بطريقة او بأخرى الى ضعف وخلل في المنظومة الامنية العراقية، واختراقها الكبير من قبل المجاميع المسلحة، سواء كانت تكفيرية، او بعثية.
وقد يكون مفيدا ان نشير الى اوجه الشبه بين الاربعاء الدامي والاحد الدامي لاستجلاء وتشخيص ما يمكن تشخيصه من مكامن الضعف والخلل.
ـ كلا التفجيرين وقع في ساعة الذروة الصباحية، حيث الاعداد الكبيرة للناس والسيارات.
ـ كلاهما استهدف مؤسسات حكومية مهمة، فالاول استهدف وزارة الخارجية، ومعها وزارة المالية التي تقع في الجانب الاخر من العاصمة بغداد، اما الثاني فقد استهدف وزارتي العدل والبلديات والاشغال العامة ومجلس محافظة بغداد.
ـ مسرح الجريمتين كان واحدا، وهو منطقة الصالحية التي تقع في قلب العاصمة بغداد، وتضم مجموعة من الدوائر والمؤسسات الحكومية المهمة الى جانب المجمعات السكنية، وتربط بين مناطق مختلفة، اضافة الى متاخمتها للمنطقة الخضراء المحصنة تحصينا شديدا بسبب وجود المؤسسات السياسية العليا فيها كمجلس الوزراء ورئاسة الحكومة ومجلس النواب، وعدد من الوزارات والتشكيلات الحكومية.
ـ في كلا الجريمتين استخدمت شاحنات معبأة بكميات كبيرة من المواد الشديدة الانفجار، وتم تفجيرها بواسطة انتحاريين.
ـ فرضية التواطؤ والاختراق للاجهزة الامنية والتشكيلات العسكرية فرضت نفسها على ما سواها من الفرضيات والاحتمالات الاخرى حيال ما حصل في الاربعاء الدامي، وما حصل مؤخرا في الاحد الدامي.
وربما تكون هناك اوجه شبه اخرى عند الاستغراق في تفاصيل وجزئيات الحدثين، بيد ان ما اشرنا اليه يكفي للمقاربة بين الاثنين لتشخيص بعض الخلفيات والاهداف والدوافع والاسباب.
وكما هو الحال مع احداث الاربعاء الدامي، فان ردود الافعال التي اعقبت احداث الاحد الدامي، جاءت سريعة ـ وربما بعضها متسرعة وانفعالية ـ ، ولعله امر طبيعي ان تأتي ردود الافعال سريعة وكذلك متسرعة ارتباطا بفداحة ودموية الحدث.
وتمثلت ردود الافعال بمواقف وتبريرات بعضها موضوعية وبعضها ليست كذلك.
ومن بين ما قيل:
ـ "ان تلك العمليات الارهابية يراد منها اشاعة الفوضى في البلاد وتعطيل العملية السياسية ومنع اجراء الانتخابات البرلمانية في موعدها المقرر، والتي ستكون اقوى رد وابلغ رسالة لاعداء العملية السياسية المدعومين من الخارج".
ـ "اليد التي قامت بالتخطيط لتفجيرات الاربعاء هي نفس اليد التي خططت ونفذت تفجيرات الاحد".
ـ "ان الهجومين يحملان بصمات تنظيم القاعدة والبعثيين، وانهما يمثلان تحديا لسلطة الدولة والاجهزة الامنية".
ـ "ان مثل هذه الهجمات تهدف الى اعادة اثارة الصراع الطائفي الذي سيطر على البلاد بعد الاطاحة بنظام صدام قبل ستة اعوام ونصف.
"تفجيرات الصالحية تهدف الى بث الرعب والفزع في نفوس الناس، واعادة الامور الى المربع الاول".
وفي الاطار العام فان المواقف وردود الافعال تساهم في رسم وصياغة الصورة الكلية الاجمالية للحدث، لكنها في كل الاحوال لا تطرح حلولا ومعالجات واقعية وعملية. وهنا قد تكمن الاشكالية الرئيسية، فحينما يخرج كبار القادة الامنيين المسؤولين مسؤولية مباشرة عن الملف الامني في كل مرة ليتحدثوا عن وجود خروقات امنية خطيرة وكبيرة، وعن ورود الانتحاريين والمواد المتفجرة من وراء الحدود، وعن وجود حالات تواطؤ مع الجماعات الارهابية من داخل المؤسسات الامنية والعسكرية، من دون ان يصار الى وضع حلول ومعالجات واقعية وعملية لمكامن الضعف والخلل، فان ذلك امام يعكس عدم جدية او قلة كفاءة.
وفي كلتا الحالتين فانه لا بد من ان يصار الى اتخاذ اجراءات حازمة، ولعل الاصوات التي انطلقت بصورة اقوى هذه المرة لاقالة بعض من كبار القادة والمسؤولين الامنيين والعسكريين كوزير الداخلية وقائد عمليات بغداد، مبررة في جانب كبير منها ومنطقية.
وبعد تفجيرات الاربعاء الدامي تم استدعاء وزيري الداخلية والدفاع جواد البولاني وعبد القادر العبيدي الى مجلس النواب، وكان من بين ما قاله وزير الداخلية هو عدم وجود استراتيجية لمواجهة الارهاب. واذا كان ذلك صحيحا ـ واغلب الظن انه كذلك ـ فهذا يعني كارثة على الامن الوطني للبلاد.
وتكرار وقوع عمليات ارهابية بنفس الاليات والوسائل والاساليب بعد شهرين يشير الى حقيقة عدم قيام الاجهزة والمؤسسات الامنية والاستخباراتية والسياسية المسؤولة بالاجراءات والخطط الكفيلة دون وقوع المزيد من تلك العمليات الارهابية.
واياً كانت التبريرات والذرائع والحجج والتسويقات التي يطرحها المعنيون بالشأن الامني العراقي فانها تبقى غير مقبولة من جانب، وتمثل ادانة لهم من جانب اخر.
فالقول على سبيل الافتراض بأن جهات خارجية تقف وراء التخطيط لتلك العمليات وتنفيذها، يستتبع طرح التساؤل التالي: اين كانت الاجهزة الامنية والاستخباراتية والتشكيلات العسكرية بعدتها وعديدها حينما قطع الارهابيون مئات الكيلومترات ليصلوا الى قلب العاصمة بغداد، ويفجروا اطنانا من المتفجرات على مرمى حجر من مقرات القيادات السياسية والامنية والعسكرية في المنطقة الخضراء كما حصل في التاسع عشر من شهر اب/ اغسطس الماضي؟.
والقول بأن المؤسسات الامنية والعسكرية واجهزة وزارات الداخلية والدفاع والمخابرات والامن الوطني مخترقة من قبل التكفيريين والصداميين، يستتبع طرح تساؤل اخر هو: كيف اخترق هؤلاء تلك المؤسسات والاجهزة الحساسة وباتوا ربما قادرين حتى على قلب النظام، وهل اصبح من المستحيل تطهيرها منهم للمحافظة على الدولة وصيانة ارواح وممتلكات ملايين الناس الابرياء؟.
ينقل شهود عيان مشاهد عن حالات غضب هستيرية اعترت بعض الاشخاص وهم يواجهون مسؤولين كبارا في الدولة جاؤوا لتفقد موقع العمليات الارهابية بعد ساعات قلائل من حدوثها، ومنهم رئيس الوزراء نوري المالكي، ومثل حالات الغضب الهستيرية هذه تعد تحصيل حاصل وامرا متوقعا، لان احاديث ساسة البلد وكبار المسؤولين عن التحسن الامني والانجازات المتحققة شيء، وما يحصل من كوارث امنية على الارض شيء آخر.
وموجة الاتهامات المتبادلة بالتقصير واللامبالاة وعدم الشعور بالمسؤولية التي اعقبت تفجيرات الاحد الدامي، تعكس هي الاخرى، حتى وان نظر البعض اليها على انها مزايدات سياسية لاغراض انتخابية، تعكس ضعف التنسيق، وعدم استعداد أي طرف لتحمل مسؤولية ما حدث ويحدث بشجاعة،
وقد نكون امام مشاهد دموية اخرى، وايام دامية بعد الاربعاء والاحد، اذا بقيت السياقات والاليات على حالها، واذا لم ينته الحديث عن مكامن الضعف والقصور والخلل، الى ترجمة واقعية للحلول والمعالجات على ارض الواقع، واذا بقي المسؤولون عن امن البلاد وارواح الناس منهمكين في مشاريعهم السياسية ومستغرقين في شؤون وهموم خاصة لا تعني ضحايا الارهاب لا من قريب ولا من بعيد.
الانتقاد/ العدد 1370 ـ 30 تشرين الاول/ اكتوبر 2009
يوم دام آخر في بغداد، ولكنه ليس الاربعاء هذه المرة بل الاحد، مع ذلك فان الصورة الدموية لصباح الاحد الماضي، لم تختلف كثيرا عن الصورة الدموية لصباح الاربعاء قبل اكثر من شهرين، وتحديدا في التاسع عشر من آب/ أغسطس الماضي.
أوجه شبه كثيرة تربط بين الاربعاء الدامي والاحد الدامي، تعيد من جانب ذات التساؤلات والاثارات والاستفهامات السابقة، ومن جانب اخر يمكن ان تشير بطريقة او بأخرى الى ضعف وخلل في المنظومة الامنية العراقية، واختراقها الكبير من قبل المجاميع المسلحة، سواء كانت تكفيرية، او بعثية.
وقد يكون مفيدا ان نشير الى اوجه الشبه بين الاربعاء الدامي والاحد الدامي لاستجلاء وتشخيص ما يمكن تشخيصه من مكامن الضعف والخلل.
ـ كلا التفجيرين وقع في ساعة الذروة الصباحية، حيث الاعداد الكبيرة للناس والسيارات.
ـ كلاهما استهدف مؤسسات حكومية مهمة، فالاول استهدف وزارة الخارجية، ومعها وزارة المالية التي تقع في الجانب الاخر من العاصمة بغداد، اما الثاني فقد استهدف وزارتي العدل والبلديات والاشغال العامة ومجلس محافظة بغداد.
ـ مسرح الجريمتين كان واحدا، وهو منطقة الصالحية التي تقع في قلب العاصمة بغداد، وتضم مجموعة من الدوائر والمؤسسات الحكومية المهمة الى جانب المجمعات السكنية، وتربط بين مناطق مختلفة، اضافة الى متاخمتها للمنطقة الخضراء المحصنة تحصينا شديدا بسبب وجود المؤسسات السياسية العليا فيها كمجلس الوزراء ورئاسة الحكومة ومجلس النواب، وعدد من الوزارات والتشكيلات الحكومية.
ـ في كلا الجريمتين استخدمت شاحنات معبأة بكميات كبيرة من المواد الشديدة الانفجار، وتم تفجيرها بواسطة انتحاريين.
ـ فرضية التواطؤ والاختراق للاجهزة الامنية والتشكيلات العسكرية فرضت نفسها على ما سواها من الفرضيات والاحتمالات الاخرى حيال ما حصل في الاربعاء الدامي، وما حصل مؤخرا في الاحد الدامي.
وربما تكون هناك اوجه شبه اخرى عند الاستغراق في تفاصيل وجزئيات الحدثين، بيد ان ما اشرنا اليه يكفي للمقاربة بين الاثنين لتشخيص بعض الخلفيات والاهداف والدوافع والاسباب.
وكما هو الحال مع احداث الاربعاء الدامي، فان ردود الافعال التي اعقبت احداث الاحد الدامي، جاءت سريعة ـ وربما بعضها متسرعة وانفعالية ـ ، ولعله امر طبيعي ان تأتي ردود الافعال سريعة وكذلك متسرعة ارتباطا بفداحة ودموية الحدث.
وتمثلت ردود الافعال بمواقف وتبريرات بعضها موضوعية وبعضها ليست كذلك.
ومن بين ما قيل:
ـ "ان تلك العمليات الارهابية يراد منها اشاعة الفوضى في البلاد وتعطيل العملية السياسية ومنع اجراء الانتخابات البرلمانية في موعدها المقرر، والتي ستكون اقوى رد وابلغ رسالة لاعداء العملية السياسية المدعومين من الخارج".
ـ "اليد التي قامت بالتخطيط لتفجيرات الاربعاء هي نفس اليد التي خططت ونفذت تفجيرات الاحد".
ـ "ان الهجومين يحملان بصمات تنظيم القاعدة والبعثيين، وانهما يمثلان تحديا لسلطة الدولة والاجهزة الامنية".
ـ "ان مثل هذه الهجمات تهدف الى اعادة اثارة الصراع الطائفي الذي سيطر على البلاد بعد الاطاحة بنظام صدام قبل ستة اعوام ونصف.
"تفجيرات الصالحية تهدف الى بث الرعب والفزع في نفوس الناس، واعادة الامور الى المربع الاول".
وفي الاطار العام فان المواقف وردود الافعال تساهم في رسم وصياغة الصورة الكلية الاجمالية للحدث، لكنها في كل الاحوال لا تطرح حلولا ومعالجات واقعية وعملية. وهنا قد تكمن الاشكالية الرئيسية، فحينما يخرج كبار القادة الامنيين المسؤولين مسؤولية مباشرة عن الملف الامني في كل مرة ليتحدثوا عن وجود خروقات امنية خطيرة وكبيرة، وعن ورود الانتحاريين والمواد المتفجرة من وراء الحدود، وعن وجود حالات تواطؤ مع الجماعات الارهابية من داخل المؤسسات الامنية والعسكرية، من دون ان يصار الى وضع حلول ومعالجات واقعية وعملية لمكامن الضعف والخلل، فان ذلك امام يعكس عدم جدية او قلة كفاءة.
وفي كلتا الحالتين فانه لا بد من ان يصار الى اتخاذ اجراءات حازمة، ولعل الاصوات التي انطلقت بصورة اقوى هذه المرة لاقالة بعض من كبار القادة والمسؤولين الامنيين والعسكريين كوزير الداخلية وقائد عمليات بغداد، مبررة في جانب كبير منها ومنطقية.
وبعد تفجيرات الاربعاء الدامي تم استدعاء وزيري الداخلية والدفاع جواد البولاني وعبد القادر العبيدي الى مجلس النواب، وكان من بين ما قاله وزير الداخلية هو عدم وجود استراتيجية لمواجهة الارهاب. واذا كان ذلك صحيحا ـ واغلب الظن انه كذلك ـ فهذا يعني كارثة على الامن الوطني للبلاد.
وتكرار وقوع عمليات ارهابية بنفس الاليات والوسائل والاساليب بعد شهرين يشير الى حقيقة عدم قيام الاجهزة والمؤسسات الامنية والاستخباراتية والسياسية المسؤولة بالاجراءات والخطط الكفيلة دون وقوع المزيد من تلك العمليات الارهابية.
واياً كانت التبريرات والذرائع والحجج والتسويقات التي يطرحها المعنيون بالشأن الامني العراقي فانها تبقى غير مقبولة من جانب، وتمثل ادانة لهم من جانب اخر.
فالقول على سبيل الافتراض بأن جهات خارجية تقف وراء التخطيط لتلك العمليات وتنفيذها، يستتبع طرح التساؤل التالي: اين كانت الاجهزة الامنية والاستخباراتية والتشكيلات العسكرية بعدتها وعديدها حينما قطع الارهابيون مئات الكيلومترات ليصلوا الى قلب العاصمة بغداد، ويفجروا اطنانا من المتفجرات على مرمى حجر من مقرات القيادات السياسية والامنية والعسكرية في المنطقة الخضراء كما حصل في التاسع عشر من شهر اب/ اغسطس الماضي؟.
والقول بأن المؤسسات الامنية والعسكرية واجهزة وزارات الداخلية والدفاع والمخابرات والامن الوطني مخترقة من قبل التكفيريين والصداميين، يستتبع طرح تساؤل اخر هو: كيف اخترق هؤلاء تلك المؤسسات والاجهزة الحساسة وباتوا ربما قادرين حتى على قلب النظام، وهل اصبح من المستحيل تطهيرها منهم للمحافظة على الدولة وصيانة ارواح وممتلكات ملايين الناس الابرياء؟.
ينقل شهود عيان مشاهد عن حالات غضب هستيرية اعترت بعض الاشخاص وهم يواجهون مسؤولين كبارا في الدولة جاؤوا لتفقد موقع العمليات الارهابية بعد ساعات قلائل من حدوثها، ومنهم رئيس الوزراء نوري المالكي، ومثل حالات الغضب الهستيرية هذه تعد تحصيل حاصل وامرا متوقعا، لان احاديث ساسة البلد وكبار المسؤولين عن التحسن الامني والانجازات المتحققة شيء، وما يحصل من كوارث امنية على الارض شيء آخر.
وموجة الاتهامات المتبادلة بالتقصير واللامبالاة وعدم الشعور بالمسؤولية التي اعقبت تفجيرات الاحد الدامي، تعكس هي الاخرى، حتى وان نظر البعض اليها على انها مزايدات سياسية لاغراض انتخابية، تعكس ضعف التنسيق، وعدم استعداد أي طرف لتحمل مسؤولية ما حدث ويحدث بشجاعة،
وقد نكون امام مشاهد دموية اخرى، وايام دامية بعد الاربعاء والاحد، اذا بقيت السياقات والاليات على حالها، واذا لم ينته الحديث عن مكامن الضعف والقصور والخلل، الى ترجمة واقعية للحلول والمعالجات على ارض الواقع، واذا بقي المسؤولون عن امن البلاد وارواح الناس منهمكين في مشاريعهم السياسية ومستغرقين في شؤون وهموم خاصة لا تعني ضحايا الارهاب لا من قريب ولا من بعيد.
الانتقاد/ العدد 1370 ـ 30 تشرين الاول/ اكتوبر 2009
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018