ارشيف من :أخبار عالمية

حرب الحلفاء في اليمن وسياسة التوريط المتبادل!

حرب الحلفاء في اليمن وسياسة التوريط المتبادل!
"الانتقاد.نت" - عقيل الشيخ حسين

ذكر بيان صادر عن الحوثيين أن طائرات حربية أميركية نفذت، خلال الأيام القليلة الماضية، عشرات الغارات على مناطق في شمال اليمن، وأن هذه الغارات التي نفذت ليلاً قد طالت أحياء سكنية ومساجد وأسفرت عن سقوط 120 قتيلاً ونحو 50 جريحاً، أكثرهم في معسكر يضم أسرى من أفراد وضباط الجيش اليمني كانوا قد سقطوا في أيدي الحوثيين.

وقد نفت كل من الحكومة اليمنية والإدارة الأميركية صحة هذه المعلومات، واستغرب البعض أن يكون الحوثيون قادرين، بوسائلهم المتواضعة، على معرفة هوية الطائرات المهاجمة، وخصوصاً أن غارات جوية تشن يومياً على شمال اليمن من قبل الطيران الحربي اليمني ونظيره السعودي.

ويعكس هذا النفي، فيما لو صحت دعوى الحوثيين، مدى الحرج الذي يشعر به النظام اليمني الذي عجز، بعد خمسة أشهر من بدء المواجهات، عن قمع التحرك الحوثي، برغم تعدد أشكال الدعم العسكري واللوجستي والمالي والسياسي الذي يحصل عليه من الخارج، ولا سيما من المملكة العربية السعودية التي دخلت في الآونة الأخيرة على خط المواجهة العسكرية مع الحوثيين.

وهو يعكس خصوصاً مدى الحرج الأميركي الناشئ عن عجز "الحلفاء"، كما تسميهم المصادر الرسمية الأميركية، عن حسم الموقف، وهو الأمر الذي يجبر أميركا بالتالي على أن تتدخل بنفسها، وبشكل مباشر، في الحرب الناشبة في شمال اليمن، في وقت تنوء فيه واشنطن تحت ثقل إخفاقاتها في حربي أفغانستان والعراق، وهي الإخفاقات الناشئة، جزئياً على الأقل، عن تلكؤ أو عجز "الحلفاء" هناك عن القيام بدور فاعل بما فيه الكفاية.

الحرج الأميركي ليس ناشئاً إذاً عن "خجل" الإدارة الأميركية لكونها قد ضبطت متلبسة بجريرة التدخل. لسبب وجيه هو أن هذا النوع من التدخلات، ليس جريرة أو عملاً شائناً في العرف الأميركي، بقدر ما هو، إضافة إلى مشروعيته المزعومة بوصفه جزءاً من الحرب المعلنة على ما يسمى بالإرهاب، عمل عسكري مشروع تماماً وضروري كالقصف الذي تقوم به الطائرات الأميركية في وزيرستان الباكستانية، أو الإسرائيلية في غزة.

مشروع وضروري وعادي أيضاً في سياق مئات الحروب التي شنتها الولايات المتحدة خارج حدودها منذ لحظة تأسيسها، وفي سياق أشكال التدخل الأخرى ومن ضمنها اضطلاع الاستخبارات المركزية الأميركية في ما لا يحصى من انقلابات واغتيالات، إضافة إلى عمليات القصف الجوي "الموضعية" التي نفذ بعضها ضد السودان وليبيا.

لكن النفي الأميركي لا يخلو من استهتار بالبديهيات التي يعرفها القاصي والداني. فاليمن، بعد مواقفه المعروفة في إدانة الغزو الأميركي للعراق وفي سياساته القومية المعادية للولايات المتحدة و"إسرائيل"، وجد نفسه مدفوعاً لاعتبارات شتى، إلى الانخراط في الحرب الأميركية على الإرهاب. فأقام علاقات أمنية مع أميركا وسمح بدخول أنشطة مكتب التحقيقات الفيدرالي، وحصل لقاء ذلك على مساعدات أميركية وأوروبية ودولية. واستعملت هذه المساعدات كهراوة مصلتة عليه إلى الحد الذي سمح للرئيس الأميركي السابق، جورج بوش، أن يشكك في صدقية الرئيس اليمني علي عبد الله صالح في مكافحة الإرهاب.

والواضح أن الإعلانات المتوالية عن قيام السلطات اليمنية باعتقال إرهابيين أو قتلهم، أو طرد مئات الطلبة المشبوهين بالانتماء إلى تنظيمات إرهابية، لم يكن كافياً في نظر الأميركيين، ما دفع فيما يبدو النظام اليمني إلى ابتكار حربه على الإرهاب، أو إلى الانصياع لإملاءات بهذا المعنى.

وشاءت الظروف أن تدور رحى هذه الحرب في شمال اليمن أي، تحديداً في المكان الذي شهد أكبر تظاهرات مناوئة للسياسات الأميركية والإسرائيلية بشكل متناغم تماماً مع الطروحات الرسمية التي كانت سائدة في اليمن قبل العام 1994.

مؤدى القول إن النظام اليمني قد جرى توريطه أميركياً في هذه الحرب، ربما في إطار سياسة الفوضى البناءة، ثم اتسعت حلقة التوريط لتمتد في الإطار نفسه إلى المملكة العربية السعودية، قبل أن تنتهي ليستفيق الأميركيون على وضع مزعج ناشئ عن عجز اليمن والسعودية عن استئصال شأفة الحوثيين الذين اتسعت، فيما يبدو، حدود المنطقة التي يسيطرون عليها لتصل إلى تخوم صنعاء.

وإذا كان الأميركيون قد بدأوا تدخلهم في اليمن عبر القصف الجوي، فإنهم يعلمون جيداً بأن هذا القصف لا يكفي لحسم الموقف، وبأنه سيكون عليهم أن يقوموا بشن عمليات برية غير مضمونة النتائج ومفتوحة على إخفاقات شبيهة بتلك التي تصيبهم في العراق وأفغانستان، ليجدوا أنهم قد تورطوا هم أنفسهم في الحرب التي دفعوا إليها حلفاءهم..

ثم ما معنى النفي الأميركي الذي أعقبته تأكيدات منها ما نشرته الدايلي تلغراف اللندنية عن إرسال قوات خاصة أميركية لتدريب الجيش اليمني، وسبقته قبل أيام تصريحات قائد القوات المركزية الأميركية الجنرال دايفيد بترايوس التي أكد فيها أن الولايات المتحدة تدعم اليمن من الناحية الأمنية في سياق التعاون العسكري مع حلفائها في المنطقة، وأن أميركا ستدافع عن حلفائها في المنطقة، وأن السفن الحربية الأميركية منتشرة في المياه الإقليمية اليمنية، وأن إعاقة إمداد من أسماهم بالمتمردين الحوثيين تدخل في صميم مهماتها؟

ألا تشكل تصريحات بترايوس هذه نفياً مسبقاًً للنفي الأميركي، وتأكيداً لصحة المعلومات الصادرة عن الحوثيين بخصوص القصف الجوي الأميركي؟

2009-12-18