ارشيف من :أخبار لبنانية

خاص الانتقاد.نت: صناعة الجوع مأساة عالمية

خاص الانتقاد.نت: صناعة الجوع مأساة عالمية
الجوع يرعب العالم.... ولبنان آخر من يعلم!

فاطمة شعيتو
كان حريّاً بالأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، الذي أعلن صومه يوماً واحداً تضامناًً مع جياع العالم، أن يبطل صوم المجتمع الدولي عقوداً عن الاعتراف بحق مليار جائع في سد رمقه، وأن يلحظ تراكم توصياته عبثاً على سبعة مقاعد فارغة في قمته.
ففي العام 1996، اجتمع عشرات من زعماء العالم في القمة العالمية للأغذية تصدياً لشبح الجوع العالمي وقرروا خفض نسبة القابعين تحت رهبته الى النصف في العام 2015، لكن العام 2009 كشف أن الخطوة لم تكن على قدرآمال المتصدين.
وكشف تقرير المنظمة الأغذية والزراعة "فاو" التابعة للأمم المتحدة والصادر بمشاركة برنامج الأغذية العالمي تحت عنوان "حالة انعدام الأمن الغذائي في العالم 2009"، ان الجمع بين الغذاء والأزمات الاقتصادية يدفع عدد الذين يعانون من الفقر عالمياً إلى اكثر من مليار شخص، أي ما يمثل نسبة واحد إلى ستة من السكان، وهذه حدود قياسية أرست سابقة تاريخية في العالم.
وأفاد التقرير ان الوضع الراهن يكشف هشاشة نظام الغذاء العالمي وحاجته إلى اصلاح عاجل، مشيراً الى أن "معظم الذين يعانون من نقص التغذية في العالم يعيشون في الدول النامية، وما يقدر بنحو 642 مليون شخص في آسيا والمحيط الهادي يعانون من مجاعة مزمنة".
وأضاف التقرير الصادر قبل يوم الغذاء العالمي في السادس عشر من تشرين الاول/ أكتوبر، انه قبل الأزمات الأخيرة كان عدد الأشخاص الذين يعانون من نقص التغذية يزداد ببطء، ولكنه ازداد بشكل مطّرد على مدار العقد الماضي.
وأكدت منظمة الأغذية والزراعة " ان ارتفاع عدد الأشخاص الذين يعانون من المجاعة أثناء فترات انخفاض الأسعار والرخاء الاقتصادي والارتفاعات الحادة خلال فترات ارتفاع الأسعار والانكماش الاقتصادي يوضح ضعف نظام إدارة الأمن الغذائي في العالم".
قمة الفاو في روما لم تأت بجديد
وفي ظل تصاعد حاد للجوع في العالم، التقى رؤساء ومسؤولو الحكومات في العاصمة الإيطالية روما في السابع عشر من الجاري في قمة من تنظيم الأمم المتحدة، لثلاثة أيام، حول سبل مكافحة الجوع في العالم، حيث سجلت الدول الثماني الكبرى في العالم غيابها عن الاجتماع باستثناء ايطاليا المضيفة.
وكانت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة "فاو" دعت إلى عقد القمة  والأمل يحدوها في تعهد القادة بزيادة حصة المساعدات الرسمية المخصصة للزراعة بنسبة 17 في المئة من الإجمالي، وهي نسبة عام 1980 بدلاً من خمسة في المئة الآن، ما يرفع قيمة المساعدات الإجمالية إلى 44 مليار دولار سنوياً من 7.9 مليار الآن.
وبعد اختتام قمة الجوع أعمالها كانت النتيجة ببساطة التعهّد بـ"إجراءات طارئة" لمواجهة النقص في تأمين المواد الغذائيّة على صعيد العالم، تلك التي جاءت ضمن استراتيجية تبنتها الدول الغنية في قمة  مجموعة الثماني في تموز/ يوليو الماضي في ايطاليا  من خلال تقديم  عشرين مليار دولار على مدار الأعوام الثلاثة المقبلة لتعزيز التنمية الزراعية، من دون أي التزام مالي اضافي لتأمين الغذاء للبلدان الأكثر هشاشة.
صناعة الجوع مأساة عالمية
وتنص المأساة العالمية لصناعة الجوع على أن حجم ما ينتجه العالم من الغذاء يكفي لضعف سكان الارض، أي ما يعادل اثني عشر مليار إنسان، ومع ذلك فإن سدس سكان الكرة الأرضية يعانون الجوع، وعدد الذين يموتون جوعاً كل عام يبلغ خمسة عشر مليوناً في الدول الفقيرة، في وقت يموت فيه الناس في الدول الغنية والغربية من التخمة وأمراضها.
ان أحد الأسباب الخفية  في فهم أزمة الغذاء العالمية يكمن في المضاربة من خلال تكديس السلع التي تعود بالفائدة على التجار، حيث تحتكر عشر شركات عالمية توزيع 80 في المئة من التجارة العالمية للمواد الأساسية، هذا الاحتكار هو الذي يدفع منظمة التجارة العالمية الى أن تفرض على الدول النامية رفع الدعم عن المزارعين بحجة حرية المنافسة وحرية السوق، في الوقت الذي تدعم فيه أميركا وكندا والاتحاد الأوروبي مزارعيها، ما يجعل أسعار وجودة المنتجات الزراعية للدول النامية أكثر تكلفة.
وما يضاعف أزمة الغذاء في العالم وبالتالي أزمة الفقر والجوع احتكار المضاربين والشركات المتعددة الجنسيات لتجارة المواد الغذائية الأساسية وتحكّمها بأسعارها، وهنا يفهم قيام احدى الدول الكبرى بتبديد ما يقارب مئة مليار دولار من المواد الغذائية سنوياً للحفاظ على أسعار القمح وغيره من المواد الغذائية الاساسية.
الى ذلك، لا عجب من تفشي الجوع والفقر في البلدان النامية في ظل استشراس تجارة الاسلحة العالمية وحاجة تسويقها الى المزيد من بؤر النزاعات والتوتر في العالم ، فقد أكد مدير عام الفاو جاك ضيوف ان الانفاق المخصص للتسلح في العام 2006 وصل الى 1200 مليار دولار في الوقت الذي عجزت فيه الامم المتحدة عن جمع حفنة من الدولارات لمكافحة الجوع والفقر.
وهكذا أصبح من الرسمي غير المعلن انه من غير الممكن خفض معدّلات الجوع عالمياً إلى النصف بحلول 2015 بعد أن وضعت الأمم المتّحدة في يوم من الايام هدفاً كونياً يفيد بالقضاء على الجوع كلياً في العالم بحلول عام 2025، فالأرض أضحت تضمّ أكثر من مليار جائع، ومحاولات المعالجة تتقزم في  بلدان كثيرة تتفشّى فيها آفات الفقر والجوع، وتعوّل على جهود دوليّة بدت مكبّلة في قمّة الجوع، ومن بينها لبنان.
لبنان منضوٍ أيضاً في الأزمة العالمية
والواقع اللبناني ليس منفصلاً عن الواقع العالمي في ظل غياب الخطط الاجتماعيّة المناهضة لأزمتي الفقر والجوع، والتعويل في كلّ مرحلة على تسويات ماليّة وحسنات ترفع المساعدات الاجتماعيّة بنسب لا تتعدّى كحد أقصى 2 في المئة، وفقاً للأرقام التي تضمنتها الحسابات السنويّة الصادرة عن وزارة المالية.
فقد أشار تقرير التنمية الانسانية العربية للعام 2009 الصادر عن الامم المتحدة الى ان الفقر في لبنان يطال 1,10 مليون من اصل 4 ملايين لبناني.
وتبلغ نسبة الفقر في لبنان، بحسب تقرير "لأهداف الإنمائية للألفية تقرير لبنان 2008" الذي نشرته الأمم المتّحدة في أيلول الماضي، 28.5 في المئة.
غير أن وزير الشؤون الاجتماعية السابق ماريو عون أكد لـ"الانتقاد.نت" أن الفقر يطال لبنان بنسب متفاوتة، وأشار الى أن "الدراسة التي أجريت بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة للتنمية UNDP وضعت خطاً للفقر في لبنان يلامس نسبة تتراوح بين 30 و35 في المئة".
وأفاد عون أن "دراسات وزارة الشؤون الاجتماعية في هذا الصدد تشير الى نسبة فقر في لبنان تتراوح بين 45 و47 في المئة"، مؤكداً أن "المعدمين الذين يقعون تحت خط الفقر الأدنى تصل نسبتهم الى 8 في المئة، بحسب وزارة الشؤون".
وعن اجراءات وزارة الشؤون الاجتماعية لمواجهة الجوع والفقر في لبنان، كشف عون عن برنامج بالشراكة مع البنك الدولي وكندا وايطاليا، كانت الوزارة انجزت المرحلة الاولى منه منذ ثلاثة شهور، يقضي باجراء مسح دراسي للعائلات الفقيرة في الاراضي اللبنانية كافة عبر المراكز الانمائية والخدماتية التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية.
وأضاف عون " كنا بصدد وضع التقنيات اللازمة لتنفيذ المشروع ومكننة كل المراكز التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية بهدف تغطية نحو 350 ألف عائلة لبنانية فقيرة في لبنان"، مشيراً الى أن "المشروع ضخم ويستوجب سنتين الى ثلاث سنوات من العمل"، آملاً أن يستكمل الوزير الحالي الخطوات التالية للمشروع.
وكشفت مصادر وزارية لـ"الانتقاد.نت" أن المشروع المزمع تنفيذه عبر البنك الدولي بالتعاون مع وزارة الشؤون الاجتماعية يقوم على سياسة تمويلية للبنك تقضي بمنح العائلات الفقيرة في لبنان "بطاقات فقر" وفق احتياجاتها.
وكشفت المصادر نفسها  بعض النتائج الاولية للاحصاءات التجريبية في بيروت، التي تشير الى أن منطقة الشياح تضم 40 في المئة من العائلات الفقيرة، ومنطقة الطريق الجديدة 33 في المئة، في حين سجلت منطقة عين الرمانة نسبة 27 في المئة.
أين لبنان من منظمة "فاو" وقمتها في روما؟
نفى وزير الشؤون الاجتماعية السابق ماريو عون أي تعاون أو اتصال مع منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة "فاو" خلال وجوده على رأس الوزارة، مشيراً الى تعاون وزارة الزراعة معها.
وأضاف "لو وصلت لي دعوة شخصية لحضور المؤتمر لكنت لبيتها بالتأكيد لأنني لبيت كل الدعوات الدولية التي وجهت لوزارة الشؤون الاجتماعية".
في المقابل، سجلت وزارة الزراعة في الحكومة الجديدة زيارة وفد الى مؤتمر روما برئاسة الوزير الدكتور حسين الحاج حسن ضمن مشاركة عالية المستوى كما وصفها ممثل منظمة الاغذية والزراعة "فاو" في لبنان الدكتور علي مومن الذي أكد بدوره لـ"الانتقاد.نت" عدم تنظيم برامج حالية مع وزارة الشؤون الاجتماعية تعنى بمكافحة الفقر والجوع في لبنان، مشيراً الى أن " الاهتمام الأول كان مع مسؤولين في القطاع الزراعي ومن خلال التنسيق مع وزارات الطاقة والمياه والبيئة والاقتصاد".
واعتبر الدكتور مومن أن مهمة منظمة "فاو" في كل بلد هي مرافقته في تطبيق السياسات الهادفة لتحقيق الأمن الغذائي الدائم المرتبط بدوره بالأمن الاجتماعي، مؤكداً أن القطاع الزراعي في لبنان يمتلك مقومات الأمن الغذائي المتمثلة بوفرة المياه والكفاءة والحكمة في النشاط الزراعي، إضافة الى المساحات الملائمة للعمل الزراعي، وهذا ما يفرض أن يكون بلداً مرتاحاً في ظل أزمة الجوع والفقر العالمية، على حد تعبيره.
وتابع الدكتور مومن في حديثه لـ"الانتقاد.نت" ان الخلل في سياسة لبنان الغذائية يكمن في عدم تقريب النشاط الجامعي من العمل الزراعي، وفي عدم اهتمام رجال المال بالاستثمار في القطاع الزراعي لاعتقادهم بعدم وجود قاعدة اقتصادية للقطاع الزراعي، وتوجههم في المقابل الى قطاع السياحة والخدمات، مؤكداً انه "بإمكان لبنان أن يحقق أمناً غذائياً ولكن الشرط هو الاهتمام من طرف رجال المال ورجال القرار".
وعن برامج منظمة الأغذية والزراعة في لبنان للحد من انتشار الجوع والفقر، أفاد الدكتور مومن أن المنظمة بدأت برامج "طوارئ" في لبنان مع بداية العام 2007 تقدر ميزانيتها بأكثر من خمسة ملايين دولار، تهدف الى مساعدة المزارع " للوقوف على قدميه"، وتحول دون الزحف الريفي، ولكنه أكد ان الميزانية المطروحة غير كافية لأن "القطاع الزراعي في لبنان يحتاج الى الكثير".
الى ذلك، أشار مومن الى برامج عادية للمنظمة تهدف الى دعم القطاع الزراعي ليؤدي دوره الاقتصادي في النمو الوطني، والى برنامج إحصائي تعمل المنظمة حالياً على تحقيقه يسمح بكشف المناطق اللبنانية المؤهلة للمشاركة في النمو الزراعي.
ختاماًَ، قد تكثر البرامج الدولية والحكومية وغير الحكومية الساعية الى تقزيم  ضخامة الفضيحة العالمية التي سجلها  العام 2009 في روما، والذي حددت فيه الامم المتحدة سبعة تهديدات لأمن الانسان العربي في تقرير التنمية الانسانية العربية، وأوصت بالتركيز على سبعة عوامل لتحقيق هذا الأمن، من بينها القضاء على الجوع وسوء التغذية!
هي توصيات وستبقى مجرد توصيات على ورق ما لم يمزق جياع العالم ورقة الاستسلام  لجبابرة العالم... ذات يوم!
2009-11-21